تاريخ مدينة القدس الشريف

وقفة مع المكان و المكانة و المسمى

تحتل القدس مكانة مرموقة عند كل أصحاب الديانات، فهي عند المسلمين أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام، وهي عند النصارى مهد المسيح ومكان مولده، وهي عند اليهود المكان الذي عاش فيه ملكهم وبني فيه هيكلهم…         مزيد> >

 

القدس … نبذة تاريخية

تعتبر مدينة القدس من أقدم المدن التاريخية في العالم، حيث يزيد عمرها عن (45) قرنًا، وهي مهد الديانات السماوية الثلاثة، اليهودية والنصرانية والإسلام…    مزيد> >

                                                                                                   

 

القدس في عهد الكنعانيين و العبرانيين (966 ق.م)

أقدم وثيقة محفوظة أوردت اسم “القدس” (أورسالم – أورشاليم) هي وثيقة مصرية ترجع إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، حيث كان سنوسرت الثالث (1878 – 1843ق.م) يعد ملك “روشاليموم” أو “أوشاميم” عدوا له يستحق اللعنة في الطقوس الدينية…      مزيد> >

 

القدس بعد عهد العبرانيين والعصر الروماني

كانت دولة داود وسليمان )عليهما السلام ) في فلسطين وبعض النواحي المحيطة بها – دولةً استثنائية في مكانها؛ إذ المعهود في تاريخ هذه المنطقة هو تبعيتها لدولة قوية في بلاد ما بين النهرين (العراق) أو في مصر، لذلك لم يمر على موت سليمان سوى بضع سنوات حتى غزا الفرعون شيشنق فلسطين حوالي عام 920 ق.م…     مزيد> >

 

القدس في العهد الروماني

المرحلة الرومانية في تاريخ القدس (63 ق.م – 637م) أهم في تأثيرها على المدينة من المراحل العبرية والكلدانية (البابلية) والفارسية، فقد صارت القدس مع الرومان – حتى في اسمها – شيئا آخر غير ما كانت عليه في أيام هذه الدول…      مزيد> >

 

القدس في صدر الإسلام

الكثير من المصادر الإسلامية تناولت القدس: تاريخَها ومنزلتها وفضائلها، سواءٌ أكان ذلك على صورة مؤلفات خاصة بالمدينة المقدسة، أم ضمن مؤلفات عامة…   مزيد> >

 

القدس في السياسة الأموية

كانت الشام مركز المؤيدين للسياسة الأموية، فقد طالت الصلة بين أهل الشام وبين معاوية بن أبي سفيان – رأس دولة بني أمية – ورأوا فيه سياسيا وقائدا ماهرا، واختار الأمويون عاصمتهم في قلب الشام (دمشق)، وأولوا الشام ومدنها وأهلها اهتماما خاصا…     مزيد> >

 

القدس في عهد العباسيين

بعد نجاح العباسيين في انتزاع الحكم من الأمويين سنة 132هـ / 750م، اتخذوا مدينة بغداد عاصمة لخلافتهم، ومنذ ذلك التاريخ خضعت فلسطين لحكمهم ومن ضمنها مدينة بيت المقدس…    مزيد> >

 

القدس في العصر الفاطمي

في سنة 359هـ بدأت القدس تاريخها الفاطمي، وشغل هذا التاريخ أكثر من قرن من عمر الزمان، وأنهته الهجمة الصليبية الشرسة، والتي أحدثت تطورات عميقة في داخل العالم الإسلامي، أطيح أثناءها بالدولة الفاطمية تماما…  مزيد> >

 

القدس في عهد المماليك

من أكثر الأمور التي تؤكد على أن مكانة القدس العالية هي عند المسلمين كافة .. فترة حكم المماليك، فالمماليك من المعروف عنهم أنهم من أجناس شتى، وأمم متفرقة مختلفة العادات والتقاليد، ومع ذلك نجدهم قد اهتموا بالقدس اهتمامهم بالحرم الشريف في مكة…     مزيد> >

 

القدس في عهد الخلافة العثمانية

من الفترات التي كثر فيها اللغط، وزاد بها الكلام وتأرجحت فيها عقول الناس بين الأخذ والرد فترة العثمانيين، ففي هذا العهد استولى اليهود على القدس وتناثرت الإشاعات عن أن العثمانيين هم السبب في هذا الضياع، واستغل اليهود هذه الشائعات في تنفيذ مخططاتهم القائمة على سياسة”فرق تسد” …    مزيد> > 

 

 

سكان القدس في العهد العثماني

إن الأكثرية الساحقة من سكان مدينة القدس كانت تتألف من أهالي المدينة المسلمين العرب، ولكن كانت هناك نسبة صغيرة من المسلمين الذين اختاروا الإقامة في القدس بعد أن وفدوا إليها من أقطار إسلامية وعربية مختلفة مثل المغرب ومصر وسوريا والعراق وغيرها من دول آسيا الوسطى …     مزيد> >

 

 

القدس تحت الاحتلال البريطاني : مخططات تهويد هادئة و ثورات فلسطينية مستمرة

المحاولات اليهودية والصهيونية لتغيير معالم القدس قديمة جدًا خلال كل الفترات والحقب التاريخية التي تعاقبت عليها، ولكن الحقبة التاريخية أكثر تغلغلاً هي فترة حكم العثمانيين بدءًا من سنة 1516م فقد منحوا اليهود الحرية التامة لزيارة الأراضي المقدسة دون قيد أو شرط، وبدا ذلك واضحًا في عهد السلطان سليم الأول…   مزيد> >  

 

الانتداب البريطانى 1917-1948

احتل الحلفاء مدينة القدس في 9 من ديسمبر 1917، وأنشأت بريطانيا حكومة عسكرية في فلسطين قبل أن تكمل احتلالها لشمال فلسطين والذي تم في سبتمبر 1918 وعينت الحكومة الإنجليزية الجنرال “كلا يتون ” على رأس الإدارة العسكرية في فلسطين…    مزيد> >

 

القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي

إثر إعلان قيام دولة “إسرائيل” في 15 من آيار / مايو 1948 وانسحاب سلطة الانتداب البريطاني من فلسطين دارت معارك بين الجيوش العربية والقوات اليهودية في نواح متعددة من فلسطين…     مزيد> >

 

 

 

 

 

 

وقفة مع المكان والمكانة والمسمى

 

محمد أبو مليح *

 

 

 

 

تحتل القدس مكانة مرموقة عند كل أصحاب الديانات، فهي عند المسلمين أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام، وهي عند النصارى مهد المسيح ومكان مولده، وهي عند اليهود المكان الذي عاش فيه ملكهم وبني فيه هيكلهم، وإليها سيعود المسيح حتى يقودهم إلى سيادة العالم– على حد زعمهم –  وهي في نفس الوقت ذات طبيعة تجعل كل من يريد ملكا ومالاً يطمع فيها. وهذه إطلالة على مكان ومكانة ومسمى المدينة المقدسة.

 

أولا : الموقع والمساحة

تقع القدس على خط عرض 31.52 درجة شمالاً، وعلى خط طول 35.13 درجة شرق غرينتش، وتقع على هضبة ممتدة جنوب السلسلة الجبلية الفلسطينية على ارتفاع 750 مترًا فوق سطح البحر المتوسط وتبعد عنه 33 ميلاً، وعلى ارتفاع 1150 مترًا فوق سطح البحر الميت وتبعد عنه 15 ميلاً، وتنحصر المدينة بين تلين مستطيلين يسيران متوازيين من الشمال إلى الجنوب وسط هضبة اليهودية الوسطى، ولها أربع قمم أولها في الشمال الغربي وتسمة قمة أكرا وارتفاعها 790م، والغربية صهيون 777م، وفي الشرق قمة سوريا 744م أما في الشمال الشرقي فتقع صخرة بزيتا، وهي استمرار للتل الشرقي نحول الشمال.

وأثر هذا الموقع على مناخ مدينة القدس حيث يكثر المطر في أكتوبر وحتى مايو، ويندر بين سبتمبر ويونيو، ومتوسطه السنوي 25.5 بوصة، وبالقدس 18 مرصدًا لتسجيل الأمطار، وكثيرًا ما يتساقط الجليد من ديسمبر حتى مارس، ويندر في أبريل، ويتكون بكثرة في يناير ليلاً، لكنه يذوب نهارًا، والمدى الحراري من 25 ـ 102ف، ومتوسط درجة الحرارة في يوليو (الصيف) 77 ف وفي يناير 43 ف، ومدى الرطوبة الجوية كبير وفي الربيع والخريف تهب رياح السيردكو، التي تنفذ للمدينة المقدسة من الفتحة الجنوبية الشرقية آتية من صحراء موآب في الجنوب، وتسود الرياح الشمالية الغربية الجافة. لكن نسيم البحر يجلب معه الرطوبة إليها.

وقدرت مساحة المدينة سنة 1945 بحوالي 19 كيلو مترًا مربعًا.

وكان العرب يمتلكون منها قبل ـ 1948م ـ 88.5% من المساحة الكلية للمدينة، واليهود 11.5% فقط من القدس القديمة، وفي المدينة الجديدة كان للعرب 53.8% من المساحة ولليهود 26.1% وللحكومة الإنجليزية 2.9% ونسبة 17.1% طرق وميادين عامة وسكك حديدية.

 

ثانيًا : مكانة القدس

لم تحظ مدينة من المدن ولا مصر من الأمصار في العالم كله بما حظيت به مدينة القدس من المكانة العالية في نفوس كل أجناس البشر، فهي مدينة جمعت آثارًا مقدسة منذ أربعة آلاف سنة، وهذه الآثار كان لكل جنس من الأجناس حكاية مع أثر أو أكثر منها.

وتتناول في عجالة مكانة القدس عند كل من المسيحيين واليهود ثم عند المسلمين.

 

أولاً ـ عند المسيحيين:

للقدس مكانة مرموقة عند المسيحيين، فهي المكان الذي يحجون إليه، وبها ولد السيد المسيح، ولهم بها ارتباط روحي عال جدًا فقد عاش المسيحيون فيها منذ قرون عديدة تعود إلى زمن السيد المسيح فعندهم ما يسمى بدرب الآلام وهو مقدس عند كل الطوائف المسيحية لاعتقادهم أن السيد المسيح قد صار فيه حاملا صليبه عندما اقتاده الجنود الرومان لصلبه تنفيذًا لأوامر الوالي الروماني بيلاطس.

ويقودل د. ميخائيل مكسي إسكندر في كتابه (القدس وبيت لحم) .. دراسة جغرافية وتاريخية وأثرية يقول : (وقد تعرضوا ـ أي المسيحيين للمتاعب الكثيرة هناك ولا سيما من اليهود ومن غيرهم، وقد اغتصب الصليبيون – في الغزو  الأوروبي لبيت المقدس – أملاك المسيحين العرب وكنائسهم، إلى أن أرجعها لهم القائد العربي صلاح الدين الأيوبي، الذي وثق في أمانتهم وأعطاهم دير السلطان، وكانت شئونهم الروحية تدار بمعرفة المطرانية السريانية، إلى أن تم رسامة أول مطران قبطي للقدس وتخومها سنة 1236م).

 

ومن ممتلكات الأقباط بالقدس :

1 ـ دير السلطان وبه كنيستا الملاك، والأربعة كائنات الروحية الغير متجسدة.

2 ـ دير أنبا أنطونيوس، شمال شرقي كنيسة القيامة، وبه كنيستان باسم القديسين أنطونيوس وهيلانة.

3 ـ دير مارجرجس بحارة الموارنة قرب باب الخليل.

4 ـ خان الأقباط للحج منذ عام 1829 في حارة النصارى.

5 ـ كنيسة العذراء بالجثيمانية (بجبل الزيتون).

6 ـ هيكل على جبل الزيتون.

7 ـ كنيسة باسم ماريوحنا، خارج كنيسة القيامة.

8 ـ هيكل باسم الملاك ميخائيل ملاصق للقبر المقدس من الغرب.

هذه الأملاك في مدينة القدس فقط وتوجد لهم أملاك أخرى خارج المدينة ليس هنا مكان ذكرها لالتزامنا بمنهج الدراسة.

 

ثانيا : عند اليهود :

ينقسم اليهود في مشاعرهم تجاه القدس إلى قسمين: الأول منهما يرى أنها مدينة عادية، بل ويمكن الاستغناء عنها بأخرى ومن هؤلاء زعيم الصهيونية نفسه تيودر هرتزل، حيث من الثابت أنه قبل اقتراح السياسي البريطاني الكبير (تشمبولين) في إعطاء اليهود وطنا قوميا في أوغنده بوسط إفريقيا، لولا أن غلاة الصهيونية ثاروا عليه، بل واعتدوا على مساعده (ماكس نوارداو) بالرصاص، واتهموا هرتزل نفسه بالخيانة لولا أنه تراجع تماما عن موقفه فتراجعوا هم أيضا.

الفريق الآخر هم الغلاة منهم وهم يرفعون دائمًا أصواتهم ويترنمون بنص من المزامير (مزمور 137/605) والذي يقول : (إن نسيتك يا أورشليم فلتشل يميني، وليلتصق لساني بحنكي إن لم أذكرك، إن لم أرفع أورشليم على قمة ابتهاجي).

ولكن ومع ذلك فإن الجانبين لا مانع لديهم نهائيا أن يعتدوا على المدينة المقدسة بل يعتبرون القتل والذبح والتدمير فيها قربة إلى الله.

 

وأما أهم مقدسات اليهود في القدس :

فمن الثابت أنه ليس لليهود بالقدس سوى بعض الكُنس (مفردها كنيس) وهي حديثة البناء نسبيًا، وكذلك بعض القبور.

ويرجع تاريخ بناء أول كنيس إلى القرن الثامن عشر الميلادي، وجميعها يقع في الحي اليهودي بالقدس القديمة، وهو الحي المعروف بحارة اليهود، ومنها، قدس الأقداس، طبرت إسرائيل، توماتوراة، بيت إيل، مدراش، طابية، مزغاب لاوخ)).

ولليهود مقبرة خاصة بهم فيها أربعة قبور مميزة وهي : قبر النبي زكريا، وقبر يعقوب، وقبر أبشالوم، وقبر يهوشافاط.

أما بالنسبة لحائط المبكى الذي يقدسه اليهود، فالاعتقاد السائد الخارجي عندهم أنه البقية الباقية من سور أورشليم القديم، وأنه الحائط الخارجي للمعبد الذي رجمه هيردوس (18ق.م)، ودمر جانبًا منه تيطس (70م)، وأتى على ما تبقى منه هدرياتوس (135م)، ويقوم اليهود بزيارته وتقبيله وقراءة بعض النصوص التوراتية والتلمودية إلى جواره، وكذلك البكاء على مجدهم الضائع.

 

ثالثًا: عند المسلمين

ارتبط المسلمون بالقدس ارتباطًا وثيقًا وعقائديًا ظاهرًا، وذلك لما لها من المكانة في دينهم، ولحث النبي (صلى الله عليه وسلم) على الرباط فيها وتذكيره (صلى الله عليه وسلم) بفضائلها ومما جعل للقدس هذه المكانة في نفوس المسلمين عدة أمور منها:

1 ـ أنها مدينة الإسراء والمعراج، وهذه الذكرى لها حب وارتباط عاطفي شديد في قلوب المسلمين، حيث كانت تسرية عن نبيهم (صلى الله عليه وسلم)، والثانية أنها فرض فيها عليهم ركن من أركان دينهم وهو الصلاة، ولذا فهي تمثل جزءًا من عقيدة المسلمين.

2 ـ أنها أرض الأنبياء، والمسلمون يعتبرون أن ميراث كل الأنبياء هو ميراث لهم؛ لأن نبيهم هو النبي الخاتم، والإسلام حث المسلمين على أن يؤمنوا بهؤلاء الأنبياء السابقين لنبيهم، ولذا فكل مقدس عند أي ديانة أخرى أي خاص بنبي من الأنبياء هو مقدس كذلك عند المسلمين.

3 ـ القدس كانت قبلة المسلمين الأولى، والتي يتوجهون إليها وهم يعبدون ربهم.

4 ـ تبشير النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن أرض القدس هي أرض الرباط إلى يوم القيامة فعن معاذ بن جبل (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يا معاذ إن الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات. رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة).

وعن أبي إمامة الباهلي (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله عز وجل وهم كذلك، قالوا يا رسول الله: وأين هم ؟ قال بيت المقدس وأكناف بيت المقدس).

5 ـ أن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر، ففي حديث ميمونة بنت سعد مولاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قالت يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال أرض المحشر والمنشر.

6 ـ القدس عاصمة الخلافة الإسلامية القادمة:

عن ابن عساكر عن يونس بن ميسرة بن حابس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ( هذا الأمر (يعني الخلافة) كائن بعدي بالمدينة، ثم بالشام، ثم بالعراق ، ثم بالمدينة ثم ببت المقدس فإذا كان بيت المقدس فثمة عقر دارها، ولن يخرجها قوم فتعود إليهم أبدًا).

ولهذه الأمور فقد ارتبط المسلمون بالمدينة المقدسة أيما ارتباط.

 

وعن آثار المسلمين هناك :

1 ـ المسجد الأقصى.

2 ـ مسجد قبة الصخرة.

3 ـ حائط البراق

4 ـ فضلا عن أن كل أرض القدس هي مقدسة عن المسلمين.

5 ـ وبالإضافة إلى أن كل آثار الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم هي مقدسة عند المسلمين كما سبق ذكره.

 

رابعًا: الأسماء القديمة للقدس:

تذكر معاجم الكتاب المقدس أقدم اسم للمدينة في (نصوص الطهارة) المصرية في القرن التاسع عشر قبل المسيح بصورة (يورشاليم) أو (أورشاليم) وقد يظن البعض أن (أورشاليم) اسم عبري، أو اسم اختاره العبريون لمدينة القدس، لكن الحقيقة المؤكدة على خلاف هذا تماما، فـ أورشاليم اسم كنعاني : من لغة كنعانية، واختاره لها الكنعانيون، ودخل عليه بعض التحريف على لسان العبرانيين، فهو في الأصل (أورسالم)، أي مدينة سالم، أو مدينة إله السلام، ولكن تحول السين إلى شين على لسان العبريين.

وقد أوردت آثار الأمم القديمة المكتشفة هذا الاسم بصور مختلفة، فالأواني المكتشفة من عهد سنوسرت الثالث (القرن 19 ق.م) تسميها (أورشاليموم)، ورسائل تل العمارنة (القرن 14 ق.م) تنطقها (يوروساليم) وأما مخطوطات سنحاريب الآشورية فقد أوردت اسم القدس هكذا : (يوروسليمو).

وقد سبق اسم (يبوس) إلى الوجود كل الأسماء التي حملتها المدينة، حيث نسبها البناة الأوائل إلى أنفسهم.

ومن الأسماء القديمة أيضا (القدس)، وقد ورد لدى المؤرخ والرحالة اليوناني الشهير هيرودوت (484 ـ 425 ق.م) هكذا : (قديتس).

وللقدس أسماء عديدة فهي : صهيون ، ومدينة داود ، وأريئيل، وموريا، وإيلياء وتنطق إيليا، ونادرا إليا، أو بيت المقدس، ولكل اسم من أسماء قصة وحكاية قلكثرة الغزاة على المدينة كثرت أسماؤها وتعددت فكل غاز كان يسميها باسم والجامع أو العامل المشترك بينهما هذه الأسماء أنها كلها مقدسة كل اسم كان مقدسا عند من أطلقوها وذلك دليل على مكانتها.

 

 

 

 

 

                                                                                                                                                

القدس… نبذة تاريخية(*)

 

 

 

 

 

 

  تعتبر مدينة القدس من أقدم المدن التاريخية في العالم، حيث يزيد عمرها عن (45) قرنًا، وهي مهد الديانات السماوية الثلاثة، اليهودية والنصرانية والإسلام.

وقد عرفت القدس بأسماء عديدة على مر العصور كان أهمها، يبوس، أورشاليم، إيليا كابتولينا، إيلياء، بيت المقدس، القدس، القدس الشريف .

يبوس هو الاسم الأقدم الذي عرفت به القدس قبل حوالي (4500) سنة، وذلك نسبة لليبوسيين الذين ينحدرون من بطون العرب الأوائل في الجزيرة العربية، ويعتبر اليبوسيون السكان الأصليون للقدس، فهم أول من سكنها حينما نزحوا إليها مع من نزح من القبائل العربية الكنعانية حوالي سنة (2500 ق.م)، حيث استولوا على التلال المشرفة على المدينة القديمة وبنوا قلعة حصينة على الرابية الجنوبية الشرقية من يبوس عرفت بحصن يبوس الذي يعرف بأقدم بناء في القدس، وذلك للدفاع عن المدينة وحمايتها من هجمات وغارات العبرانيين والمصريين (الفراعنة).

وكما اهتم اليبوسيون بتأمين حصنهم ومدينتهم بالمياه، فقد احتفروا قناة تحت الأرض لينقلوا بواسطتها مياه نبع جيحون (نبع العذراء) الواقع في وادي قدرون (المعروفة اليوم بعين سلوان) إلى داخل الحصن والمدينة .

كما عرفات القدس بأورشالم نسبة إلى الإله (شالم) إله السلام لدى الكنعانيين، حيث ورد ذكرها في الكتابات المصرية المعروفة بألواح تل العمارنة، والتي يعود تاريخها إلى القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد.

وظلت يبوس بأيدي اليبوسيين والكنعانيين حتى احتلها النبي داود عليه السلام (1409ق.م)، فأطلق عليها اسم (مدينة داود)، واتخذها عاصمة له، ثم آلت من بعده لابنه الملك سليمان، وازدهرت في عهده ازدهارًا معماريًا كبيرًا، وفي هذه الحقبة سادت الديانة اليهودية في المدينة .

وفي سنة 586 ق.م دخلت القدس تحت الحكم الفارسي عندما احتلها نبوخذ نصر وقام بتدميرها ونقل السكان اليهود إلى بابل .

وبقيت القدس تحت الحكم الفارسي حتى احتلها الإسكندر المقدوني في سنة 332 ق.م. وقد امتازت القدس في العهد اليوناني بعدم الاستقرار خاصة بعد وفاة الإسكندر المقدوني حيث تتابعت الأزمات والخلافات بين البطالمة (نسبة إلى القائد بطليموس الذي أخذ مصر وأسس فيها دولة البطالمة) والسلوقيين (نسبة إلى القائد سلوقس الذي أخذ سورية، وأسس فيها دولة السلوقيين)، الذي حاول كل منهما السيطرة على المدينة وحكمها .

وفي سنة 63ق.م استطاع الرومان أن يحتلوا القدس على يدي قائدهم بومبي، وفي سنة 135 ميلادية قام الإمبراطور الروماني هادريانوس بتدمير القدس تدميرًا شاملاً، حيث أقام مكانها مستعمرة رومانية جديدة أسماها (إيليا كابتولينا).

وظلت تعرف القدس بإيليا أيضًا في العصر البيزنطي (330-636م)، ذلك العصر الذي اعترف فيه بالديانة المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية البيزنطية، عندما اعتنقها الإمبراطور قسطنطين، وفي عهده قامت أمه الملكة هيلانة ببناء كنيسة القيامة سنة 335 م .

وفي سنة 614م استولى الفرس للمرة الثانية على القدس وقاموا بتدمير معظم كنائسها وأديرتها، وظلت تحت الحكم الفارسي حتى استردها هرقل منهم سنة 627 م فظلت تحت الحكم البيزنطي حتى الفتح الإسلامي.

ولما كان الإسلام دينًا عالميًا لا يقتصر على العرب، فقد وقع على كاهل العرب والمسلمين نشره في كافة البلدان، فكانت الفتوحات الإسلامية وكانت فلسطين من أول البلدان التي سارت إليها الجيوش الإسلامية، وبعد هزيمة الروم في معركة اليرموك أصبح الأمر سهلاً بالنسبة للمسلمين للوصول إلى القدس وفتحها، وفي سنة 15 هجرية / 636 ميلادية دخل الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب القدس صلحًا، وأعطى لأهلها الآمان من خلال وثيقته التي عرفت بالعهدة العمرية .

وبقدوم المسلمين إلى القدس تبدأ حقبة جديدة في تاريخها، حيث توالت سلالات الخلافة الإسلامية على حكمها تباعًا، فحكمها بعد الخلفاء الراشدين: الأمويون، والعباسيون، والطولونيون، والأخشيديون، والفاطميون، والسلاجقة .

هذا وظلت تعرف القدس باسم إيلياء وبيت المقدس منذ الفتح العمري وحتى سنة 217 هجرية، عندما بدأت تعرف باسم القدس لأول مرة في التاريخ الإسلامي وذلك بعدما زارها الخليفة العباسي المأمون سنة 216 هجرية وأمر بعمل الترميمات اللازمة في قبة الصخرة المشرفة، وفي سنة 217هجرية قام المأمون بسك نقود حملت اسم (القدس) بدلاً من إيليا، ومن المحتمل أنه قام بذلك تأكيدًا لذكرى ترميماته التي أنجزها في قبة الصخرة

وعليه تكون القدس قد سميت بهذا الاسم منذ بداية القرن الثالث الهجري، وليس كما يعتقد البعض بأن ذلك يعود إلى نهاية الفترة المملوكية (القرن التاسع الهجري)، وتبلور فيما بعد حتى صار يعرف في الفترة العثمانية باسم (القدس الشريف).

وفي سنة 492هجرية / 1099 ميلادية احتل الصليبيون القدس وعاثوا فيها فسادًا وخرابًا دونما اكتراث لقدسيتها ومكانتها الدينية، فارتكبوا المجازر البشعة في ساحات الحرم الشريف، وقاموا بأعمال السلب والنهب وحولوا المسجد الأقصى إلى كنيسة ومكان لسكن فرسانهم ودنسوا الحرم الشريف بدوابهم وخيولهم حينما استخدموا الأروقة الموجودة تحت المسجد الأقصى والتي عرفت بعدهم بإسطبل سليمان، الأمر الذي يتناقض تناقضًا تامًا مع تسامح الإسلام الذي أكده وترجمه عمر بن الخطاب عندما دخل مدينة القدس .وما أن ظهر الحق وزال الباطل، حتى فتح الله على السلطان صلاح الدين الأيوبي بنصره على الصليبيين في معركة حطين سنة 583هجرية/ 1187 ميلادية، فحرر فلسطين وطهر القدس وخلصها من الصليبيين وردها إلى دار الإسلام والمسلمين .

وظلت القدس بأيدي المسلمين، تحكم وتدار من قبل السلالات الإسلامية التي جاءت بعد الأيوبيين، فكان المماليك والعثمانيون حتى سقطت بأيدي البريطانيين سنة 1917

 

 

 

القدس في عهد الكنعانيين و العبرانيين (966 ق.م)

 

د. نبيل الفولي

 

 

 

 

حديث الوثائق القديمة:

أقدم وثيقة محفوظة أوردت اسم “القدس” (أورسالم – أورشاليم) هي وثيقة مصرية ترجع إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، حيث كان سنوسرت الثالث (1878 – 1843ق.م) يعد ملك “روشاليموم” أو “أوشاميم” عدوا له يستحق اللعنة في الطقوس الدينية.

وهناك وثائق أخرى ذات أهمية أكبر في هذا السياق، وهي رسائل تل العمارنة المصرية المكتوبة بالخط المسماري على ألواح عتيقة، وترجع في تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد؛ أي إلى عصر أخناتون (1372 – 1354 ق.م). وقد اكتُشفت هذه الألواح سنة 1887م على يد فلاحة مصرية لم تعرف قيمتها، ونُقل ما نجا منها (حوالي 370 لوحا) إلى متاحف العالم في القاهرة وبرلين ولندن وبلجيكا وروسيا وإستانبول وباريس وغيرها!!

وتكشف هذه الألواح عمومًا عن اضطراب الأجواء السياسية حينئذ في الإقليم الذي تتبعه القدس، فقد كثرت الشكاوى إلى الفرعون أخناتون من ظلم بعض أمرائه، وتعددت الثورات على هؤلاء الأمراء، كما اشتدت غارات قبائل البدو الساميين المسماة “خبيري” على الأملاك التابعة لفرعون مصر، وكثرت رسائل الأمراء في هذا الإقليم يطلبون النجدة من الفرعون أخناتون، فبعث إليهم بحملة أعادت الهدوء، وأدّبت الخارجين..

لكن العواصف السياسية اشتدت من جديد عقب عودة الحملة، فخرج بعض الأمراء على الفرعون، وتوغلت قبائل “خبيري” من جديد في الأماكن المأهولة والمدن المعمورة، حتى فرضوا الضرائب على مدن عديدة كـ “غزة” و”عسقلان”..

كان أمير أورشليم (القدس) حينئذ يُدعى “عبدي خيبا”، وقد تحالف مع بعض الأمراء المجاورين له لرد الغارات البدوية عن مناطق نفوذهم، لكنهم اختلفوا فيما بينهم، وهُزم “عبدي خيبا” أمام حلفائه السابقين وأمام البدو، وتقلصت المساحة التي يحكمها، حتى حوصر في “أورشليم”، وبعث إلى أخناتون برسائل الاستنجاد الحارة، حتى قال في إحداها: “إنهم الآن يحاولون الاستيلاء على يوروساليم، وإذا كانت هذه الأرض ملكا للملك، هل تترك يوروساليم  تسقط؟!”. لكن سوء الأحوال في مصر ذاتها حال دون إنقاذ شرق البحر المتوسط من الخروج عن السيطرة المصرية.

كانت هذه بعض حلقات من تاريخ مدينة القدس العتيقة، لكنها ليست أقدم ما في هذا التاريخ، فالزمن التقريبي لنشأة القدس يرجع إلى حوالي ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد.

 هجرات عربية إلى الأرض المباركة

اتفقت جميع الأمم والكتب القديمة والحديثة على أن فلسطين كلها كانت تسمى في القديم باسم “أرض كنعان”، واعترفت بذلك أسفار العهد القديم اليهودية، وحين نسأل: ومن كنعان هذا؟ سنجد الإجابة “ببساطة”: هم شعب سامي، نزح من منطقة إلى أخرى أخصبَ منها، وأكثرَ مناسبةً للحياة والمعيشة الإنسانية.. والمنطقة التي هاجر منها هذا الشعب هي شبه الجزيرة العربية، التي خرجت منها موجات متتابعة من المهاجرين منذ أزمان طويلة، بسبب كوارث وسنوات جفاف وقعت هناك..

والحقيقة التي لا مجال للشك فيها أن ما يُسمَّى الآن باسم “بلاد الشام”، قد عُمِر منذ أزمان بعيدة بسلالات عربية، كالآموريين والكنعانيين والفينيقيين، وطرأت عليهم هجرات أخرى صغيرة في أزمنة متأخرة نسبيا من بلاد ما بين النهرين وجزر البحر المتوسط، واختلطت هذه الأجناس فيما بينها بصورة هائلة في زمن طويل، لكن اكتساب هذه البلاد لاسم مثل: كنعان، وفينيقية (منذ زمن قديم) يؤكد غلبة العنصر الذي تمثله هذه الأسماء.

ويذكر دارسو الحضارات القديمة أن الفينيقيين هاجروا من شرق الجزيرة العربية إلى أرض كنعان حوالي منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، واستوطنوا شواطئ البحر المتوسط، لترتبط حياتهم في أرض هجرتهم بالبحر المتوسط كما ارتبطت في أرض إقامتهم الأولى بما يسمى الآن “الخليج العربي”..

لكن إخوانهم الكنعانيين (الذين يشاركونهم في أصول واحدة) كانوا قد سبقوهم إلى سُكنَى هذه الأرض، وثبّتوا أقدامهم فيها، إلا أنهم اختاروا المواطن الداخلية (غير الشاطئية) في عموم سوريا؛ ليقيموا فيها مدنهم ومنازلهم، وهو ما قد يعكس عدم ارتباطهم بالبحر في مواطنهم الأولى..

والتاريخ يسجّل للشعوب العربية التي سكنت شرق البحر المتوسط أنهم علّموا العالم الكتابة القائمة على الألفبائية، كما أثبت الباحثون – من خلال دراسة المصطلحات الرياضية والفلكية وفنون العمارة والري والزراعة والعادات الدينية للأمم القديمة – أن هناك تشابها كبيرا بين حضارة الفينيقيين وبين الحضارات القديمة التي قامت في أمريكا، مما يرجّح بقوة معرفة الفينيقيين بالأمريكتين منذ زمن طويل.

والكنعانيون هؤلاء هم بناة القدس الأوائل، وعلى وجه الدقة نقول: إن اليبوسيين – وهم فرع كنعاني – قد أقاموا البناء الأول للقدس قبل الميلاد بثلاثة آلاف عام تقريبا. وقد وجدهم بنو إسرائيل مستقرين في فلسطين منذ زمن طويل حين دخلوا أورشاليم في القرن العاشر قبل الميلاد تقريبا.

ومن المعلومات المذكورة عن اليبوسيين أن لغتهم الأصلية كانت سامية كنعانية، وحين سيطر البابليون (القادمون من بلاد ما بين النهرين) على القدس، أخذ اليبوسيون عنهم لغتهم.

وعن عموم الكنعانيين ذكر المؤرخون أنهم ظلوا “خلال ألفي سنة جسرا بين مدن الحضارة على الفرات والنيل، ومنهم أخذ اليونان الحروف، ونقلوها إلى العالم. وتأثر الإسرائيليون بحضارة الكنعانيين، فأخذوا حروفهم التي كُتب بها العهد القديم، وتأثروا بأسلوبهم الشعري وبموسيقاهم وبدينهم”.

العرب يبنون القدس (يبوس) لأول مرة

كما كان العرب في جزيرتهم بطونا وقبائل، كذلك كان النازحون منهم إلى أرض كنعان. ومن الفروع الكنعانية التي سجل لها التاريخ خلود الذكر: اليبوسيون؛ والسبب في ذلك هو: بناؤهم مدينة القدس لأول مرة في التاريخ.

فهذه المدينة واحدةٌ من أشهر المدن التي عَمَرها الإنسان، وموطنٌ قُدِّر له أن يشهد من الأحداث ما لم تشهده إلا قلة نادرة من المدن، وهو ما لم يكن لليبوسيين به علم وهم يشيدون مدينتهم.

والقرن الذي بدأ فيه البناء الأول للقدس يقع ضمن “العصر البرونزي”. وليس من المعروف هل أقيمت المدينة حينئذ بناء على قرار اتخذته جماعة اليبوسيين، أو أن بعض البناءات المفردة أُضيف إلى بعض حتى استتمت المدينة كاملة، وأصبح لأهلها أمير (شيخ القبيلة) ومصالح تجارية وأنشطة مختلفة. لكن اكتشاف مثل هذه الأماكن لإقامة مدينة عليها، غالبا ما يعتمد على تجارب لرواد أو جماعات صغيرة سكنت المكان بصورة ما.

واختار اليبوسيون لمدينتهم مكانًا حصينًا يرتفع عما حوله من الأرض، وشيدوا لها حصنا لحمايتها، واختاروا لها أيضًا موقعا حيويا؛ ليتيسر لهم الانتفاع بمميزات تجارية وخيرات طبيعية تتيحها مدينة تقبع في هذا المكان، فبنيت القدس (يبوس) – مع مدن كنعانية أخرى – على طريق المياه بين الشمال والجنوب، وأُقيمت على مرتفع الضهور (وهو التل الجنوبي الشرقي في القدس القديمة القائمة الآن داخل السور) قرب عين ماء جيحون (نبع العذراء)، وحُفر تحت الجبل نفق تُنقَل من خلاله مياه النبع إلى الحصن.

وقد أطلق هؤلاء الكنعانيون على مدينتهم الصغيرة اسم “يبوس”؛ ليكون أقدم اسم لها في التاريخ، وأُضيفت إليها أسماء أخرى في أزمنة مختلفة.

وليس بين أيدينا وصف محدد لشكل المباني والشوارع ولا مواد البناء التي أُقيمت بها “يبوس” القديمة، لكن الحفائر في مدن فلسطين القديمة دلت على أن بيوتها كانت صغيرة متراصَّةً، وعادة تُقام في سفح تل، أو هي نفسها كهف في سفح التل، وترتفع البيوت طابقا واحدا، وهي إما من الطين أو الحجر العادي. أما شوارع المدينة من داخلها فهي ضيقة جدًا وملتوية، ولا توجد بها ميادين، وعند مدخلها “السوق” حيث تقام المحكمة، وتعقد العقود، وتعلن التشريعات.

وقد أُسند إلى ملك يبوسي يدعى “ملكي صادق” أنه وسّع القدس وزاد في مبانيها في القرن العشرين قبل الميلاد تقريبا، وأقام على التل الجنوبي المعروف بـ “جبل صهيون” قلعة للدفاع عن مدينته، التي صار اسمها حينئذ أوروسالم بدلا من يبوس. 

الأسماء القديمة للقدس

يظن البعض أن “أورشاليم” اسم عبري، أو اسم اختاره العبريون لمدينة القدس، لكن الحقيقة المؤكدة على خلاف هذا تماما، فـ “أورشاليم” اسم كنعاني: من لغة كنعانية، واختاره لها الكنعانيون، ودخل عليه بعض التحريف على لسان العبرانيين، فهو في الأصل “أور سالم”؛ أي مدينة سالم، أو مدينة إله السلام، لكن تحولت السين إلى شين على لسان العبريين.

وقد أوردت آثار الأمم القديمة المكتشفة هذا الاسم بصور مختلفة، فالأواني المكتشفة من عهد سنوسرت الثالث (القرن 19 ق.م) تسميها “روشاليموم”، ورسائل تل العمارنة (القرن 14 ق.م) تنطقها “يوروساليم”، وأما مخطوطات سنحاريب الآشورية فقد أوردت اسم القدس هكذا: “يوروسليمو”.

وقد سبق اسمُ “يبوس” إلى الوجود كلَّ الأسماء التي حملتها المدينة، حيث نسبها البناة الأوائل إلى أنفسهم.

ومن الأسماء القديمة للمدينة أيضا “القدس”، وقد ورد لدى المؤرخ والرحالة اليوناني الشهير هيرودوت (484 – 425 ق.م) هكذا: “قديتس”.

القدس ومصر الفرعونية

عثر علماء الآثار في مصر على قبور ونقوش كثيرة ترجع إلى الأسرة الفرعونية السادسة (حوالي سنة 2420 – 2280ق.م)، سجل بعضُها معلومات عن أقدم حملة حربية في التاريخ المعروف لنا، شارك فيها جيش وأسطول بحري من مصر، وقد كانت هذه الحملة في عهد الملك بيبي الأول، وأُرسلت لإخماد ثورة مشتعلة ضد الحكم المصري في فلسطين بناحية الكرمل..

يقول أحد رجال بيبي الأول في نقش نفيس مازال محفوظا إلى اليوم: “وعلى إثر ذلك – أي اشتعال الثورة – أبحرتُ في سفن البحر ومعي فصائل جنود، ونزلتُ خلف مرتفعات الجبال الواقعة شمالي بلاد سكان الرمال، وعندما سار هذا الجيش على المرتفعات سرتُ وقبضت على الثوار بأكملهم، وقُضي على العصاة كلهم”.

وهذه القوة في مواجهة ثورة داخلية تدل على أنها ليست محاولة لإخماد الثورة القائمة فحسب، بل هي أيضًا عمل لإرهاب من يفكر – مجرد تفكير – في الثورة، مما يعني أن فلسطين كانت مسرحًا لثورات متتابعة..

والمؤرخون يرون أن وقوع الكنعانيين بين حضارات قوية فيما بين النهرين ومصر.

وهناك قصة فرعونية شهيرة بطلها أمير يُدعَى “سنوهيت”، ترجع إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، تكشف عن معيشة بدوية كانت تحياها فلسطين في هذا الزمن، فالقبيلة هي صاحبة السيطرة، وتنافسها بقية القبائل على المنافع، ومن شأن هذا أن يسبب متاعب لحكام مصر، فكان لابد من إخضاع المنطقة لهم، أو ضمان ولاء أمرائها.

وسنوهيت – هذا الأمير الذي كان من رجال أمنمحات الأول (1991 – 1962ق.م) – هرب من مصر إلى فلسطين بعد انفراد سنوسرت الثالث (1878 – 1843ق.م) بالحكم، واختلط بالقبائل البدوية المقيمة هناك، وصاحَب أحد شيوخها (تسمّيه الوثيقة القديمة “عمو ننشي”)، الذي حنا عليه، وزوّجه من كبرى بناته، وأدمجه في حياة البادية، حتى صار ذا مال وذرية، واستعمل مهارته في تسكين ثورات البدو.

يقول سنوهيت: “لما أخذ البدو يخرجون عن الطاعة، ويقاومون رؤساء الصحارى كبَحتُ جِماحهم، وذلك لأن أمير فلسطين قد جعلني عدة أعوام رئيس جيشه، وكل بلاد سرت إليها قد طردتها من مراعيها وآبارها، ونهبت ماشيتها، وأسرت أهلها..”.

ويحكي سنوهيت عن مبارزة شرسة وقعت بينه وبين مقاتل فاتك من “فلسطين”، يقول: “وقد جاء رجل قوي من فلسطين ليبارزني في معسكري، وقد كان بطلا منقطع النظير، أخضع كل فلسطين (يقصد – فيما يبدو – أنه لم يهزمه أحد من أهلها في المبارزة).. وعند الفجر كانت فلسطين قد جاءت (يعبر عن كثرة من حضر المبارزة)؛ إذ إنها أثارت قبائلها، وحشدت ممالكها، وهيأت هذا النزال..”.

إنها حياة بدوية لا يستقر فيها الولاء لأحد، فكان الفراعنة يضمنون تبعية فلسطين بولاء أمراء المدن لهم – ويبدو أنهم كانوا كثيرين – لكن هؤلاء الأمراء كانوا يتعرضون لهجمات متتالية من البدو، لا تتوقف إلا لتبدأ من جديد، فكان لابد من مساندة الفراعنة لأتباعهم. كما أن هؤلاء الأمراء أنفسهم كانوا ينقضون ولاءهم للحكومة المركزية في مصر أحيانا.

وقد كان الاختلاط بين الأجناس في مصر وأملاكها مما لا يحول دونه حائل، فمثلا اكتُشف حديثا ما أدهش علماء الآثار، فقد تبين لهم من خلال لوحة فرعونية قديمة (لوحة الملك “آي”) “أن قومًا من الكنعانيين وفدوا على مصر، وسكنوا في منطقة أبي الهول في عهد الدولة الحديثة” (من عام 1567 – 1085ق.م)، وقد تأثر المصريون بضيوفهم، فعبدوا مثلهم ما يسمَّى بالإله “حورون”، وجاء تمثال أبو الهول الشهير أثرًا لهذه العبادة، وحمل اسمًا ساميًا هو “بر حول”، وتحول على لسان العرب إلى “أبو الهول”.

مهما يكن، فقد كانت القدس طوال ارتباط فلسطين بمصر جزءًا من مسرح الأحداث المصري، فأميرها إما أن يكون مواليا لفرعون مصر يستحق المعونة والمساعدة، وإما أن يتزعم معاداة مصر والخروج على سلطانها فيستحق اللعن حتى في الطقوس الدينية!!

لقد عمل فراعنة الأسرة الثانية عشرة (من 1991 – 1778ق.م) على بسط سلطانهم في اتجاه سوريا، وسيطروا سياسيا واقتصاديا على أرض كنعان، دون أن تصير إقليمًا مصريًا. وتركز اهتمام المصريين حينئذ على المدن الكنعانية لأهميتها التجارية والعسكرية، ولكن القدس لم يكن لها حظ كبير في هذا الأمر حينئذ، وقد شق أميرها عصا الطاعة، حتى عد سنوسرت الثالث مَلِكَها عدوًا له يستوجب اللعنات في الطقوس الدينية.

وفي أحد النقوش الفرعونية القديمة سجل أحد ضباط سنوسرت الثالث (يدعَى سبك خو) ما يؤكد توجيه هذا الفرعون حملة عسكرية إلى فلسطين، وأنه عسكر بمكان يسمَّى “سكمم” بوسط فلسطين، كما عُثر على آثار فرعونية في “مجدو” وغيرها من مناطق فلسطين ترجع إلى هذه الفترة الزمنية (القرن التاسع عشر قبل الميلاد)، مما يؤيد الرأي القائل بسيطرة مصر على القدس وما سواها في هذا التاريخ.

وفي القرن الخامس عشر قبل الميلاد دخل الفراعنة في صراع مع الحيثِيّين في الأناضول وملوك بلاد ما وراء النهر، فاحتاجوا إلى ضمان خضوع أرض كنعان لسلطانهم، حتى يمروا خلالها إلى أعدائهم في أمان، فنجح تحوتمس الثالث (1504 – 1450ق.م) في إخضاعهم، وكانت القدس من المدن التي أخضعها، وإن تمتع الأمراء هناك باستقلال كبير. ويُنسب إلى هذا الفرعون تأسيس قلعة في بيسان.

وفي القرن الرابع عشر قبل الميلاد، كانت الغارات البدوية على أمراء المدن التابعين لمصر تزداد، فكانت الاستغاثات وطلبات النجدة تتابع، وممن أرسلوا يطلبون النجدة من أخناتون (1372 – 1354 ق.م) أمير “يوروساليم” (القدس) “عبدي خيبا”، الذي حذر الفرعون بقوة من سقوط المدينة في يد قبائل “خبيري” الشرسة. ولكن ظروف مصر حينئذ حالت دون إنقاذ الموقف.

وقد يكون جالوت (الذي هزمه جيش طالوت وفيه النبي داود – عليه السلام) أميرا غير موال للفراعنة، فلم نسمع قط أن المصريين كان لهم أي تأثير أو تدخل في هذا الصراع، الذي دخلت القدس بعده تحت حكم داود وسليمان (عليهما السلام) ثم انقسمت المملكة في القرن العاشر قبل الميلاد، وسيطر أحد فراعنة الأسرة الثانية والعشرين (يُدعى شيشناق) من جديد على القدس.

الخليل إبراهيم في الأرض المباركة

اتفقت الأمم على الثناء على شخصية النبي إبراهيم (عليه السلام) وادعى كثيرون من أهل الأديان نسبتهم إليه.

وقد أكثر القرآن من الثناء على هذا الرسول العظيم، وتبدو عناصر شخصيته في القرآن الكريم واضحة كما يلي:

أولا لا يؤمن بشيء لا يقوم الدليل العقلي القاطع على صحته.

ثانيا حينما يؤمن يتفانى في العقيدة التي يؤمن بها، ويحرص كل الحرص على اكتساب أنصار لها.

ثالثا ثباته على عقيدته بعث في نفسه ثقة عجيبة بربه – سبحانه وتعالى – حتى كان يواجه الباطل وهو يعرف الأخطار الهائلة التي يمكن أن يتعرض لها، دون أن يبالي بها.

رابعا كرمه في معاملة الأضياف، فهذا النفر من الملائكة الذين نزلوا به، أكرمهم النبي الكريم حتى قبل أن يعرف هويتهم، وجاءهم بمائدة عامرة.

خامسا – السفر والترحال جزء من تكوينه، وترجمةٌ من تراجم تضحيته في سبيل دينه الذي يسعى إلى ترسيخ جذوره في المجتمعات البشرية التي أمكنه أن يصل إليها.

وكانت “القدس” أحد العناوين التي وقف، بل أطال الوقوف بها: النبي المهاجر إبراهيم ( عليه السلام ) وهي – وما حولها – المقصودة من قوله تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (سورة الأنبياء: 71).

والمفهوم من سياق حياة سيدنا إبراهيم أنه صار مع تقدمه في السن شخصية مشهورة وسط الأقوام الذين جاورهم (الكنعانيون) في الأرض التي باركها الله (القدس وما جاورها)، فرجل أُلقي في النار على مرأى ومشهد من جموع غفيرة من الناس، ونجا منها مع التهابها وتأججها الشديد، ثم هجر قومه وأهله من أجل عقيدته إلى بلاد بعيدة، واستمر في أداء الرسالة نفسها التي آذاه قومه لأجلها، ثم هو أيضا يهاجر إلى مصر بزوجته سارة، فيحاول الملك أخذها لنفسه، ولكن حال الله بين الملك وبين هذا بمعجزة باهرة – رجل كهذا لابد أن تنتشر سيرته في كل مكان، خاصة قصصَه مع الملوك والكبراء في بلاده (ما بين النهرين) أو في مصر..

وبهذا نتوقع أن تكون للنبي الكريم مع شهرته صِلاَتٌ حسنة بمن حوله من جماعات الكنعانيين وأمرائهم، خاصة أنه لا ينافس أحدا على الحكم، كما كان غنيا يرعى حيوانات له، فقد قدّم لأضيافه من الملائكة عجلا سمينا مشويا، مما يرجّح أنه كان صاحب قطيع حيواني كبير.

ومن خلال الحصر القرآني في قوله تعالى [في سورة تحمل اسم النبي إبراهيم نفسه]: (وَمَا  أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ .. ) (سورة إبراهيم: 4) سنجد أن إبراهيم ( عليه السلام ) لو كان يتكلم فقط لغة قومه في العراق دون لغات الأقوام الذين ساكنهم في الأرض المباركة – وهذا راجح بقوة – فإنه سيكتفي في هجرته بجوار هؤلاء القوم، دون دعوتهم بالصورة التي كان عليها في بلاده، فإنه “أُرسل إلى قومه خاصة”، وأدى دعوته إليهم..

ولكن ما دوره الذي سيقوم به في أرض هجرته؟ وهل سيكتفي من عمله بالدين بما مضى؟ بالقطع لابد أن مهمة جديدة قُدِّرت لأجلها هجرة الخليل ( عليه السلام ) وهي: التأسيس لقواعد أرضيةٍ جديدةٍ، سكانُها أقل طغيانا من جبابرة ما بين النهرين، وموقعُها أيسر توصيلا بشرق الأرض وغربها، تنطلق منها الدعوة إلى الله فيما يُستَقبل من الزمان. وهذا ما تم بالفعل حين أسكن نبي الله إبراهيم ( عليه السلام ) فرعا من ذريته في مكة، وفرعا آخر في الأرض المباركة بالقدس..

وهذا الرأي يشبه أن يكون قراءة للأقدار الإلهية التي وقعت بالفعل فيما بعد، فهو يجد في مسار التاريخ البشري كله ما يقوّيه ويؤيده.

وحين يحتج أحد برسالة لوط  ( عليه السلام ) الذي سكن في قرى سدوم، عند موضع البحر الميت، بالقرب من عمه – أو قريبه – إبراهيم، وكانت دعوته في أهل هذه البلاد الغريبة عنه في أصلها – لن نجد صعوبة في أن نقول: إن لوطا هاجر مع عمه قبل أن يكلَّف بالنبوة والرسالة، وما كُلِّف بها إلا وهو يعلم لغة هؤلاء الذين أُرسل إليهم، سواء أكانوا في أصولهم نازحين من وطنه، أو كانوا من الكنعانيين سكان فلسطين، وصاهرهم هو وتعلم لغتهم من طول الجوار.

وقد حاول بعض دارسي “العهد القديم” تحديد العصر الذي عاش فيه إبراهيم ( عليه السلام ) فرأى أن مولده يرجع إلى عام 1996ق.م، واكتُشفت في بابل نقوش ترجع إلى هذه الفترة، يحمل بعضها اسم “أبرامو” و”أبمرام” و”أبمراما”.

 النبي إبراهيم في الأرض المباركة: رؤية من خلال العهد القديم

من المعروف أن القرآن ليس كتاب تاريخ يتتبع من كل حدث تفصيله، بل هو كتاب منهج مرسوم بقلم العناية الإلهية لهداية البشرية إلى أقوم سبيل وأهدى طريق، ولا مانع من أن تجد فيه – إلى جانب ذلك – حكايات تاريخية وإشارات من علوم الفلك والطب وغيرها..

وحين نطبق هذا على قصة إبراهيم ( عليه السلام ) كما حكاها القرآن سنجد أن الكتاب الكريم لم يقل كل شيء عنه، بل أورد ما فيه عبرة وعظة ودور في بيان منهج الله، وبالتالي لم تكن هناك حاجة للاعتناء بتتبع التفاصيل..

واستفادةً من الحديث: “حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج” (قال العجلوني في كشف الخفاء: رواه أبو داود عن أبي هريرة، قال في المقاصد: وأصله صحيح) – استفادة من هذا الحديث يمكن أن نذكر بعض المعلومات التي أوردها العهد القديم عن نبي الله إبراهيم، ولا تخالف صريح القرآن.. وهذا يعني أننا سنتعامل مع هذا الحديث على أن معنى “التحديث” عن بني إسرائيل ليس هو فقط رواية قصصهم هم، ولكنه أيضا نقل ما يروونه في كتبهم عموما:

1 يذكر العهد القديم أن إبراهيم ( عليه السلام ) أول ما أقام في أرض كنعان أقام في شكيم (نابلس) (سفر التكوين 12: 6)، وهي تقع شمال القدس ورام الله، “ثم نَقَل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل [تقع بين أورشليم ونابلس].. ثم ارتحل إبراهيم ارتحالا متواليا نحو الجنوب” (سفر التكوين 12: 8 – 9)، وفي مجاعة مفاجئة هاجر إلى مصر، ثم عاد إلى جنوب أرض كنعان، ومنها إلى بيت إيل (سفر التكوين 13: 1 – 2)، ثم “نقل أبرام خيامه وأتى وأقام عن بلُّوطات مَمْرا التي في حبرون [هي الخليل]” (التكوين 13: 18).

2 وفي حبرون كان لإبراهيم عهد – لا ندري كنهه – مع الأموريين (التكوين 14: 14). ويبدو أنه كان عهد جوار، فلم يكن للنبي الكريم من السلطان ما يناوئ به الأمراء من حوله، حتى يعقد معهم عهدًا فيه الندية التي تكون بين بعض الملوك وبين بعضهم الآخر، مع ثقتنا التامة بأن هذا العهد – إن صح – فهو عهد يحفظ لإبراهيم كامل كرامته.

3 أظهر العهد القديم إبراهيم  ( عليه السلام ) في صورة مقاتل مغوار، فذكر أن ملك عيلام (مملكة كانت وراء نهر دجلة شرق مملكة بابل) وحلفاءه هاجموا ملوك الأموريين (وهم من أصل كنعاني) – الذين بينهم  وبين إبراهيم عهد – وأسروا لوطًا وأخذوا أملاكه، ولم يكن إبراهيم – كما تذكر الرواية – موجودا حينها، وحين رجع صحب ثلاثمائة وثمانية عشر عبدا له متمرنين على القتال، وانقض على عدوه ليلا، فكسرهم، واسترجع لوطا وأملاكه ومن معه (التكوين 14: 1- 16). وعند عودته كرّمه ملك “شاليم” (قد تكون هي أورشاليم) ملكي صادق – وكان كاهنا – وباركه (التكوين 18).

4 وبعد هذه العودة المظفَّرة التي يذكرها العهد القديم، يُذكر الوعد الذي نشأت حوله مشكلات تاريخية كبيرة، ففي سفر التكوين “قطع الرب مع أبرام ميثاقًا قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات” (15: 18).

5 اشترى إبراهيم مغارة في الخليل دفن فيها سارة، ثم دُفن فيها هو عندما مات.

الوراثة في بيت إبراهيم

أصبح بيت إبراهيم ( عليه السلام ) علامة ثابتة في أرض كنعان، ونتوقع أنه قد مال إلى دينه بتلقائيةٍ وإعجابٍ العديدُ من الكنعانيين، وورث إسحاقُ بن إبراهيم هذه المنزلة عن أبيه، كما ورث النبوة بتشريف من الله – تعالى.

وقول القرآن: (.. فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً) (سورة النساء: 54) – ليس هذا الملكُ إلا النبوةَ والقبولَ عند الناس بعيدِهم وقريبِهم، فمُكِّن لهم في النفوس قبل أن يُمكَّن لهم في الأرض.

وتلا يعقوب بن إسحق ( عليه السلام ) أباه في رياسة بيت إبراهيم، والهدف من بقاء هذا البيت ليس تأسيسَ ملك دنيوي، ولكنه نهج الدعوة إلى التوحيد يرثه الخلف عن السلف.

ولعلنا نحس رسوخ هذا المعنى من التوارث في ذرية إبراهيم بالأرض المباركة، حينما نقرأ قصة زكريا ( عليه السلام ) فبعد أن كبرت سنه، ورأى أنه لا يوجد من قومه من يصلح لوراثته في الدعوة إلى دين الله، دعا قائلا: (رَبِّ  لاَ  تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الوَارِثِينَ) (سورة الأنبياء: 89).

لكن هذه الوراثة (التي يجب أن تقوم الأحقية بها على مدى الحفاظ على رسالة إبراهيم) كانت راسخة في فرع من فروع بيت إبراهيم، وهم ذرية حفيده يعقوب بن إسحاق، الذي نال لقبا تاريخيا التصق به هو “إسرائيل”.. كانت الرسالة راسخة في ذرية هذا النبي الكريم، حتى فسد حالُهم، وصاروا غير أهل لما خصهم الله به من الكرامة، فقد خالفوا هَدْيَ آبائهم، لا في الشرائع وحدها، ولكن في العقيدة نفسها، وامتدت يدهم الآثمة إلى كتب الله فحرّفوها، وإلى رسله وأنبيائه فقتلوا منهم، وكذَّبوا آخرين، فكيف يكون لهؤلاء عهد عند الله بوراثة بقعة هي من أطهر بقاع الأرض؟!

لقد كان فسادهم البالغ إيذانا بأن تتحول الدفّة منهم إلى الفرع الإبراهيمي الذي سترت صحراء الجزيرة العربية سيرته زمنا طويلا، فبعث الله نبيا من بني إسماعيل، هو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الذي ورث هو وأتباعه – مهما تكن أصولهم العِرقية وقومياتهم وأوطانهم – بلاغَ الدعوة إلى العالمين.. وعلى شرط الالتزام الصحيح بالدين وعدهم الله بالتمكين..

أول بناء للمسجد الأقصى:

عَنْ أَبِي ذَرَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَيّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوّلُ؟ قَالَ: “الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ” قُلْتُ: ثُمّ أَيّ؟ قَالَ: “الْمَسْجِدُ الأَقْصَىَ” قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: “أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصّلاَةُ فَصَلّ فَهُوَ مَسْجِدٌ” (رواه مسلم).

لا يتوافر نص صحيح الثبوت حول تاريخ البناء الأول للمسجد الأقصى إلا هذا الحديث الشريف، لكن زمن بناء المسجد الحرام لأول مرة غير مصرَّح به هنا، وبالتالي نتساءل: متى كان بناء المسجد الأقصى لأول مرة علما بما ثبت في الحديث صحيح من بنائه بعد المسجد الحرام بأربعين سنة؟

أولا ليست هناك رواية صحيحة وصريحة حول بناء الكعبة المشرَّفة قبل نبي الله إبراهيم ( عليه السلام ) هذه هي معلوماتنا، وهي نفسها – بالتأكيد – معلومات الصحابة الذين سأل أحدُهم (أبو ذر) رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) عن اسم أول مسجد بُني على الأرض. ولو كانت لديهم معلومات أخرى حول بناءٍ آخر أقدم من هذا سمعوها من الرسول – صلى الله عليه وسلم – لتناقلت الأجيال ذلك عنهم؛ خاصة لما للبيت من مكانة، ولأن مناسبة الحج التي تأتي في كل عام من شأنها أن تثير الذاكرة لتخرج من مكنونها ما يخص البيت الحرام.

ثانيا حين يجيب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أبا ذر عن أن المسجد الحرام هو أول بيت وُضِع للناس، فلن تكون المعلومة مكتملة إذا كان أبو ذر والصحابة لا يعلمون للبيت الحرام بناء قبل بناء إبراهيم.

ثالثا حين أشار القرآن إلى أولية بناء المسجد الحرام كمكان خُصِّص ليقيم الناسُ فيه الصلاة، سبق ذلك بالحديث عن ملة إبراهيم ( عليه السلام ) وتلاه بالحديث عن “مقام إبراهيم”.. يقول تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا  كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ) (سورة آل عمران: 95 – 97). وهذا يزيد في ترجيح أن المرة الأولى لبناء المسجد الحرام هي التي بناه فيها إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام.

رابعا إن قيل: هل يمكن أن تعيش البشرية من أيام آدم إلى أيام إبراهيم (عليهما السلام) بلا مساجد؟ جاء الرد: نعم، على اعتبار أن المساجد أماكن مخصصة للعبادة وحدها.

وهذا يعني أن نرجِّح أن الباني الأول للكعبة هو إبراهيم ( عليه السلام ) وما رُوي من بناء الملائكة أو بناء آدم وغيره لها، فهو واهي السند.

معنى هذا أن نرجّح بناء المسجد الأقصى – لأول مرة – بعد بناء إبراهيم للمسجد الحرام بأربعين سنة.

فمن إذن بنى المسجد الأقصى تلك المرة؟

هناك روايات غير ثابتة الصحة تسند البناء الأول للمسجد الأقصى إلى إبراهيم، وأخرى مثلها تقول بأن يعقوب هو الباني الأول للمسجد الشريف.

هجرة بيت يعقوب من الأرض المباركة

حين ورث يعقوب ( عليه السلام ) الرئاسة على بيت إبراهيم، كان يساكن جماعات البدو فوق أرض فلسطين، وكانت حياته تقوم على الرعي، والكبار من أولاده الكثيرين (اثنا عشر) يتدربون ويزاولون الرعي كذلك. ومن شأن بيئة كهذه ألا تكون قادرة على كفاية نفسها عند استحكام الأزمات، على عكس الحال في مصر المجاورة ذات الخصب والماء الوافر..

وقد أصاب المنطقةَ جدب شديد، نجت منه مصر بمشورة فتى مبارك هو يوسف بن يعقوب ( عليهما السلام ) وكان الفتى قد ساقه القدر – في القصة المشهورة – إلى مصر بعد أن سعى إخوته إلى إبعاده عن أبيه، ففتح الله له أبواب التمكين في الأرض حين أوّلَ وهو في السجن رؤيا للملك أنقذت البلاد من سبعة أعوام من الجفاف، وأتاحت للبلاد المجاورة لمصر فرصة الحصول على الأرزاق..

وقد جاء إخوة يوسف إلى مصر سعيًا للحصول على القوت، وهم لا يدرون أن الأقدار تسوقهم إلى مكان أخيهم الذي أساءوا إليه في صغره، وما وجدوه حين وجدوه في مصر إلا واحدا من أهم شخصياتها، وكبار رجالها، فدعاهم يوسف ( عليه السلام ) أن يأتوا بأبيهم يعقوب وأمهم وأولادهم وذرياتهم إلى مصر، وقال لهم: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) (سورة يوسف: 93).. قال بعض المفسّرين: “كانوا ثلاثة وتسعين، ما بين رجل وامرأة”، وهو عدد منطقي ومقبول. وبذلك خرج الفرع اليعقوبي (الإسرائيلي) من الأرض المباركة إلى أرض مصر الخصبة الغنية، وبقيت الفروع الإبراهيمية الأخرى من جهة إسحاق مقيمة هناك في الأرض المباركة.

واليهود يُظهرون يعقوب ( عليه السلام ) في كتبهم على أنه شخص مخادع أناني، فقد استغل جوع أخيه التوأم عيسو، واشترى منه بكوريَّته (أي شرف ومكانة البِكْر) بخبز وعَدَس مطبوخ!!! (التكوين 25: 29 – 34)، وأوهم يعقوبُ – كما يورد العهد القديم – أباه إسحاق الشيخ الكليل البصر بأنه هو عيسو لينال البركة بدلا منه!!! (التكوين: 27).

ودارسو العهدين القديم والجديد يحللون سيرة يعقوب في كتبهم فيقولون: “كانت ليعقوب نقائص ظاهرة في طباعه دفعته إلى ارتكاب أخطاء فاحشة، كان يجب أن يتحمل مغباتها ونتائجها، ولشدَّ ما لوّعه فقدان يوسف”!! وهي صورة تزري بالإنسان العادي، فما بالنا بالمصطفَينَ من عباد الله؟!!

وأما القرآن فيقول عن يعقوب وأبويه: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الأَخْيَارِ) (سورة ص: 45 – 47).

ويقول الله تعالى عن نبيه إبراهيم: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (سورة الأنبياء: 72 – 73).

 

* * * * *

القدس في عهد العبرانيين (966 ق.م)

 

سوف نتناول في السطور التالية فترة من أهم الفترات في تاريخ المدينة المقدسة؛ وهي الفترة التي تعتمد عليها الحركة الصهيونية في كل ما تدعيه الآن من أحقية في فلسطين، وغيرها من الافتراءات والأكاذيب. وسوف نركز في هذا الشأن على النقاط التالية:

1- العبرانيون من مصر إلى فلسطين

2 ـ القدس من خروج موسى من مصر إلى دخول داود فلسطين

3 ـ القدس وأعمال يوشع الحربية

4 ـ طالوت يقود بني إسرائيل في معركة فاصلة

5 ـ القدس في عهد الملك داود

6 ـ القدس في عهد الملك سليمان

ــــ

1- العبرانيون من مصر إلى فلسطين

خرج العبرانيون من مصر حوالي عام (1220 ق.م) بقيادة موسى (عليه السلام)، متجهين نحو أرض فلسطين، ولما حاولوا في بادئ الأمر دخول البلاد من ناحيتها الجنوبية قاومهم الفلسطينيون، وحالوا دون تحقيق هدفهم من دخول البلاد، وعندئذ توجهوا إلى جبال مؤاب والمناطق الواقعة شرقي الأردن.

ويعتقد بعض دارسي العهد القديم أن تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر يعود إلى منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد أو آخره، ويرى آخرون أنه من حوادث الربع الأخير من القرن الثالث عشر الميلادي. وليس هناك ما يقطع بصحة هذا الرأي ولا ذاك، ولكن لوحات تل العمارنة التاريخية (القرن الرابع عشر قبل الميلاد) تتحدث عن قبائل تسمى (خبيرو) كان حاكم القدس (عبدي خيبا) يشكو إلى الفرعون في مصر من غاراتهم مر الشكوى.

وتعتقد طائفة كبيرة من دارسي الحضارات القديمة أن العبرانيين كانوا أحد عناصر هذه القبائل، ويقولون : (لم يكن الخبيرو طائفة لها لغتها الخاصة أو جنسيتها الخاصة، بل كانوا ـ على ما يظهر ـ قوما أرخوا لساقهم العنان، يتألفون من سلالات مختلفة، ويحمل معظمهم أسماء سامية).

وقد سجلت النقوش والمخاطبات المصرية القديمة مجموعة من الصفات السلبية كان المصريون يطلقونها على هذه القبائل، منها : أغراب، عبيد مغيرون، جوالون، أعداء أجانب، مخاطرون.

ويبدو أن القدس حين خرج بنو إسرائيل من مصر كانت ـ مع بعض المدن حولها ـ خاضعة لقوم من الكنعانيين يدينون بالولاء لفراعنة مصر ولدينا في القرآن بعض أوصاف هؤلاء القوم من وجهة نظر أتباع موسى ( عليه السلام ) فحين أمرهم بدخول الأرض المقدسة ليقيموا فيها شريعة الله تعالى قالوا له : (إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ) (سورة آل عمران 22) .. وقد بالغت الإسرائيليات في وصف هؤلاء القوم وبيان ضخامة أجسامهم .والمتوقع أن يكون هذا تهويلاً من جانب بني إسرائيل الذين ولم يتعودوا المشاركة في الحروب، إذ كان المصريون يستعبدونهم ويمنعونهم من المشاركة في القتال مخافة أن ينقلبوا عليهم ولم يكن هؤلاء الجبارون إلا الجماعات الكنعانية المتحكمة في حواضر فلسطين، وارتبط تاريخهم بها منذ زمن بعيد.

وقد اختلف المفسرون والمؤرخون حول مفهوم الأرض المقدسة التي أمر موسى ( عليه السلام ) بني إسرائيل بدخولها، فمنهم من ذكر أنها الشام عموما، وقال البعض : إنها فلسطين ودمشق وبعض الأردن،… ومهما يكن، فإن بني إسرائيل خالفوا أمر موسى ( عليه السلام ) واستحقوا عقوبة (التيه)، حيث صارت المنطقة التي أقاموا بها في سيناء سجنا لهم تحيط به أسوار معنوية، فلا قدرة لهم على العودة إلى مصر التي خرجوا منها، ولا شجاعة عندهم ليواجهوا سكان (الأرض المقدسة)، وبقيت فلسطين في يد الكنعانيين (الجبارين !!) .

2- القدس من خروج موسى من مصر إلى دخول داود الأرض المقدسة

يعتقد أن الفترة المشار إليها في هذا العنوان تمتد (على الأكثر) من حوالي منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وقد حفظت لنا الآثار المصرية القديمة أن الفرعون أمنحوتب الثاني (1436 ـ 1411 ق.م) واصل غزوات سابقيه من ملوك الأسرة الثامنة عشرة في فلسطين وسوريا، وعثر حديثا في (منفيس) على نصب تذكاري سجل فيه أمنحوتب أنه اسر 3600 من أفراد (خبيرو) وهي لفظة قريبة من كلمة (عبري) ولكن ليس من الضروري أن يكون هؤلاء الأسرى من العبرانيين (بني إسرائيل) فـ (خبيرو) كان يشير إلى عدة قبائل ـ منهم بنو إسرائيل ـ يسكنون فلسطين ومناطق أخرى.

وفي عهد سيتي الأول (1312 ـ 1300 ق.م) ـ فرعون مصر القوي ـ قامت حملة كبيرة لقتال البدو الآسيويين في فلسطين، الذي تحركوا ضد سلطان الدولة في مصر، وسجل ذلك على جدران معبد الكرنك بالأقصر، وفي لوحة عثر عليها في بيسان سنة 1923م. وكما يذكر أحد الباحثين في الحضارات القديمة،  (كان للعبرانيين في الحركة التي قام بها هؤلاء البدو ضلع، إذ كانوا يسعون لتوطيد أقدامهم في فلسطين).

وفي عهد رعمسيس الثاني (1301 ـ 1235 ق.م) قامت حرب طاحنة في (قادش) بينه وبين مملكة (خيتا) (تقع عاصمتهم في أواسط آسيا الصغرى ـ تركيا الآن)، وانتصر المصريون، فحرض الخيتيون عليهم كل أمراء فلسطين، وشجعوهم على الثورة على الفرعون، فاضطر رعمسيس للقيام بحملة لتسكين التمرد، بدأها بعسقلان. وقد سجل مشهد على جدران معبد الكرنك الهجوم على هذه المدينة، التي ابتدأ منها رعمسيس الثاني إعادة السيطرة على فلسطين كله.

وهذا كله في النهاية يعني أن القدس ـ خلال هذه الفترة ـ كانت خاضعة لسلطان المصريين، أو بتعبير أكثر دقة : كانت في غالب الأحيان تدين بالولاء لفراعنة مصر.

3- القدس وأعمال يوشع الحربية

كان رفض بني إسرائيل الدخول إلى الأرض المقدسة كما أمرهم موسى ( عليه السلام ) إيذانا بعقوبة إلهية تنزل بهذا الجيل منهم، فكتب الله عليهم التيه أربعين سنة، قال الله تعالى : (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ) (سورة المائدة :26) ومعنى هذا أن الأربعين سنة هذه سيتلوها شيء جديد غير ما كان أثناءها، وكان هذا هو السعي إلى دخول الأرض المقدسة.

وقد قاد خطا بني إسرائيل الأولى في هذا السبيل فتى موسى واسمه (يوشع) الذي صحبه في لقاء الخضر، وسجل القرآن القصة في سورة الكهف (الآيات من 60 ـ 82).

ويذكر المفسرون عن يوشع أيضًا أنه أحد الرجلين اللذين وافقا موسى على دخول الأرض المقدسة.

إن عموم النصوص الواردة عن يوشع توحي بأنه كان رجلاً عسكريًا قويًا، إلا أن الوضع السياسي في الشام كان من التعقد بحيث يصعب على قبائل متخاذلة مثل بني إسرائيل أن تحول الأوضاع إلى صالحها، وإن كان يقودهم نبي كريم، ذلك لأن المصريين لم يكونوا يتساهلون في ضمان ولاء أمراء المدن الفلسطينية لهم، كما كان الأمراء الكنعانيون أكثر حرصا على بقاء سلطانهم على هذه المدن.

إذن، لم تصل خطا يوشع ببني إسرائيل إلا إلى سيطرة جزئية على فلسطين، وبقيت القدس ومدن أخرى في يد الكنعانيين إلى أيام داود ـ عليه السلام.

وعند التحقق من تاريخ حياة يوشع لم نجد مصدرا يحقق بدقة الفترة التي عاش فيها، وإن كانت تتراوح بين القرنين الثاني عشر والحادي عشر قبل الميلاد.

4- طالوت يقود بني إسرائيل في معركة فاصلة

لقد أورد القرآن الكريم قصة طالوت والجنود، وبها الكثير من العبر والعظات.

ولكن لا ندري بالضبط هل كان الجيش الذي قاده جالوت وقاتله بنو إسرائيل جيشًا كنعانيا أولا ؟ إلا أن نبرة بني إسرائيل في الحديث ـ حين طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكًا ـ توحي بأنهم مظلومون (أخرجوا من ديارهم وأبنائهم)، ويصعب أن يدعوا هذا في مواجهة الكنعانيين أصحاب البلاد الأًصليين، وبالتالي نرجح أن الشعب الذي قاتله بنو إسرائيل كان دخيلاً هو الآخر ـ كالعبرانيين ـ على أرض كنعان، لكنه وهو يحاول السيطرة على أرض كنعان اجتاح الشعوب الأخرى، ونال بني إسرائيل بعض هذا الشر، فمن يكون هذا الشعب المعادي ؟

يخبرنا التاريخ أنه في حوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد تعرضت أرض كنعان لغزو من شعب ينتمي إلى جزيرة كريت، استوطن الشواطئ الكنعانية من غزة إلى يافا، وتسميه الآثار المصرية القديمة (بلست) و الآشورية (بالستو) وقد قدر لهذا الشعب أن تأخذ أرض (فلستيا) وجاء الرومان بمزاجهم الأوروبي فعدوا (فلسطين) اسما رسميا لأرض كنعان.

وهذا الشعب (أي بلست) يحتمل أنه غلب على البلاد، حتى تفوق على الكنعانيين أنفسهم، وبهذا نفهم بسهولة معنى أن داود ( عليه السلام ) حكم دولة كثير من أبنائها من الكنعانيين، إذ لم يكونوا هم عدو بني إسرائيل.

5- القدس في عهد الملك داود (966 ق.م ـ 963 ق.م)

تذكر الروايات اليهودية أن داود نصب ملكًا على العبرانيين في عام (1004 ق.م) بعد أن كان محاربًا بين جند الملك شاؤول وكان يقيم في مدينة حبرون (الخليل) ولما استقر له الحكم أراد أن يتخذ لنفسه موقعا أكثر تحصينا فوجد مطلبه هذا في مدينة يبوس فهي وعرة المسالك للقادم من الأردن أو من البحر أو من الجنوب على حد سواء، وهي مسورة غير مكشوفة للغزاة، كما أن المدينة كانت تتوسط مواقع القبائل اليهودية وكانت اثنتي عشرة قبيلة متفرقة في البلاد وبذلك يتمكن من السيطرة على جميعها.

وتمكن داود عليه السلام ومن خلال خدعة حربية أن يجتاز أسوار المدينة ويدخلها عام (966 ق.م). وكانت يبوس وقتذاك تتمتع بوجود حكومة فيها وصناعة وتجارة وحضارة متقدمة، فاتخذها عاصمة ملكة وأسماها مدينة داود كما جعل اليهودية الديانة الرسمية في البلاد حيث جعل هناك نوعا من الاتحاد بين القبائل اليهودية في مملكة واحدة، وتابعه لحكم مركزي واحد .

ويعتبر المؤرخون فترة_ حكم داودعليه السلام__ الفترة الذهبية الأولى في حياة العبرانيين من النواحي السياسية والأدبية على وجه الخصوص.

6- القدس في عهد الملك سليمان (963 ـ 923 ق.م)

وتقول الرواية اليهودية أن الملك سليمان عليه السلام رأى أن يكون على وفاق مع فرعون مصر فصاهره وتزوج من ابنته وبذلك تمكن من بسط نفوذه وحكمه إلى جهات العقبة وسيناء وسورية وقد يكون امتد من دان إلى بئر السبع على حسب القول المشهور عند اليهود.

 وهكذا يعتقد أن المملكة العبرية وصلت في عهد الملك سليمان إلى ذروة مجدها وشابهت في كثير من الأمور الممالك الشرقية المعاصرة.

لكن النص التوراتي لم يعطي أية تفاصيل أخرى عن فرعون مصر، ولذلك افترض المؤرخون أن حما سليمان هو الفرعون سيامون آخر فراعنة الأسرة الواحدة والعشرين، لأن الفرعون شيشنق الذي خلفه حسب ما ورد في التوراة كان من أعداء سليمان واستقبل خصمه يربعام عندما لجأ إليه، لكن النصوص المصرية المتوفرة من عصر الفرعون سيامون لا تذكر شيئا عن سليمان ولا عن مملكته، وكذلك الأمر بالنسبة للفرعون شيشنق حيث أن سلاجته لم تأتي على ذكر الملك سليمان ولا عن مدينة أورشليم ولا عن وجود مملكة قوية موحدة في فلسطين.

وكانت أهم إنجازات الملك سليمان في مدينة القدس حسب ما أوردته الروايات التاريخية :

1 ـ أنه بنى لنفسه قصرًا ملكيًا خاصًا به استغرق بناؤه ثلاث عشرة سنة.

2 ـ يقال بأن الملك سليمان شرع في بناء الهيكل الذي اشتهر في التاريخ باسم هيكل سليمان في العام الرابع من حكمه وأنه أنجز في سبع سنوات (960 ـ 953 ق.م) وتشير الروايات التاريخية أن الهيكل بقي قائما منذ أن تم بناؤه في عهد الملك سليمان عام 953 ق.م إلى أن تم تدميره نهائيا في عهد البابليين على يد نبو خذ نصر عام 586 ق.م وذلك خلال حملته الثانية على القدس، حيث أخذ زينات الهيكل ومحتوياته ثم دمره تدميرا نهائيا. ولم يتمكن الأثريون من إيجاد أي أثر له على الإطلاق في المكان الذي يقال أنه بني عليه.

3 ـ قام الملك سليمان بتحديد بناء ما كان هناك من أسوار للمدينة.

4 ـ أن الملك سليمان عمل على إنشاء وفتح المخازن التجارية في المدينة لتمد القوافل المتنقلة بين بلاد الرافدين ومصر غير مدينة القدس بما تحتاجه من المواد التموينية.

لكن فنكلشتاين يقول : أنه بناء على نصوص التوراة كان الملك سليمان بانيًا كبيرًا، إلا أن الملك أجاب الذي تتحدث عنه التوراة بصفته حاكمًا ضعيفًا ومتزوجًا من امرأة زانية اسمها ايزابيل كان على ما يبدو هو البناء الأكبر للأبنية التاريخية المهمة، حيث يعلل ذلك قائلاً: إن المكتشفات الأثرية التي أرجعناها حتى الآن لفترة حكم داود وسليمان في القرن العاشر ق.م بنيت على ما يبدو بعد ذلك بمائة عام أي في فترة حكم الملك أجاب.

انقسام المملكة اليهودية :

ولما توفي سليمان عليه السلام تولى الملك من بعده ابنه رجيعام عام (923 ق.م). وتشير الروايات التاريخية المعتمدة على النصوص التوراتية أن الوحدة المؤقتة بين القبائل اليهودية التي حققها داود وسليمان خلال حكمهما كانت معرضة في كثير من الأحيان للانهيار، إذ كان الخلاف اقتصاديا بالدرجة الأولى بين أهل الشمال الذين عملوا في الزراعة وأهل الجنوب الرعاة، وكذلك الخلاف بين طقوس الشماليين الكنعانية الطراز وطقوس الجنوبيين التي عبدت الإله يهوه، كل ذلك أدى إلى تحين الطرفين الفرصة للانقسام.

وقد لاحت هذه الفرصة بعد موت الملك سليمان عام (932 ق.م) حيث تشير الروايات اليهودية أن ممثلو القبائل الاثنى عشر اجتمعوا في شكيم (قرب نابلس) لمبايعة رحبعام بن سليمان ملكا عليهم وكان في السادسة عشرة من عمره، وعندما سئل إذا كان سيعمل على تخفيف عبء الضرائب التي فرضها والده عليهم، رد رجيعام بقسوة على سائليه، فاتفق ممثلو عشر قبائل منهم على عدم مبايعته، فأدى ذلك إلى انقسام المملكة اليهودية إلى قسمين :

1 ـ مملكة إسرائيل وعاصمتها السامرة (نابلس) وانضم إليها عشرة أسباط.

2 ـ مملكة يهوذا وعاصمتها أورشليم (القدس) وانضم إليها سبطان فقط.

مملكة يهوذا في القدس :

تشير الروايات التاريخية أن هذه المملكة لم تكن تزيد على بضعة مئات من الكيلومترات المربعة حول مدينة القدس. كما تشير النصوص اليهودية أن عرش يهوذا شهد عددا من الملوك يماثل عدد ملوك إسرائيل الشمالية وهو تسعة عشر ملكا، غير أن المملكة الجنوبية دامت نحو قرن وثلث القرن أكثر من مملكة إسرائيل الشمالية.

ونتيجة لانقسام المملكة اليهودية ضعفت شوكة اليهود، وتعرضت القدس إلى غزوات متلاحقة وغدت البلاد نهبا مقسما بين الغزاة والمهاجمين من المصريين والسوريين والآشوريين.

وحسب النص اليهودى فإن فرعون مصر شيشنق استغل فرصة تقسيم المملكة اليهودية وزحف إلى مملكة يهوذا حوالي عام 920 ق.م. واحتل أورشليم ونهب خزائنها وقفل راجعا إلى مصر حاملا معه كنوز الهيكل والقصور كغنائم فكانت تلك أول الغزوات التي شهدتها مملكة يهوذا إلا أن سجل الحملة الوحيدة لشيشنق على آسيا لم يأتي على ذكر مدينة أورشليم ولا عن أية مدينة مهمة من مدن يهوذا.

وتشير الروايات التاريخية أن مدينة القدس تعرضت بعد الغزو المصري إلى غزو سوري، فقد أخذ (بنحدد الأول) وهو أحد ملوك دمشق في الفترة 843 ق.م ـ 779 ق.م) من ملوك يهوذا كنوزًا من معبدهم ومن القصر الملكي في أورشليم وجعل المدينة تحت سيطرته.

وهكذا كانت تسير الأمور من سيء إلى أسوأ في المملكتين، ولم يكن لمملكتي يهوذا أو السامرة أي سلطان على الأجزاء الباقية من فلسطين

 

 

 

 

                                                                                                                                               

القدس بعد عهد العبرانيين والعصر الروماني

 

رضوى نبيل *

 

 

 

 

1.    الفراعنة يعيدون غزو فلسطين

2.    بيت المقدس قبيل الغزوين الآشوري والبابلي

3.    المحاولات الآشورية للسيطرة على القدس

4.    سيطرة مصرية جديدة على القدس

5.    نبوخذ نصر في القدس

6.    الفرس وحلقة جديدة في تاريخ القدس

7.    القدس في مملكة الإسكندر

8.    القدس تحت حكم البطالمة

9.    الأثر البطلمي على القدس

10.  الصراع البطلمي السلوقي على القدس

11.  الثورة المكابية

_____________

 

1.    الفراعنة يعيدون غزو فلسطين

كانت دولة داود وسليمان )عليهما السلام ) في فلسطين وبعض النواحي المحيطة بها – دولةً استثنائية في مكانها؛ إذ المعهود في تاريخ هذه المنطقة هو تبعيتها لدولة قوية في بلاد ما بين النهرين (العراق) أو في مصر، لذلك لم يمر على موت سليمان سوى بضع سنوات حتى غزا الفرعون شيشنق فلسطين حوالي عام 920 ق.م.

وقد ذكر سفر الملوك الأول أن هذا الفرعون غزا أورشليم، مما يعني أنه غزا عموم المملكة الإسرائيلية الجنوبية (يهوذا)، ويؤيده سفر أخبار الأيام الثاني: “وأخذ (أي شيشنق) المدن الحصينة التي ليهوذا، وأتى إلى أورشليم” (12: 4).

وقد سجل “شيشنق” أحداث حملته على فلسطين على جدران معبد الكرنك، فنقش هناك صورا للأسرى وهم يُذبَحون أمام آمون، وقائمة (قد تَلَف أكثرها) بالأماكن التي غزاها الفرعون. وتكشف هذه النقوش عن أن حملة شيشنق لم تقتصر على جنوب فلسطين – كما يوحي خبر العهد القديم – بل امتدت إلى الشمال، وقوّى ذلك أنه عُثر في شمال فلسطين على نقش مصري قديم عليه اسم “شيشنق”..

وقائمة الأماكن الفلسطينية المسجلة على جدار الكرنك ضمن هذه الحملة، تخلو من اسم القدس، مما يعني أنها من الجزء التالف في هذا الأثر.

ويسجل مؤرخو التاريخ الفرعوني “أن مصر قد عاشت قرنين من الزمان على الغنائم التي حملها شيشنق من فلسطين، ولا أدلَّ على ذلك من العمائر التي أخذ في إقامتها ملوكُ هذه الأسرة (الثانية والعشرين)، مما يدل على بسطة في المال وسعة في الرزق..”. وهذا يعني فقد بني إسرائيل للكثير من الكنوز والثروات التي خلّفها داود وسليمان ( عليهما السلام ) مبكرًا.

وقد كان الهدف من هذه الحملة – كما هي العادة الفرعونية – ضمان ولاء ملوك هذه الجهات لحاكم مصر، ومنع قيام دولة قوية هناك تهدد سلطانهم، وتضع طرق تنقلهم العسكرية والتجارية في دائرة الخطر.

 

2.    بيت المقدس قبيل الغزوين الآشوري والبابلي

لم يكن هدف شيشنق الأول من حملته على فلسطين (حوالي سنة 920 ق. م) أن يضع يده عليها مباشرة، وإنما أراد فقط أن يضمن ولاءها للتاج الفرعوني، ويقضي على أي قوة يمكن أن تنشئ دولة متحدة فيها؛ ولذلك بقيت سلالة سليمان تحكم هناك زمنا، حتى دمر الآشوريون مملكة إسرائيل عام 722 – 721 ق.م، ودمر البابليون مملكة يهوذا سنة 597 ق.م.

وحسب رواية العهد القديم، فقد مكث رحبعام بن سليمان في حكم مملكة يهوذا (وعاصمتها القدس) سبع عشرة سنة، حيث مات بعد حملة الفرعون شيشنق باثنى عشر عاما، وتتابعت ذريته في حكم المملكة الجنوبية حتى بلغوا تسعة عشر ملكًا، حكم بعضهم شهورًا، وتجاوز حكم بعضهم نصف قرن من الزمان..

وعن أحوال المملكتين اليهوديتين أثناء هذه الفترة – كما ترويها أسفار العهد القديم – يقول بعض الباحثين بحق: “احتوت (الأسفار) كثيرًا من أخبار دولتي إسرائيل ويهوذا وأحوالهما الداخلية والخارجية، وما ارتكست فيه الدولتان وملوكهما من فتن وحروب أهلية وانحرافات دينية وخلقية، وما تعرضتا له من غزوات خارجية. ولم يكد يُسجَّل لهما فيها إلا حقب قصيرة من السيادة التامة أو الانتصار على غيرهما، كما أن ما سجلته من الصلاح والاستقامة أقل بكثير مما سجلته من الانحرافات الدينية والأخلاقية”.

إذن كان الجو مهيّئا لسقوط المملكتين اليهوديتين (إسرائيل ويهودا)، فقد عمت الفُرقة والتشرذم والتقاتل الداخلي، وانتشر بين عامة الناس وخاصتهم الفسادُ الخلقي والانحراف عن أوامر الدين، حتى كانت القدس نفسها ساحة مفتوحة للانحراف في العقيدة والشعيرة والخلق..

وظهرت في هذه الأثناء دول متحضرة، لكنها ضارية كالوحوش، فيما بين النهرين (دجلة والفرات) في أزمنة متتالية، فدمر الآشوريون أولا عروش دولة إسرائيل التي حالفت السوريين ضدهم، وأوقفوا زحفهم في عهد الملك العبري أخاب بن عمري (حكم من 874 – 852 ق.م)، فتربص الآشوريون بمملكة إسرائيل حتى أسقطها سرجون الثاني بعد وفاة أخاب المذكور بثلاثين عاما.

وكان من الطبيعي أن يحاول ملوك آشور السيطرة على مملكة يهوذا وعاصمتها القدس، أو على الأقل ضمان ولاء ملوكها لهم، وقد تعرضت أورشليم للكثير من المخاطر أثناء هذا الصراع.

ولم يمر وقت طويل حتى دمر البابليون المسجد الأقصى وخربوا مدينة بيت المقدس ودولة يهوذا كلها.

(محمد عزة دروزة: تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم صـ 232، وسليم حسن: مصر القديمة 9/ 526 وغيرها)

 

3.    المحاولات الآشورية للسيطرة على القدس

مع القوة الهائلة التي بلغتها مملكة آشور، إلا أن جيوشها عجزت عن احتلال القدس، واكتفى ملوكها – في عنفوان قوتهم – بحصار المدينة داخل بحيرة من الممتلكات الآشورية.

كثيرون لم يكن من مصلحتهم أن تستقر للآشوريين قدم في فلسطين، فقد اعتاد حكام مصر القريبون أن تكون هذه البلاد تابعة أو موالية لهم، ولن يرضيهم أن يقوم فيها سلطان قوي لغيرهم، كما كان هناك منافس لملك بابل “سنخرب” (أو سنحاريب) اسمه (مروداخ بلدان) على عرش المملكة، ويهم هذا المنافس أن يصنع القلاقل لخصمه في كل ناحية..

حرّض خصوم سنحاريب ملوكَ فلسطين على الثورة على سلطان الآشوريين، وكان ملك “يهودا” حزقيا أقوى هؤلاء الثائرين، فسعى إلى زيادة مناعة عاصمته أورشليم بقوة، وأمّن وصول الماء إليها من مجرى مائي تحت الأرض ليقاوم الحصار، كما سعى إلى توسيع حدود مملكته..

وطَرد الثائرون الأمراءَ الموالين للآشوريين في جنوب فلسطين، حتى تسلّم حزقيا في أورشليم “بادي” – أميرَ “إكرون” الموالي لآشور – مقيَّدا بالسلاسل والأغلال..

كان هذا كلُّه – بغير شك – إهانة بالغة لملك آشور القوي سنحاريب، فزحف من توّه إلى الجزء الغربي من مملكته، وبدأ بـ “صيدا” و”صور” الفينيقيتين، ودخلهما بيسر بالغ. وحاول المصريون إنقاذ حلفائهم، ولكن أيام مجد الفراعنة الذهبي كان قد ذهب، وجاء دور سيادة بلاد الرافدين، وممالكها الفتية، وانتصر الآشوريون..

ولقي سنحاريبُ قادةَ الثورة ضده، وعاقبهم بقسوة بالغة، وفكّ أسر حاكم “إكرون” الموالي له من أورشليم، لكن بقيت أورشليم نفسها تحت الحصار سنة 701 ق.م أبيّة على الغزاة، فعجزوا عن اقتحامها، واكتفوا من يهودا بمدنها الأخرى دون عاصمتها المقدسة.

ومن الأشياء الثمينة التي حُفظت لنا حول حصار آشور لأورشليم متنٌ أثري من أيام الملك الآشوري (سنحاريب) نفسه سجل عليه انتصاراته، ومما قاله فيه: “وفي حملتي الثالثة زحفت على ختي (بلاد خيتا في سوريا)، وقد هرب “لولي” ملك صيدا الذي حرقه سحر سيادتي الذي يبعث الرهبة إلى بعيد.. وقد هزم بهاء سلاح الإله آشور – الذي يبعث فيّ الرهبة – مدنَه القوية: صيدا الكبيرة وصيدا الصغيرة.. وعكا، وكل البلاد ذات الحصون المسوَّرة والحسنة التموين بالطعام والماء لحامياته.. وقد هاجمتُ إكرون، وقتلت الموظفين والأعيان الذين ارتكبوا الجريمة (أي سلّموا ملكهم “بادي” لعدوّه ملك أورشليم)، وعلّقت أجسامهم على عمد محيطة بالمدينة.. وجعلت “بادي” ملكَهم يعود من أورشليم، ووضعته على العرش سيدا عليهم، وفرضت عليه الجزية المستحقة لي بوصفي السيدَ الأعلى.

“أما حزقيا اليهودي، فإنه لم يخضع لنيري، وقد وضعت الحصار على ست وأربعين من مدنه القوية وحصونه المسوَّرة وعلى القرى الصغيرة المجاورة التي لا حصر لها، وفتحتها بوساطة بناء منحدرات من الطين مكينة ومنجنيقات نُصبت بالقرب من الجدران. هذا بالإضافة إلى هجوم المشاة الذين كانوا يستعملون الألغام والنقب والتقويض، وقد سقتُ منها 200150 نسمة صغارًا ومسنين وإناثًا، وكذلك خيلا وبغالا وحميرا وجمالا وماشية صغيرة وكبيرة يخطئها العد، واعتبرتها غنيمة.

“أما هو (أي حزقيا)، فقد جعلتُه سجينا في أورشليم – مقرِّه الملكي – كالطائر في القفص، وقد أحطتها بمتاريس؛ لأجل أن أضايق أولئك الذين يطرقون باب مدينته” ا.هـ.

وأنتجت هذه الحروب خرابا في مملكة “يهودا” بقي أغلب سنوات القرن السابع قبل الميلاد، وتحولت المملكة العبرية إلى تابع يدفع الجزية لملوك آشور.. ومن النقوش الأثرية النادرة التي تسجل هذه السيطرة الآشورية والتبعية العبرية نص يرجع إلى أيام الملك الآشوري آشوربنيبال (669 – 626 ق.م)، سجل فيه أخبار حملة له على سوريا وفلسطين ومصر، ومما جاء فيه: “وسلكتُ أقرب طريق لمصر والنوبة، وفي خلال سيري إلى مصر أَحضر إليّ اثنان وعشرون ملكا من ساحل البحر والجزر والبر، وهم: بعلو ملك صور، منسه ملك يودا (أي ملك يهودا وعاصمتها القدس)، وقاشجبري ملك إدوم… وهم خدَّام تابعون لي – أحضروا عطايا عظيمة لي، وقبلوا قدمي، وقد جعلت هؤلاء الملوك يتبعون جيشي على البر وعلى طريق البحر، ومعهم قواتهم المسلحة وسفنهم..”.

ولكن مع مرور الزمن بَهتت سيطرة الآشوريين، وضعفت قوتهم، وبدأ ملوك أورشليم يحاولون التوسع من جديد، وزحف المصريون في عهد الفرعون نخاو أو نيكاو (الأسرة السادسة والعشرون) على فلسطين، وسيطروا على الشاطئ، وضمنوا ولاء العبريين لهم..

في الوقت ذاته ظهرت في بلاد الرافدين قوة جديدة، أسقطت دولة الآشوريين، ودمرت عاصمتهم الزاهرة “نينوى”، وهذه الدولة القوية هي الدولة البابلية، التي سيكون على يدها التدمير الأول والكبير للقدس. وقد عُثر في سقارة بمصر على رسالة آرامية من ملك إحدى مدن فلسطين، يذكر فيها تقدم البابليين في جنوب فلسطين.

 

4.    سيطرة مصرية جديدة على القدس

تبادلت الأمم السيطرة على القدس، فحلقةٌ تاريخية مصرية، ثم حلقة آشورية، وكلدانية، وفارسية، ويونانية، ورومانية.. قد تطول بعض هذه الحلقات وقد تقصر، ولكنها دائما في تغير وتبدُّل، وقد تستعيد دولة قوتها بعد أن تبهت وتضعف، ولكنها أبدا لا تنفرد على الدوام بمقعد السيطرة والغلبة..

وقد كان نصيب الفراعنة المصريين في السيطرة والقوة طويلا، وإن تخللت مراحلَ القوة عندهم أزمنةٌ للضعف، وعاشت القدس موالية لهم زمنا طويلا، فكانوا من أطول الأمم في التاريخ سيطرة على القدس وفلسطين، وإن كانت هذه السيطرة في أحيان كثيرة على شكل موالاة وتبعية من ملوك فلسطين لفراعنة مصر..

وكانت مصر قد صارت تابعة أحيانا وحليفةً في الغالب للآشوريين بعد حملات آشورية متتالية على مصر في القرن السابع قبل الميلاد، ولا ينفي هذا أن المصريين ما كانوا ليفوّتوا الفرصة – إن سنحت لهم – بالسيطرة على فلسطين، ولذلك حين فشلوا في مساعدة الآشوريين ضد أعدائهم من البابليين والميديين، وتعرض الآشوريون عند “حران” لهزيمة هي من نوع الكارثة سنة 609 ق.م – حينها زحف “نيكاو” ملك مصر (في أوائل عام 608 ق.م) بجيشه نحو آسيا محاذيا الشاطئ، فخاف “يوشيا” – ملك أورشليم العبري – من سيطرة قوة كبرى جديدة عليه، خاصة أنه كان حديث عهد بالخلاص من نير الآشوريين، فزحف يوشيا بجيشه، وكله ثقة في النصر، حتى لاقى جيش نيكاو عند “مجدّو”..

وبذلك يكون ملك أورشليم هو الذي تعرض للجيش المصري الزاحف بمحاذاة الشاطئ، ولم يقصد غزو الداخل، لكن الهاجس المقلق من فقد الاستقلال، حرك يوشيا إلى هذه المعركة غير المتكافئة، فهُزم هزيمة قاصمة، فتمزق جيشه، ومات هو في جراحه..

وقد تحدث سفر أخبار الأيام الثاني عن يوشيا هذا، وأظهره على أنه أمير مندفع، لا يحسن تقدير خطواته، وأنه لم يطع كلام نيكاو الذي أفهمه أنه لم يخرج لحربه، وأصر على القتال. يقول السفر عن يوشيا: “لم يسمع لكلام نيكاو من فم الله بل جاء ليحارب في بقعة مجدو. وأصاب الرماة الملك يوشيا..” (35: 24).

ونتج عن هذه الحملة سيطرة مصر على سوريا وفلسطين، وبذلك خضعت القدس للمصريين من جديد، ولكنْ لفترة قصيرة.

 

5.    نبوخذ نصر في القدس

قاد نبوخذ نصر (أو بختنصر) جيوش أبيه سنة 612 ق.م، حتى محا بهم دولة الآشوريين، كما هزم فرعون مصر “نخاو” (نيكاو) بعد ذلك بسبع سنوات فقط في معركة “قرقميش”، وصارت بابل القوة الأولى في المنطقة بلا منازع..

وكانت المشكلة في هذا الزمن بالنسبة للقوى الصغيرة (مثل قوة يهودا في القدس) هي أنه لابد لها من الانضمام إلى قوة كبيرة، تعلن ولاءها لها، وتصون لها مصالحها القريبة، وقد تتعرض القوة الصغيرة لمخاطر شديدة إذا هُزمت حليفتها الكبيرة..

لقد نتج عن هزيمة المصريين أمام الكلدانيين (البابليين) أن انفردت القوة الأخيرة بالسيطرة على غرب آسيا، وكان من جولاتها الحربية أنها سيطرت على القدس بالقوة سنة 597 ق.م، وذلك أن “نبوخادنزر” بلغته وفاة أبيه وهو بالشام، فعاد إلى بلاده ليتسلَّم المُلك، ويُقِرَّ الأمور في عاصمته، فاستغل فرعون مصر “نخاو” (نيكاو) الفرصة، وقوّى جيوشه، وحرّض ملوك فلسطين وما حولها على الانتفاض ضد قوات “نبوخادنزر”، واستجاب له ملوكٌ منهم “يواقيم بن يوشيا” ملك أورشليم، فلملم “نبوخادنزر” قوته، ونظم بيت المملكة من الداخل، واقتحم على المنتفضين قصورهم، حتى دخل القدس بالقوة، وفرض الجزية على ملكها..

ثم عاد “نخاو” إلى تحريض يواقيم على الثورة من جديد، فاستجاب له أيضا، وهنا كانت نهاية مُلك يواقيم، الذي صارت طريقة هلاكه مجهولة، وإن كان سفر أخبار الأيام الثاني يقول عنه: “كان يهوياقيم ابنَ خمس وعشرين سنة حين مَلَك، وملك إحدى عشرة سنةً في أورشليم وعمل الشر في عيني الرب إلهِه. عليه صعد نبوخذناصّر ملك بابلَ وقيّده بسلاسل نحاس ليذهب به إلى بابل” (36: 5 – 6).

وقد حاول “نبوخادنزر” أن يقيم من بني إسرائيل سلطة موالية له، على الطريقة التي ألِفَتْها ممالك فلسطين وسوريا غالبا في صلتها بالآخرين، فنصّب زِدْقِيّا (تسمّيه الأسفار صدقيا) ملكا على أورشليم ويهودا، وبقي زدقيا على ولائه للغزاة الجدد أعواما، حتى حرّضه قواده، واستنجد هو بملوك مصر، وفعل مثل ذلك ملك “صُور” الفينيقية “اتبعل الثالث”..

لم يكن غريبا مع هذه التطورات أن يكون رد فعل “نبوخادنزر” عنيفا، لكنه بلغ مدى بعيدا جدا في عنفه، فزحف في جيش كبير ليُخضع الثائرين ضده، ويخرِّب أوطانهم تخريبا، وحاصر القدس، وفيها بقية ميراث داود وسليمان ( عليهما السلام ) وخاصة مسجد بيت المقدس.. وضُيِّق الخناق على المدينة المقدسة، لكن الحصار رُفع فجأة، فقد جاءت حملة مصرية معادية لـ “نبوخادنزر” وجيوشه، رفع البابليون الحصار عن القدس لمجابهتها..

ولما لم تفعل الحملة شيئا عاد الحصار وضُرب على القدس من جديد، وطال أمده، حتى نَفِدَ زاد أهلها، وانهدمت الأسوار سنة 586 ق.م، وحاول الملك اليهودي “زدقيا” أن يفعل شيئا، لكن النبي إرميا ـ كما يصوره العهد القديم ـ كان ينصح بالاستسلام، وأن لا فائدة من القتال! لذلك حاول زدقيا الفرار ببعض خاصته، لكن جنود “نبوخادنزر” أدركوهم، وكان مصيرهم كالحا..

وكان مصير المدينة البائسة أشد كلاحة، فقد دُمِّرت كلها، وأُزيل مسجدها تماما، ونُهب ما حوته من الثروة والكنوز، وصحب ذلك تشتيتُ بني إسرائيل ونفيُهم إلى بابل..

وعلى ألواحه الأثرية سجل ” نبوخذ نصر” هذه الذكرى الكالحة قائلا: “بقوة نبوخذ نصّر ومردوك، زحفْتُ بجيشي نحو لبنان، فهزمْتُ الخبثاءَ الذين يقطنون الأعالي والمنخفضات، كما هزمْتُ شعبَ إسرائيل في بلاد يهوذا، وجعلتُ تحصيناتِها كومةً من الأنقاض، مما لم يسبقْ لملك أن فَعَلَه”.

لقد كان هذا حصادا مُرّا لمصائب بني إسرائيل وفسادهم، كما كان علامة فشل منهم في تحمّل أمانة دعوة الناس إلى عبادة الله رب العالمين.

 

6.    الفرس وحلقة جديدة في تاريخ القدس

منذ القرن السابع قبل الميلاد انتقل ميزان القوة في العالم القديم من مصر إلى دول آسيوية، نشأت في تواريخ متتالية أو متعاصرة، خاصة في بلاد الرافدين، وكانت دولة الفرس الأخمينيين أو الأخمينيسيين (نسبة إلى ملكهم الأول أخامنيس) إحدى هذه القوى الآسيوية الفتية..

ومن أهم مراحل حياة هذه الدولة: قضاء ملكها كورش (سيروس) الثاني على مملكة ميديا (في قلب إيران) سنة 553 ق.م؛ إذ ورث – وأسرته من بعده – عرش دولة واسعة، ولم تبق بعد الميديين قوة دولية تستطيع وقف التوسع الفارسي. ولم تكن قوة بابل ومصر حينها متجهة إلا إلى الأفول..

ومؤرخو التاريخ القديم يقولون عن هذه الفترة: “لا نزاع في أن هذا التغير كان يعني انقلابا ثوريا في الموقف العالمي؛ إذ كانت مملكة ميديا – بما لها من قوة جبارة – تُعَد خطرا خفيا على جيرانها.. وقد كان المنتظر في كل لحظة في هذه الفترة من الزمن أن تقبض مملكة فارس على السيادة العالمية، وتنشر سلطانها على العالم المتمدين”.

وتحالف المصريون وحاكمهم أحمس الثاني (= أمسيس) (570 – 526 ق.م) مع البابليين؛ باعتبارهم خصوما أقل خطرا من الفرس، فعقد أمسيس ما يشبه المعاهدة الدفاعية مع “نبونبد” ملك بابل وبعض القوى الدولية الأخرى، لكن كورش كان ينقضّ على من حوله، حتى دانت له آسيا الصغرى، ودخل بابل سنة 539 ق.م بلا حروب كبيرة، ونتيجة لهذا فشلت سياسة التحالفات المصرية، وتمهّد الطريق أمام كورش الثاني لدخول سوريا وفلسطين، وبذلك دخلت القدس في مرحلة تاريخية جديدة لها..

وأهم ما يميز هذه المرحلة في تاريخ القدس هو سماح كورش للمنفيين من بني إسرائيل بالعودة إليها، إلا أن قلة قليلة منهم هي التي عادت إلى القدس، وأما الأكثرية فكانوا قد كيّفوا حياتهم مع الواقع الجديد، واستقرت أوضاعهم في بلاد ما بين النهرين، وفضّلوا البقاء في المنازل الهادئة التي أقاموها على شواطئ دجلة.

وقد اختار الفرس هذه السياسة الهادئة مع كل الأقوام الذين خضعوا لسلطانهم، حتى إنهم بعد أن هزموا الميديين تركوا جزءا كبيرا من إدارة إقليمهم في أيديهم، وأشركوا معهم بعض الفرس، كما أعطوا ما يشبه الحكم الذاتي للأقاليم التي خضعت لهم. ويرد المؤرخون ذلك إلى حكمة السياسة الفارسية، التي كان أصحابها يَعُدون أنفسهم أغرابا عن هذه الأقاليم، ولن يسهل لهم السيطرة على إمبراطوريتهم الواسعة جدا إلا بهذه الطريقة.

وفي هذه المرحلة التاريخية أيضا أعيد – فيما يُقال – بناء المسجد الأقصى، أو ما يسميه اليهود “هيكل سليمان”، وإن كنا لا ندري إن كان أقيم على هيئة بناء سليمان – عليه السلام – أم على هيئة جديدة تقرّبه من المعابد الوثنية التي انتقلت إلى بني إسرائيل من الشعوب التي اختلطوا بها.

مهما يكن، فإن بعض الروايات تفيد أن البناء قد أعيد في عهد الملك دارا الأول (521 – 486 ق.م).

والأسفار اليهودية تضيف معلومات أخرى عن الوجود الفارسي في القدس، وتبيّن أن السيطرة الفارسية على المنطقة كانت فتحا لليهود، وإحياءً لمجدهم الذاهب؛ إذ بعد أن سمح أباطرة الفرس الأخمينيون بعودة بني إسرائيل، كانوا يولّون منهم أميرا تابعا على بيت المقدس، وسمحوا لهم بجمع التبرعات من الشعب العبري والكهنة، “لبيت إلههم الذي في أورشليم” (عزرا 7: 16)، بل تبرع لهم بعض الملوك الفرس أنفسهم. لكننا لا نعلم تماما مدى صحة هذه المعلومات، ويمكن مطالعتها في سفري عَزْرَا ونَحَمْيَا..

هذا، مع ملاحظة أن أحد المتخصصين في دراسة اللاهوت واللغة العبرية (و. أ. ل. إلمسلي – أحد محرري كتاب “تاريخ العالم”) يقول عن كاتب السفرين الأخيرين: “معلوماته عن الفترة الفارسية الأولى مبتورة مشوشة، بل إنه لا يمكن الاعتماد عليه حتى في روايته للأحداث التي وقعت بعد مائة عام من ذلك الوقت، وهي الفترة التي عاصرها نحميا. ورأيه في استعادة اليهود لمجدهم تسيطر عليه بوجه عام نظرية خاصة تجعل هذا الرأي مضللا أشد التضليل”.

وقد سجل الدارسون تأثير الفرس العميق في الديانة اليهودية، ويُرجعون ذلك إلى التسامح الذي لقيه اليهود من الفرس. ولوحظ أن أنبياء اليهود في أسفار العهد القديم استثنوا الفرس دون بقية السلالات المتسلطة من دخول النار!! كما اعترف اليهود بقرب ديانة الفرس من ديانتهم، مع ما هو معروف في دين الفرس من الثنائية الوثنية بين إله النور (أهورامازدا) وإله الظلام (أهريمان).

 

7.    القدس في مملكة الإسكندر

هذه الحلقة من تاريخ القدس والعالم استكمال لسيطرة العنصر الآري، الذي مثله الفرس قبل ذلك، ولكن طريقة السيطرة هذه المرة ستكون بشكل آخر يستمر حتى الفتح الإسلامي (القرن السابع الميلادي) مع استثناءات قليلة؛ حيث سيطر الأوروبيون – من الإغريق والرومان كقوتين متفوقتين في العالم – انطلاقا من بلادهم، طوال هذه الفترة..

أما الإغريق، فقد زحف بهم الإسكندر الثالث (الأكبر) حتى كوّن لهم دولة عظيمة، بلغ بها الشرق الأقصى، وضمت آسيا الصغرى ومصر وسوريا وفلسطين وبلاد الرافدين والهند وغيرها..

كانت القدس في هذه الأثناء خاضعة للفرس الأخمينيين، ويتولى إدارتها – فيما يُعتقد – يهود موالون للإمبراطور الفارسي، ففوجئ العالم بخروج فيليب (382 – 336 ق.م) – أمير مقدونيا ووالد الإسكندر – وتوحيده المدن اليونانية وما أحاط بها. ودبّر حينئذ للقاء الفرس، وهي الدولة الأقوى والأكثر نظاما وتحضرا في العالم وقتها، ولكنه اغتيل، ليحل محله ابنه الشهير الإسكندر المقدوني (356 – 323 ق.م)، الذي لم يعش طويلا، ولكنه أثر في تاريخ العالم تأثيرا كبيرا وعميقا، وأهم ما فعله هو إسقاط الدولة الفارسية الأخمينية في عهد ملكها دارا الثالث (380؟ – 330 ق.م)، حيث التقى الفريقان عند نهر إسوس (طرسوس القديمة) سنة 333 ق.م، وشرق نهر دجلة سنة 331 ق.م، وانتصر الإسكندر في المرتين، وانحل مُلك دارا..

وراحت القاعدة التاريخية تسري على فلسطين من جديد، وهي أن القوة الأقوى – في الغالب – هي التي تستولي عليها، وقد فعل الإسكندر هذا، فبعد معركة إسوس اتجه نحو سوريا وفلسطين، وفتح استيلاؤه على صور القوية سنة 332 ق.م الطريق أمامه للسيطرة على بقية المنطقة، فاستولى على القدس، ودخل غزة، ومنها توجه إلى مصر.

وقد ارتكب الإسكندر فظائع في صُورَ وغزّة لمقاومتهما العنيفة له، وقد كانت “صور” أصعب مدينة لقيها الإسكندر في حروبه الطويلة في العالم؛ إذ امتد حصاره لها سبعة أشهر.

ومما يخص القدس هنا أن الإسكندر عامل يهودها برفق يشبه ما كان عليه الفرس في هذا الأمر، ويقال إن أحد أحبار اليهود أثّر فيه، ونال رضاه، وشفع لقومه عنده..

ولكن مدينة القدس نفسها ضعفت أهميتها التجارية والسياسية في هذه الأثناء، وسط هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف، واكتفت القوافل التجارية بالمرور بالمدن الفلسطينية الأخرى ذات الموقع الأفضل والغنى الأكثر في المواد الخام.

وعلى الرغم من موت الإسكندر في شبابه المبكر (سنة 322 ق.م)، فإن السياسات التي أقرها، والنظم التي ثبّتها – أثرت في تاريخ القدس والمنطقة ثلاثة قرون متتالية، وذلك أنه ثبّت دعائم دولة قوية في مصر، ونازعتها دولة أخرى في سوريا والعراق، وكلتاهما مثّلتا الثقافة والحضارة اليونانية، التي كانت طابع هذا الزمن، وكان لها تأثير مباشر على الثقافات القائمة حينئذ، حتى لجأ المفكرون اليهود إلى فلسفة كتابهم المقدس حتى يتخلصوا من تناقضاته، ويُظهروا توافقه مع العقل والمنطق.

لم يستطع هيراكليس – الطفل الصغير الذي تركه الإسكندر على العرش – ولا أريداوس – أخو الإسكندر ذو الإمكانات الضعيفة والذي سعى البعض إلى وضعه على العرش – أن يفعلا شيئا؛ لذلك تنازع الأمراء الإغريق من بعد القائد الراحل على السلطان، وكوّن بطليموس الأول دولة قوية في مصر، وفعل سلوقس مثلَه في بابل وأنطاكية، ونُسبت الدولتان (البطلمية والسلوقية) إلى الرجلين، وتبادلتا السيطرة على القدس، لكن السمت الإغريقي كان مشتركا بينهما..

وفي هذه المرحلة من التاريخ، ولعشرات متتالية من السنين، تعرضت القدس وفلسطين عموما- “باعتبارها منطقة عبور مركزية للقوات المتصارعة – للغزو المتواصل من الجيوش السائرة من آسيا الصغرى إلى سوريا أو مصر، تحمل أمتعتها ومعداتِها وعائلاتها وعبيدَها. وفُتحت أورشليم ست مرات على الأقل في تلك السنوات”.

 

8.    القدس تحت حكم البطالمة

أتاح الموت المبكر للإسكندر، دون أن يترك من بعده خلَفًا قويا، الفرصة لقواده أن يكوّنوا دولا مستقلة تتوارثها ذرياتهم، وكان بطليموس الأول ابن لاجوس – الصديقُ الحميم للإسكندر – من أهم هؤلاء القادة وأشهرهم؛ إذ قام كرسيُّ مملكته في مصر، وذلك بعد تناحر وتقاتل شديد بين أخلاف الإسكندر، أدى إلى اختفاء الأسرة المالكة تمامًا – إما بالقتل وإما بغيره – بعد بضع سنوات من موت الإسكندر.

وقد تحكمت الجغرافيا في التحركات الحربية والسياسية لبطليموس، الذي كان يطمع في أن تكون له في مصر دولة بحرية قوية، فوجد نفسه مضطرا لخوض الحرب من أجل المواني الفينيقية الرابضة على شواطئ المتوسط الشرقية، فكان يناور – أو يضطر – أحيانا إلى ترك سوريا ومدن الساحل في يد خصومه، لكنه سرعان ما كان يعاود الرجوع إليها من أجل هدفه الكبير..

إن كثرة الحروب في تلك الفترة، وتوالد الأحلاف بعضها ضد البعض الآخر – يجعل أحداثها متداخلة مختلطة، خاصة أن الحلفاء اليونانيين كانت تحدث بينهم شقاقات وخلافات متجددة، تؤدي إلى اندلاع الحرب بينهم. كما أن أسماء المشاركين في تلك الأحداث كانت كثيرة بشكل لافت للنظر.

لكنْ يبقى اسما “بطليموس” و”سلوقس” – فيما يخص القدس على الأقل – من أبرز الأسماء في أحداث التصارع والتنافس اليوناني، فقد أقام كل منهما – وكانا حليفين وصديقين في الأصل – دولة عُمِّرت في مكانها زمنا، فكان سلوقس في بابل وأنطاكية، وبطليموس في مصر، وهما الموطِنان المتنافسان على مدن فلسطين وسوريا منذ أقدم العصور..

لقد كانت القدس قبيل سنة 318 ق.م تحت سيطرة أمير مصر اليوناني بطليموس الأول لأول مرة، وقد دخلها – كما تشير بعض الروايات – يوم السبت، الذي يقدسه اليهود، مستغلا طقوسهم وعاداتهم في الامتناع عن العمل في هذا اليوم..

ولكن قدمي بطليموس لم تستقرا في القدس وعموم الشام مرة واحدة:

ففي عام 315 ق.م هزمته جيوش أنتيجونس – المنافس القوي على خلافة الإسكندر – حتى اضطر بطليموس إلى ترك القدس فيما تركه من أرض سوريا وفلسطين.

وفي عام 312 ق.م كان بطليموس قد أعد العدة لاستعادة الشام، ووقعت الحرب بينه وبين جيوش أنتيجونس التي كان يقودها ابنه ديمتريوس، فانتصر بطليموس قرب غزة انتصارا ساحقا، وكان أهم حلفائه حينئذ سلوقس، الذي قدّم له بطليموس المعونة للعودة إلى عرشه في بابل بعد هذه المعركة.

وشهد عام 311 ق.م معركة أخرى ساخنة في شمال الشام بين قوات بطليموس وبين قوات ديمتريوس الذي حقق تفوقًا واضحًا، وسيطر على سوريا، في حين اتجه أبوه أنتيجونس بقوات أخرى حتى سيطر على فلسطين..

وقد أعلن بطليموس نفسه سنة 305 ق.م ملكًا على مصر، حين هدأت بعض العواصف الثائرة حول تركة الإسكندر الأكبر، وإن بقيت الأحقاد متوارية داخل النفوس، وكاشفة عن نفسها في الوقائع والحروب.

في هذه الأثناء كان العديد من القادة اليونانيين – مثل بطليموس وسلوقس – يشكلون تحالفا واحدا ضد “أنتيجونس”، الذي سيطر على مساحات واسعة من ممتلكات الإسكندر الآسيوية، وطمع في أن يكون هو العاهل الأكبر للإمبراطورية كلها. وفي سنة 301 ق.م سحق المتحالفون جيوش “أنتيجونس” عند سهل إسُّوس (طرسوس)، وقتلوه هو نفسه، ولكن بطليموس لم يشارك في هذه المعركة، وبالتالي رأى حلفاؤه أنه لا حق له في السيطرة على سوريا التي وعدوه بها، وقرروا منحها لسلوقس.

اعترض بطليموس على هذا القرار، وسارع بالسيطرة على سوريا وفلسطين ومدن الشاطئ المتوسطي سنة 301 ق.م، ومن هنا امتد الصراع على القدس وعموم الإقليم السوري بين الأسرتين زمنا طويلا، وكان هذا جزءًا من تاريخ القدس، بقيت المدينة خلاله تابعة لبطالمة مصر قرنا من الزمان..

 

9.    الأثر البطلمي على القدس

بقيت القدس في يد بطليموس سوتر أو بطليموس الأول بقية حياته (توفي سنة 282 ق.م) منذ سارع بالاستيلاء عليها سنة 301 ق.م، واستمر خلفاؤه من البطالمة هناك بشكل متواصل تقريبا طوال قرن كامل من الزمان..

وكان نفي بطليموس الأول لليهود خارج القدس، ونقله الكثير منهم إلى الإسكندرية، وتغلبه على المحاولات السلوقية للسيطرة على المدينة – من أهم أعماله ذات الصلة بتاريخ القدس..

وقد بقيت الطائفة اليهودية المنفية إلى الإسكندرية من أهم الطوائف اليهودية في العالم حينئذ، وكان لهم دور كبير في فلسفة الفكر الديني اليهودي؛ ليتوافق مع التراث الفلسفي والفكري لليونان..

وبعد بطليموس الأول تولى ابنه بطليموس فيلادلفوس أو الثاني، وقد جلب – فيما يقال – اثنين وسبعين حبرًا يهوديا من القدس إلى الإسكندرية، حيث أمرهم بنقل أسفار العهد القديم إلى اليونانية، فبدءوا في أداء هذه المهمة – حسب الرواية – سنة 285 ق.م، وسُمّيت هذه الترجمة بـ “السبعينية”، وهي ترجمة يرى الباحثون أنها غير دقيقة.

ومن العجيب في هذه القضية أن يستجلب بطليموس الثاني أحبارا من “القدس” للقيام بهذه المهمة، وكان الأولى به أن يستعين باليهود القريبين منه في الإسكندرية، وكان الكثير منهم ذوي ثقافة ممتازة، كما لم تكن اللغة اليونانية قد أخذت موضعها المكين لدى سكان مدينة هامشية بالنسبة لليونانيين كالقدس، حتى يُكلَّف أهلها بهذه المهمة الثقيلة.

كما أننا لا ندري سببا لرعاية ملك وثني لترجمة هذه الأسفار، التي تأثرت كثيرًا بالأمم التي تَوَزَّع اليهود بينها.

ويسجل المؤرخون أن اليونانيين كانوا من أبرع الأمم وأحرصها على صبغ حياة الشعوب التي يغزونها بصبغة الإغريق الثقافية، وعلى الرغم من أن القدس لم تكن حينئذ في القلب من عملية “الأغرقة” هذه – إن صح التعبير – فإن أحد الدارسين يسجل أنه “لم يمض قرن على موت الإسكندر حتى تأثرت هي أيضا بإغراء الهيلينية (وهي الثقافة والحياة الإغريقية) الذي لا مهرب منه، وهو إغراء مادي من ناحية، ففي وسعك أن تتصور التجار الإغريق يغدون ويروحون في أسواق أورشليم، والفرصةَ المتاحة لكل يهودي حاذق مغامر في المراكز التجارية الهيلينية العظمى التي تنتشر الآن من حوله.. ثم إنه إغراء اجتماعي – من ناحية أخرى – ذلك أن الهيلينية كانت بسبيلها إلى أن تصبح الهواء الذي يتنفسه الناس، ولم يمض طويل زمن حتى عرضت مفاتنها الاجتماعية، بل والرياضية جهارا أمام أعين الشباب الطموح في أورشليم..”.

وظلت الثقافة الإغريقية تقدم إغراءاتها لشعوب المنطقة، ولاحظ الدارسون تأثير ذلك بقوة على حياة اليهود، فقال أحدهم: “لا شك أنه كانت هناك معارضة للأساليب الهلينية، ولكن الأسر النبيلة الغنية – بل وأوساط الكهنة أيضا – تغلغلت فيها المطامع الدنيوية، وأصبحت لا تكترث بالمعايير القديمة التي فرضتها اليهودية المدققة”.

والأثر البطلمي على عموم فلسطين سجلته مجموعة برديات اكتشفها الأثريون، وسميت “برديات زينون”، فقد أثبتت أن فلسطين كانت تمد مصر بزيت الزيتون والخيول العربية والأغنام والرقيق والفضة، وأوردت البرديات أسماء مدن فلسطينية اتخذت أسماء بيزنطية..

وفي العهد البطلمي لم تكن القدس هي أهم مدن فلسطين، بل شغلت هذه المكانةَ مدينةُ عكا الساحلية، والتي سُميت حينئذ “بطلمية”.

وأما القدس، فكان فيها وفيما حولها تجمع يهودي موالٍ تمامًا للبطالمة، ويدفع زعماؤه لهم الجزية. وظهرت بين اليهود موجة من التحرر من الدين بتأثير الفترة البطلمية. وقد حاول بطليموس الرابع توحيد الأديان مع اليهود، فجعل الرب الإغريقي ديونيسوس هو الجامع بين يهوه (الإله الخاص باليهود) وسرابيس (معبود الإغريق). وعلى الرغم من شناعة ذلك استجاب المتحررون الجدد من اليهود لبطليموس.

لكن هذا الولاء اليهودي تلاشى مع تزايد فرض الضرائب عليهم من قِبَل البطالمة، فعاونوا أنطيوخوس الثالث في لقائه الحاسم ضد البطالمة سنة 200 ق.م، والذي دخلت بعده القدس تحت سلطان السلوقيين.

 

10.                      الصراع البطلمي السلوقي على القدس

اعترافًا بفضله في إعانته على استعادة عرشه، لم يشأ سلوقس الأول أن يحارب بطليموس الأول حين سيطر على الإقليم السوري (والقدس جزء من قطاعه الجنوبي) عقب معركة إسوس سنة 301 ق.م، لكن العداوة بين الأسرتين ظلت تُتَوارَث وتنتقل من جيل إلى جيل، حتى وقعت سلسلة حروب طويلة في الصراع على هذا الإقليم

حافظ بطليموس فيلادلفوس تسمَّى “الحروب السورية”. (الثاني) على سياسة أبيه في استمرار التمسك بفلسطين وسوريا؛ فوقعت الحرب السورية الأولى بينه وبين ملك بابل السلوقي أنطيخوس الأول من سنة 276 – 272 ق.م. ويبدو أن جماعات البدو في فلسطين وسوريا آزرت السلوقيين على البطالمة في هذه الحلقة من الصراع؛ فأحد النقوش الهيروغليفية بمتحف اللوفر يشير إلى أن بطليموس فرض الجزية على مدن آسيا، وطارد بدوها وفتك بهم. في حين يشير نقش بابلي بالكتابة المسمارية إلى أن الجيش البابلي (أي السلوقي القادم من بابل) دحر الجيش البطلمي في الشام. والمؤرخون يؤكدون أن هذا يشير إلى استيلاء السلوقيين على دمشق، ويؤكدون أيضا أن البطالمة ظلوا يتحكمون في الشاطئ الفينيقي ومدنه البحرية العظيمة (صيدا وصور على وجه الخصوص)، وكانت هذه المدن هي أهم ما يعنيهم..

وهذا يشير إلى أن مدينة داخلية، ليست ذات موارد تُطمِع أحدا فيها (كالقدس) – لم تكن في هذا الزمن هي موضع التنافس والخلاف، بل دفع إلى كل هذه الحروب التنافسُ على المدن والشواطئ الغنية وذات الموقع التجاري المؤثر..

وقد عقد أنطيوخوس الأول وبطليموس الثاني هدنة سنة 272 – 271 ق.م، انسحب السلوقيون على أثرها من الشام كله، وبقي في يد البطالمة.

وبعد حوالي عشرين عاما تجددت الحرب بين البطالمة والسلوقيين (في عهد بطليموس الثاني وأنطيوخوس الثاني)، وانتهى الأمر سنة 252 ق.م بهدنة أخرى أبقت القدس وغيرها من أنحاء سوريا الكبرى في يد بطليموس الثاني.

وفي عام 200 ق.م حقق السلوقيون نصرا حاسما على خصومهم البطالمة في معركة بانيون (بالقرب من نهر الأردن) أثناء وقائع الحرب السورية الخامسة، فخرجت القدس وفلسطين – على أثر ذلك – من يد البطالمة تماما، وإلى الأبد، على الرغم من محاولات بطليموس السادس والتاسع استعادتها..

ومن أهم ملوك السلوقيين الذين كانت لهم أعمال مهمة تتصل بالقدس:

أنطيوخوس الثالث: انتصر على البطالمة، وحقق حُلم أجداده في ضم الإقليم السوري كله إلى مملكته، وزار بيت المقدس سنة 177 ق.م فاستقبله يهودها المتحررون بالترحاب، وطلبوا منه أن يقيم لهم جمنازيوم إغريقيا ودارا للشبيبة، “وأن يدمج بعض الضواحي في أورشليم لتصبح بمثابة أنطاكية جديدة لما حولها”، وقد استجاب لكل ذلك، كما حسم الصراع الداخلي بين اليهود على منصب الحبر الأعظم، واختار له شخصا مواليا له.

أنطيوخوس الرابع: (أبيفانس) كان حاكما متعصّبا للثقافة الإغريقية، حاول فرضها على الناس بالقوة، وكان يرى في متعصبي اليهود قوة مناهضة لمشروعاته تعطل فرض هذه الثقافة، فعمد – فيما تذكر الروايات – إلى تحويل بيت عبادتهم إلى بيت للأوثان، وتحريم بعض عاداتهم وشرائعهم، واضطهدهم بشدة. وسعى أبيفانس إلى إجراء آخر خطير، وهو تغيير اسم المدينة من “أورشليم” إلى “مدينة زيوس الأولمبي”، ولكنه فشل فيما نجح فيه الرومان من بعد حين أطلقوا على القدس اسم “إيلياء”.

وقد أدت الإجراءات القاسية من بعض ملوك السلوقيين إلى ثورة يهودية اشتهرت في التاريخ باسم “الثورة المكابية”، أنهت سيطرة اليونان على القدس، ومهّدت الطريق أمام الرومان الذين قضوا في المنطقة زمنا طويلا.

 

11.                      الثورة المَكابية

بدأت هذه الثورة ضد السيطرة اليونانية السلوقية سنة 167 ق.م، وقادتْها أسرة تسمى “الحشمونية”، قيل إن زعيمها كان كاهنا طاعنا في السن يسمى “ماتاثيوس”، ويُعينه خمسة أولاد له، منهم يهوذا الذي لُقِّب بـ “مكابيوس” (أي المطرقة)، وقد قاد قومه سنة 165 ق.م إلى انتصارات مفاجئة على حكام سوريا السلوقيين، حتى دخل بهم القدس، وطهر بيت العبادة من وثنية اليونان..

وفي العام التالي حاقت الهزيمة بالثوار، لكنهم نالوا حريتهم الدينية، وتُرك لهم الإشراف على بيت عبادتهم في القدس، وإقامة شعائر دينهم بحرية.

وحين اندلع القتال من جديد كانت اللقاءات ساخنة، حتى قُتل زعيم اليهود، برغم الانتصار الذي  حققه أتباعه، في معركة عَدَسا سنة 161 ق.م، حيث كان اليهود قد طلبوا المعونة من الرومان.

وقاد بني إسرائيل في المرحلة التالية يوناثان – الابن الثاني لماتاثيوس – حيث كان دعاة الثقافة الهلينستية (أي اليونانية المطعَّمة بشيء من الثقافات الشرقية) قد عادوا للسيطرة على الأوضاع من جديد، لكن يوناثان كسر خصومه من السلوقيين الذين كانت الفُرقة قد دبت بينهم، وأصبح هو كاهن قومه سنة 153 ق.م..

وبعد اغتيال يوناثان استطاع أخوه سمعان قيادة قومه سنة 142 ق.م، حتى اعترف لهم ديمتريوس الثاني – ملك سوريا السلوقي – بحريتهم، وصار كاهنا وملكا في أورشليم.

وكان من المنتظر أن تكون هذه بداية لدولة يهودية قوية، ولكن التاريخ سجل لنا غير ذلك، حتى قال أحد الدارسين الغربيين: “كان الجمع بين رئاسة الكهنة والمُلك في يد شخص واحد كارثة كبرى على اليهود، فقد سُخِّرت وظائف كبير الكهنة لخدمة المآرب الدنيوية”.

وحاول بطالمة مصر في عهد عاهل أورشليم الإسكندر حنايوس (104 – 78 ق.م) السيطرة على الدولة اليهودية، لكن الهدف من الحرب لم يتحقق، ورجع البطالمة إلى حدودهم، على الرغم من الشقاق اليهودي الداخلي..

نشبت حرب أهلية في الكيان اليهودي المتهالك، ووقعت الفرقة في الدولة الضعيفة أصلا، وانقسموا فريقين متباغضين (الصدوقيين والفريسيين)، وساند الإسكندر حنايوس الصدوقيين، وارتكب مذبحة بشعة ضد الفريسيين، حتى صلب – كما تحكي الرواية – ثمانمائة منهم، ونصب موائد الطعام أمامهم، ليتناوله هو وأتباعه على مشهد من خصومهم الذين يعانون أمامهم سكرات الموت!!

كان هذا مُؤْذِنا بكارثة قريبة تحل بهذا المجتمع المريض، الذي خالف تعاليم الأنبياء، ودنس أرض القدس بأنواع شتى من المنكرات، وأراق الدماء الحرام فوق الأرض التي شهدت أياما مجيدة من جهاد الرسل، ودعوتهم الخلق إلى الله.. وتمثلت هذه الكارثة في استيلاء القائد الرومي بومبي على القدس وفلسطين..

 

 

 

 

                                                                                                                                              

 

 

القدس في العهد الروماني

 

 

د. نبيل الفولي

 

 

 

– بداية العهد الروماني للقدس

– نبي الله زكريا في القدس

– فلسطين عند احتلال الروم لها

– القدس تحت حكم أنتي باتر الأدومي

– القدس تحت حكم هيرود الكبير

– أعمال هيرود العمرانية في فلسطين

– مولد المسيح عليه السلام

– القدس في القرون الأولى للميلاد

– القدس تحت حكم هيرود أغريبا

– التدمير الروماني للقدس

– هادريانوس يبني إيلياء (القدس)

– القدس والتحول الروماني إلى المسيحية

– القدس في حيازة الفرس الساسانيين

– البيزنطيون يستعيدون القدس

__________

بداية العهد الروماني للقدس

المرحلة الرومانية في تاريخ القدس (63 ق.م – 637م) أهم في تأثيرها على المدينة من المراحل العبرية والكلدانية (البابلية) والفارسية، فقد صارت القدس مع الرومان – حتى في اسمها – شيئا آخر غير ما كانت عليه في أيام هذه الدول، بل إن فلسطين نفسها اكتسبت اسمها التاريخي من خلال الرومان، الذين نسبوها إلى “البالستين” – الشعب الأوروبي الكريتي المهاجر إلى أرض كنعان.

والقائد الذي بدأ معه التاريخ الروماني للقدس هو “بومبي”، وهو – كان خلال القرن الأول قبل الميلاد – أحد الثلاثة الكبار المتنافسين على السلطة في روما (كراسوس وبومبي ويوليوس قيصر)، وكان قد حقق لروما إنجازات مهمة؛ فشارك في القضاء على ثورة العبيد بقيادة سبارتكوس (73 – 71 ق.م)، كما طهر مياه شرق البحر المتوسط من القراصنة سنة 67 ق.م، كذلك سيطر على أرمينيا سنة 65 ق.م، وضمن ولاءها له ولشعب روما..

ثم نقل بومبي نشاطه الحربي إلى سوريا وفلسطين، فأعاد ملِكَ سوريا السلوقيَّ أنطيوخوس الثالث عشر إلى عرشه، كملك موالٍ لروما، ولكن أنطيوخوس لم يستطع ضبط أمور سوريا، فأزاحه بومبي عن الحكم، وضم سوريا وفينيقيا إلى روما كولاية واحدة (ولاية سوريا = Provincia Syria)..

وكان من الطبيعي أن تكون فلسطين هي المرحلة التالية في هذه الرحلة الحربية لبومبي، وكانت الظروف القائمة مهيَّأَة لذلك تماما؛ وذلك لأن الخصومات الداخلية بين هركانوس الثاني بن حنايوس – ملك أورشليم – وبين أخيه أرستوبولس قد اشتدت، وطال الصراع الدامي بينهما، وطلب كلاهما العون من الرومان، وفضل بومبي مساندة هركانوس؛ لأن أخاه كان متعاطفا مع البارثيين (في خراسان) أعداء روما.

زحف الرومان بقيادة بومبي على فلسطين سنة 63 ق.م، وحاصروا القدس، لكن المدينة التي استعصت على الآشوريين من قبل لم تكن فريسة سهلة، فقد اشتهرت طوال تاريخها بمناعة أسوارها، وقوة دفاعاتها، ومعاونة موقعها وظروفها الطبيعية لمن فيها على الدفاع عنها.. ومع أنه كان متوقعا بقوة أن تسقط القدس بصورة طبيعية في يد بومبي، لو اتبع في حصارها سياسة النَفَس الطويل، إلا أن الخيانة عجّلت بالقضية، فاقتحمها الرومان بخيانة داخلية من بعض اليهود..

ودنس بومبي بيت العبادة في أورشليم، وأفقد اليهود استقلالهم؛ إذ ترك هركانوس كاهنا فقط على قومه، يرعى شئونهم الدينية، وبقيت حامية رومانية في المدينة تضمن بقاءها تابعة لروما.

وبهذا يبدأ التاريخ الروماني للقدس وفلسطين، والذي استمر زمنا طويلا، ومنح القدس سمتا جديدا، بقي مسيطِرًا إلى أن فتح المسلمون المنطقة، حيث التأم لأول مرة في التاريخ شمل عرب القدس القدماء – بعد اختلاطهم الكبير بالشعوب الغازية والنازحة – مع إخوانهم من عرب الجزيرة الذين حملوا إليهم مشعل الهداية الربانية.

 

نبي الله زكريا في القدس

حين كانت مريم بنت عمران ( عليها السلام ) صبيةً صغيرة في كفالة نبي الله زكريا ( عليه السلام ) رأى بعينيه كيف يأتي رزق الله إلى خلقه، ويتنزل فضله على عباده، بدون هذه الأسباب التي اعتادها الناس، فكان كلما دخل على مريم محراب العبادة: يتفقد أحوالها، وينظر في شئونها، وجد رزق الله عندها وفيرا، فيسألها عن مصدر ذلك، لعل إنسانا خيّرا مر بها فأعطاها إياه، ولكن مريم أخبرته بأنه رزق مباشر أتاها من الله: (..كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (سورة آل عمران: 37)..

هنالك رغب زكريا ( عليه السلام ) في رزق الله وفضله، وكان قد طعن في السن، ويئس من مجيء الولد. وسجل القرآن على لسانه علامات الكبر والشيخوخة التي لحقته فقال الله – تعالى – عنه: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِياًّ) (سورة مريم: 4)، ولا شك أن وهن العظام واشتعال الرأس بالشيب يشيران إلى سن عالية لصاحبهما، ولعل هذا ما دفع ابن كثير إلى القول: ” قيل: كان عمره إذ ذاك سبعا وسبعين سنة، والأشبه – والله أعلم – أنه كان أسن من ذلك”.

ومع ذلك فلو رضينا بأن سن زكريا ( عليه السلام ) كانت (حين دعا ربه بأن يرزقه الولد) سبعا وسبعين سنة، وأضفنا عدة سنوات أخرى كانت باقية على ميلاد عيسى ( عليه السلام ) فسنجد أن النبي الكريم زكريا وُلد قبل الميلاد ببضع وثمانين سنة، ومعنى ذلك هو أنه عاصر فترة انزواء مُلك بني إسرائيل، وذهاب استقلالهم، وسيطرة الرومان على القدس، فقد كان ابن بضعة عشر عاما حين دخل القائد الروماني بومبي بيت المقدس سنة 63 ق.م، ودنس بيت عبادة بني إسرائيل..

لقد صار بنو إسرائيل في القرن الأول قبل الميلاد جُزُرا متقاطعة، وأصبحت قلة قليلة منهم تسير على هَدْي التوراة الصحيحة التي نزلت على موسى ( عليه السلام ) والتي لا شك أن نسخا صحيحة منها كانت متوافرة حينئذ، لكن لم يكن ثمة اتفاق عليها بين طوائف العبرانيين – فيما يبدو.

وفي دعاء زكريا وسؤاله الولد يقول مناجيا الله تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِياًّ (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِياًّ) (سورة مريم: 5 – 6)، وهذا يفيد أن الفساد في زمنه قد عم في بني إسرائيل، حتى لم يجد زكريا ( عليه السلام ) فيهم أحدا يصلح لخلافته في قومه؛ يرشدهم ويدلهم، ويقوم فيهم مقام الأنبياء.

لقد كانت فترة تمزُّق جماعي، وفساد فردي واجتماعي، انقسم فيها مجتمع بني إسرائيل، ورفضوا الانصياع للتعاليم التي جاء بها الأنبياء، واستنجدت الطوائف اليهودية المتناحرة في القدس ويهودا بالعدو الروماني المتربص من قريب.

ولا ندري شيئا عن موقف سيدنا زكريا ونصائحه لقومه حين اختلفوا، لكنه بالتأكيد توجه إليهم – كنبي لا يرضى بالمنكر – ناصحا وموجِّها، ولعله ذكرهم بمصير آبائهم الذين عصوا الله فمسخهم قردة وخنازير، ودعاهم إلى الاعتبار بمن سبق من أسلافهم، والانتفاع بسيرتهم.. وربما كان تواضع حرفة نبي الله زكريا التي يكسب منها قوته (جاء في الحديث الصحيح: “كان زكريا نجارا” – رواه مسلم) سببا من أسباب صد بني إسرائيل عنه، فقد قالوا عن طالوت من قبل – في أيامٍ أفضلَ لهم من أيام زكريا: (.. قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ ..) (سورة البقرة: 247).

لم يستطع زكريا ولا ابنه يحيى ( عليهما السلام ) صد طغيان بني إسرائيل، وبالتالي لم يستطيعا رد حكم السنن والنواميس الإلهية عنهم، فكانت هذه مرحلة انسلاخهم من الدين السماوي الذي أنزله الله، وتمت واكتملت مع بعثة المسيح عيسى ( عليه السلام )..

وهذه المرحلة نفسها هي مرحلة الانطفاء التام بالنسبة لبني إسرائيل، والتحول بالنبوة عنهم، فقد كان زكريا ويحيى وعيسى ( عليهم السلام ) آخر ثلاثة أنبياء في بني إسرائيل، وتعرضوا جميعا لمحاولات يهودية للقتل، أما عيسى فقد نجاه الله، وأما زكريا فيُروى أنهم نشروه في شجرة فمات، وأما يحيى فالمشهور أنه قُتل مهرًا لبغي.. يقول ابن كثير: “اختُلف في مقتل يحيى بن زكريا: هل كان في المسجد الأقصى أم بغيره؟ – على قولين: فقال الثوري عن الأعمش عن شمر بن عطية قال: قُتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعون نبيا؛ منهم يحيى بن زكريا – عليه السلام”.

فلسطين عند احتلال الروم لها

ورث الرومان جيرانهم الإغريق، وظلت جيوش روما تزحف على ممتلكاتهم، حتى انتزعتها جميعا من أيديهم؛ سواء أكانت هذه الممتلكات في أوروبا أم إفريقيا أم آسيا. لكن الحضارة المنتصرة كانت فقيرة في ثقافتها وفكرها، فانصاعت للمغلوب في هذه الناحية، وهُزمت أمام ثقافته الثرية، وكان هذا مثالا عجيبا وقليل الحدوث لانتصار المغلوب على من غلبه، بدون سيف أو مدفع!!

وهذا يعني بالنسبة لفلسطين وأشباهها من البلاد التي دخلت تحت حكم الرومان وسلطانهم، أن الحكم الجديد سيكون – من الناحية الثقافية على الأقل – مواصَلة للمرحلة اليونانية بشقيها البطلمي والسلوقي، بل ربما قلنا: إن فلسطين وسوريا ومصر وغيرها من مناطق النفوذ اليوناني السابق هي الميادين التي هُزم فيها الرومان ثقافيا، وتلوّنوا بلون الفكر والثقافة اليونانية.

حين دخل الرومان فلسطين وجدوا حالة حضارية نادرة؛ لم تشهدها المنطقة من قبل، فقد جرى خلال قرنين ونصف القرن من الزمان تلاقح حضاري كامل بين سكان فلسطين وبين الغزاة اليونانيين، فنشأ شعب اختلطت فيه دماء الكنعانيين والآموريين (= شعب سامي عاش منذ الألف الثاني قبل الميلاد في سوريا وشمال العراق) واليونانيين، وتمازجت ثقافة الغزاة بثقافات أهل البلاد، فنشأت ثقافة جديدة لا هي يونانية خالصة (هللينية) ولا هي شرقية خالصة، بل هي مزيج منهما (هللينستية)، وتداخلت الأديان، حتى بُنيت معابد تجمع آلهة اليونان مع آلهة الكنعانيين، بل تجمع يهوه إله اليهود مع آلهة اليونان في داخل القدس نفسها..

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أيهما ابتلع الآخر: الكنعانيون والفينيقيون – أهل البلاد الأصليون – أم اليونانيون – الغزاة؟

وللإجابة عن هذا السؤال الخطير لابد أن نذكر أولا أن الغزاة لم يُقبلوا بالعدد الذي يسمح لهم بابتلاع سكان فلسطين عرقيا، لكنهم جاءوا حكاما غالبين وفي أيديهم ثقافة أقوى مما في يد أهل فلسطين، لذلك نستطيع أن نقول: إن الشعوب السامية قد ابتلعت عامة الغزاة عرقيًا، ولوّنت الحكام القادمين بلونها، لكن الثقافة الغازية انتصرت بشكل ساحق، وإن خالطتها أمشاج من ثقافات الشرق، منحتها مذاقًا آخر جديدًا.

لقد خالف اليونان سُنَّة من سبقهم من الكلدان (البابليين) والآشوريين والفرس، حيث بدا هؤلاء دائمًا كطبقة غريبة ومميزة عن أهل البلاد التي يحتلونها، لكن اليونانيين منذ الإسكندر ركزوا على الاختلاط بهذه الشعوب ومصاهرتها؛ لينفتح الطريق أمامهم ثقافيًا وسياسيًا.

ومن أفضل ما يصوّر التأثير الإغريقي العميق في فلسطين وسوريا قول أحد الدارسين: “لقد كانت عملية أغرقة الشام عملية ثقافية وعمرانية بحتة؛ أي مادية روحية، فقد استوعب سكان الشام الآراميون اللغة الإغريقية العامة kion ، وكذلك طريقةَ الحياة والسلوك والمعيشة الإغريقية، والتي انتشرت خاصة بين الفئات الأرستقراطية من الشرقيين، والذين تلقوا تعليمًا رفيعًا على يد أساتذة إغريق أو متأغرقين. ولم يكن انتشار الحضارة الإغريقية وقفًا على مناطق المدن ومراكز الحضارة والعمران، التي أسسها المستوطنون المقدونيون والإغريق، بل وصلت إلى المدن الآرامية والفينيقية والكنعانية. حتى بيت المقدس – أورشليم تسللت إليه الحضارة الإغريقية، فقد أصبح لكل مدينة في الشام دار للتريبة؛ أي جمانزيوم Gymnasion ، وهذه كانت مراكز للنشاط الثقافي والحضاري الإغريقي..

“وأمام هذا الاكتساح الجارف للحضارة الإغريقية تراجعت الحضارات السامية، سواء أكانت كنعانية أم آرامية أم عبرية؛ لتحتمي في معاقل لها في المناطق الريفية النائية، أو في مناطق المرتفعات الجبلية، وظلت في هذه المعاقل تدافع عن بقائها حتى بعد الفتح العربي.. ولم تلبث الحضارات الآرامية والكنعانية أن بدأت تتسلل لتمتزج بالحضارة الإغريقية، وساعد على ذلك اتجاه الإغريق إلى الزواج من آراميات وكنعانيات، فقد كان أغلب الجنود والمستوطنين بلا زوجات، ونادرا ما كانوا يجلبون زوجات من مقدونيا أو بلاد اليونان.. ونتيجة لذلك ظهر جيل من الآراميين المتأغرقين، أو الإغريق الآراميين، والكنعانيين الذين يجمعون بين الحضارتين لغة وعقيدة، ويتوجهون بالعبادة للآلهة الآرامية والكنعانية والفينيقية، بعد أن أضفوا عليها الصفات الإغريقية، مثل الأسماء والمظهر، وأطلقوا عليها أسماء إغريقية مثل زيوس الأولمبي..” ا.هـ.

القدس تحت حكم أنتيباتر الأدومي

كانت القدس حديثة عهد بالغزو الرومي لها حين تحولت الدولة الرومانية من جمهورية يحكمها السناتو Snato (مجلس الشيوخ) إلى إمبراطورية يمسك بمقاليدها شخص واحد، هو الإمبراطور (سنة 30 ق.م). ويُعَد هذا واحدا من الأحداث الكبرى في تاريخ الدولة الرومانية، مثله مثل انقسام هذه الدولة إلى اثنتين (شرقية وغربية) بعد بضعة قرون.

دخلت قوات بومبي القدس سنة 63 ق.م، وأُلغيت الجمهورية في الدولة الرومانية سنة 30 ق.م، فكان بين الحادثين ثلث قرن، جرت فيه أحداث ضخمة؛ سواءٌ فيما يتعلق بالدولة الرومانية عامة، أم بالقدس وفلسطين خاصة..

انفرد يوليوس قيصر بحكم الدولة الرومانية – يؤيده السناتو – بعد مقتل منافسه القوي بومبي – أول فاتح روماني للقدس – سنة 48 ق.م، وانتهاء الحرب الأهلية الرومانية سنة 46 ق.م.. وفي أثناء هذه الأحداث شن قيصر حملة على مصر، لقي فيها معونة من أنتيباتر الأدومي – معاون هركانوس ملك القدس السابق وكاهنها بعد اقتحام قوات بومبي لها – وكان أنتيباتر قد أشرفَ من قبل على إحدى الفرق العسكرية التي تحقق على يدها انتصار الرومان على المكابيين حكام القدس.. فكافأه قيصر على معونته له بجباية فلسطين كلها، بما فيها القدس، كما كسب أنتيباتر لليهود بعض الامتيازات من الرومان، لكن اليهود – على الرغم من ذلك – لم يكونوا يستريحون إلى هذه الشخصية الماكرة..

واليهود لا يعدون الأدوميين منهم، بل هم – عندهم – من نسل عيسو أخي يعقوب ( عليه السلام ) وليسوا إسرائيليين، وإن أُخضعوا بالقوة منذ سنة 125 ق.م لاتّباع مذهب اليهود. وقد حكم فلسطين أنتيباتر الأدوميُّ ومن بعده ابنُه هيرود الكبير، وظل اليهود ينظرون إليهما نظرة ريبة وعدم اطمئنان، على الرغم من كل ما قدّماه لليهود من أعمال وخدمات، مع تظاهرهما باتباع اليهودية.

كانت فترة حكم أنتيباتر لفلسطين والقدس فترة انتقالية، ولَّى فيها ابنَه الأكبر فاسيلّ نائبا له على القدس، وابنَه الآخر هيرود على الجليل، يدرّبهما على أمور الحكم، وكانت هذه الأسرة كاملة الإخلاص والولاء للروم، مع إظهارهم اعتناق اليهودية.

وفي أثناء ولاية أنتيباتر على فلسطين قُتل يوليوس قيصر (سنة 44 ق.م)، ولقي أنتيباتر نفس المصير في العام التالي، ليخلفه ابنه الثاني هيرود، الذي يُعَد واحدا من أهم حكام القدس القدماء وأوسعهم شهرة.

القدس تحت حكم هيرود الكبير

مات أنتيباتر والد هيرود قتيلا سنة 34 ق.م، وهذا – بالتأكيد – يعني أن قياد فلسطين لن يسلس لهيرود – خليفته وابنه الثاني الذي كان نائبا له على الجليل – وبالفعل تذكر المرويات اليهودية أن البقية الباقية من البيت المكابي تعاونت مع طائفة الفريسيين تحت قيادة أنتيجونس المكابي لطرد الرومان وأعوانهم من القدس، ونجحوا في طردهم من جنوب فلسطين (مملكة يهودا السابقة)، واستقلوا بدولتهم من جديد، وكانت هذه آخر مرة تستقل فيها دولة يهودية في القدس حتى القرن العشرين الميلادي..

تحرك هيرود بجيش يضم جنودا من الرومان والأدوميين والسوريين، تحت إشراف من مارك أنطونيو في روما. وتقدم الجيش نحو القدس حتى ضرب عليها الحصار، ولم يقدم هيرود على هدم أسوار المدينة، وأعانه حاكم سوريا من قبل الرومان “سوسيس”..

وناضل أنتيجونس المكابي ومن معه عن القدس، لكن الحصار استمر، ووقع القتال في الأطراف، حتى اقتحم هيرود المدينة، وجرى القتال في شوارعها وداخل مكان العبادة اليهودي الذي هدّمه القتال، وانتهت المقاومة تماما، وانفرد هيرود بالحكم سنة 37 ق.م.

بانتهاء الحرب ثُبِّت هيرود في موضع أبيه كملِك على فلسطين مفوَّض من قِبل الرومان، وبقي في منصبه ثلاثة وثلاثين عاما (37 ق.م – 4م)، وُلد في أواخرها النبي الكريم – عيسى ابن مريم ( عليه السلام ) وأظهر الوالي الأدومي في فترة حكمه دموية وجبروتا كبيرين، وتناقضا غير قليل في شخصيته بسبب محاولته الموازنة بين علاقته بالرومان وعلاقته باليهود معا.

كان هيرود يظهر أنه يهودي، وفي نفس الوقت ينشر بحماسة ثقافة الرومان في فلسطين، ويقيم معابد وثنية في القدس ومدن فلسطين؛ تقربا إلى سادته من الرومان. ويُنسب إليه إقامة الهيكل اليهودي آخر مرة.

وفي العصر الحديث كتب الصحفي اليهودي “آحاد هاعام” (سنة 1897) يشبِّه حكم الأدوميين بالدولة التي أزمعت الحركة الصهيونية المعاصرة إقامتها في فلسطين، فقال: “يحدثنا التاريخ أنه في أيام بيت هيرود كانت فلسطين دولة يهودية، لكن الثقافة القومية كانت موضع احتقار واضطهاد، وقد بذل البيت الحاكم قصارى جهده لبذر الثقافة الرومانية في البلد، وبعثروا موارد الأمة في بناء معابد الوثنية والمدرجات وما إلى ذلك. إن مثل هذه الدولة اليهودية سوف تنشر الموت والمهانة لشعبنا. إن مثل هذه الدولة لن تحقق القدر الكافي من السلطة السياسية التي تؤهلها للاحترام، بينما ستبتعد عن القوة الروحية الداخلية للعقيدة اليهودية. إن هذه الدولة المسخ ستتأرجح كالكرة بين جيرانها الأقوياء، وستحافظ على وجودها فقط عن طريق التحايل الدبلوماسي وعن طريق التزلف للدول الكبرى”.

أعمال هيرود العمرانية في فلسطين

إلى جانب شهرته بالدموية والجبروت – حتى قتل زوجته وابنيه – عُرف هيرود الكبير بكثرة ما شيده في فلسطين من المعابد والملاعب والمدن، وأشهر ذلك على الإطلاق ما قيل عن بدئه في بناء الهيكل سنة 20 ق. م لآخر مرة في التاريخ.. واليهود يزعمون أن حائط البراق (يسمَّى عندهم حائط المبكى أو جدار المناحة) هو من بقايا الهيكل السليماني الذي أقامه هيرود مكان المسجد الأقصى، ويجادلون في ذلك أشد الجدل، حتى صار هيرود هذا – برغم ما فعله في التعاليم والثقافة اليهودية وأتباعهما – شخصا يميل إليه اليهود المعاصرون بعاطفتهم..

ولكن التاريخ وعلم الآثار ينفيان صحة الزعم اليهودي تماما، فكل المرويات الإسلامية تؤكد أن مكان الحرم عند الفتح العمري للقدس كان خاليا من البناء، وقد حوَّله الرومان إلى “مزبلة” مهجورة. وقد سجل المؤرخون المسلمون ذلك في وقت لم يكن ينافسهم فيه أحد على امتلاك القدس، فلم يكونوا بحاجة إلى سَوق الأدلة والحجج على حقهم فيها. وأيضا ليس من العقل أن يظل هذا الجدار قائما وحده قرابة ستة قرون رومانية، دون أن يفكر أحد في هدمه، وقد كان هناك من حوافز العداوة بين اليهود والرومان ما يكفي لهدمه مرارا وتكرارا..

ومواصفات الحائط تؤكد أنه يصعب أن يظل قائما وحده طوال هذا الزمن، كما أنه يبدو جزءا من كل، لا نشازا يخالف ما حوله، فهذا الجدار (في الجنوب الغربي من سور الحرم القدسي الشريف) طوله 48 مترًا وارتفاعه 17 مترًا.. وإلى جانبه رصيف عرضه 3.35 أمتار، تسامح المسلمون مع اليهود فتركوهم يَبكون وينتحبون عنده؛ فأسموه حائط المبكى، وادعوا أنه بقايا بناء هيرود للهيكل. وقد أيدت لجنة عالمية شُكلت أيام الانتداب البريطاني سنة 1930م أنه من أملاك المسلمين.

كان هيرود مولعًا بأعمال البناء والتشييد على النمط الإغريقي، فجدد سور القدس، وبنى فيه أبراجا، ووسع المدينة حتى بلغت 140 أكرًا (الأكر مقياس للمساحة أقل من الفدان، ويساوي 4000م2 تقريبا)، وأقام في فلسطين مدنا كقيصرية، وشيّد الكثير من المعابد لآلهة اليونان والرومان، فعزَّز ما سعى إليه البطالمة والسلوقيون قبلَه من صبغ البلاد التي يحتلونها بصبغتهم.

مولد المسيح عليه السلام

أثناء حكم هيرود الكبير وُلد خاتمة أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم ( عليه السلام ) وقد وقع الغربيون في خطأ تاريخي كبير عند تحديدهم سنةَ ولادته، واضطر العالَم بعد ذلك إلى التسليم له، ففي سنة 532م دعا الراهب دينوسيس الصغير إلى التأريخ بميلاد المسيح ( عليه السلام ) وقدَّر الحساب بدون تدقيق، فأخطأ في بضع سنوات (يذهب البعض إلى أنها سبع والبعض الآخر إلى أنها أربع سنوات)، وحين أدرك الناسُ هذا الخطأ تعذّر عليهم التصحيح، فتركوه كما هو.

وُلد عيسى ( عليه السلام ) بصورة غير معتادة في ولادة البشر؛ ليكون آية للناس على قدرة الله، ورحمةً للبشر بمنهجه الذي أُرسل به. وجاءت ولادته في بيت لحم الواقعة إلى الجنوب من مدينة القدس بمسافة 10 كم، وتتبع لواء القدس، وترتفع عن سطح البحر 777 مترًا، وتحيط بها تلالٌ تَكْسُوها أشجار الزيتون واللوز والكروم. وكانت في القديم قرية تكتنفها الأودية العميقة من الشرق والغرب والجنوب.

وقد ذكر القرآن قصة ولادة عيسى ( عليه السلام ) بتفصيل تام؛ لما حدث حولها من خلاف أدى إلى نشوء عقائد ومذاهب جديدة مازال يعتنقها الملايين من البشر، وكأن هذه هي شهادة القرآن حول حادث ضل فيه كثيرون؛ لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد البيان..

يقول الله تعالى في سورة مريم: { وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً (16) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِياًّ (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِياًّ (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِياًّ (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِياًّ (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِياًّ (21) فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِياًّ (22) فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِياًّ (23) فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِياًّ (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِياًّ (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنسِياًّ (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِياًّ (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا  كَانَتْ أُمُّكِ بَغِياًّ (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ صَبِياًّ (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِياًّ (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياًّ } (سورة مريم: 16 – 31).

هذا، وللمسيح ( عليه السلام ) صلة عميقة ببيت المقدس، فهنالك عاش، ودعا الناس إلى التوحيد، وهناك أبان لهم أنه عبد الله ورسوله.. وقد حاولت بيزنطة المسيحية تتبُّع الأماكن التي اعتقدوا أن للمسيح فيها ذكريات لتخليدها، وجاء ذلك بعد ثلاثة قرون كاملة من المسيح، فكان لابد من الوقوع في أخطاء فادحة.. يقول كُتّاب “قاموس الكتاب المقدس”: “توجد في أورشليم أماكن كثيرة يربطها التقليد بحوادث في حياة يسوع المسيح، ولكن لا يمكن التثبت إلا من القليل منها على وجه التحقيق.. ويقول التقليد إن كنيسة القيامة مقامة فوق مكان الصلب ومكان قبر يسوع المسيح، ولكن يظن بعض العلماء أن موضع هذين المكانين غير معروف، ويقول بعض العلماء: إن موضعهما يقع إلى الشمال من الأسوار الحالية”.

القدس في القرون الأولى للميلاد

كان المجتمع اليهودي في تعامله مع الرومان منقسمًا على نفسه، بين ممالئ لهم متعاون معهم، وبين كاره لسلطانهم ووثنيتهم، يحافظ على بقايا من دعوات الأنبياء. وحين أظهر المسيح ( عليه السلام ) دعوته ازداد الحاسدون المنافقون الذين يتعاونون مع الروم، ومن الطبيعي أن يكون أكثر هؤلاء من أحبار اليهود الخائفين على سلطانهم أن يزيله هذا الفتى العظيم، الذي جاءهم يقول – كما حكى القرآن: { وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا  تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (سورة آل عمران: 49 – 51)، فتعاون الخائفون على سلطانهم حكاما وأحبارًا على الخلاص من النبي الكريم، ولكن الله تعالى نجّاه منهم.

كان هذا الحادث من كبار حوادث تاريخ القدس أثرًا في العالم؛ لما بُني عليه من عقيدة الفداء التي قامت عليها المسيحية كلها، بعد أن فسر بولس – المقتول حوالي سنة 67م – عقيدة المسيح تفسيرا آخر تماما غير ما كان يقوله المسيح – عليه السلام.

كان الرومان حينئذ قد وضعوا ولاية فلسطين – منذ سنة 29م – في يد رجل قاس هو بيلاطس البنطي، واتخذ بيلاطس من المدينة الجديدة – التي بناها سلفه هيرود – “قيصرية” قاعدة لحكمه، وقد تآمر اليهود معه على نبي الله عيسى ( عليه السلام ) ووجدها هو فرصة ليضمن ولاء هؤلاء المشاغبين له، وسعت شرطته إلى إيقاع النبي الكريم في يد أعدائه اليهود.

 وكانوا قد ظنوا حينئذ أنهم متى أرادوا قتل نبي قتلوه، ولم يمنعهم من ذلك أحد، حتى الذي أرسله! ولكن الله تعالى كما افتتح حياة عبده الصالح “المسيح” بآية من آيات قدرته، فقد ختمها أيضا بآية من هذه الآيات، قال تعالى عن اليهود: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (سورة النساء: 157 – 158).

لم يجد عيسى ( عليه السلام ) في مجتمع القدس وفلسطين من يجيب دعوته إلا نفرا قليلا من الحواريين، مما يعني أن الانتقال بالخير والنبوة من بني إسرائيل إلى غيرهم صار أمرًا لابد منه؛ ليعتدل حال البشرية، ويستقيم ميزان الحياة الإنسانية، ولكن النبوة الجديدة لم تأتِ إلا بعد حوالي ستة قرون، أكّدت أن البشرية لا غنى لها عن الوحي والعون الإلهي. وكان التقاء الأنبياء أولِهم وآخرِهم ليلة الإسراء وفي رحلة المعراج علامة وحدة وأخوة عميقة شهدتها القدس ورحاب حرمها الشريف، كما شهدتها السموات.

القدس تحت حكم هيرود أغريبا

بعد موت هيرود الكبير (سنة 4م) تبعت القدس حكم الرومان مباشرة، ومنذ سنة 14م تولى أمر فلسطين جابٍ صغير، وتولاها سنة 29م بيلاطس البنطي الشهير، لكنه لم يمكث في منصبه سوى سنوات قلائل، فقيل إنه مات منتحرا، وقيل بل نفاه الرومان إلى بلاد الغال (فرنسا) حيث مات.

وجدد الرومان ثقتهم في الأسرة الأدومية، ووجدوا في هيرود أغريبا – حفيد هيرود الكبير – مَن يصلح لولاية فلسطين. وكان هذا الرجل ممن تربوا في روما، وشربوا عادات الإمبراطورية، ونشأوا على الولاء لها.

ونجد أخباره وأخبار ابنه هيرود أغريبا الثاني في “أعمال الرسل” من العهد الجديد، فنروي ما فيه، ونكل علمه إلى الله تعالى.

أما هيرود أغريبا الأول، فقد ولته روما سنة 37م على بعض الأنحاء، ثم وسَّعت سلطته حتى نصّبته ملكا على فلسطين سنة 41م، ومع أنه – حسب الرواية التي لا ندري أنها صحيحة بغير شك – قد مات سريعا سنة 44م، حيث أكله الدود لادعائه الألوهية – مع ذلك فالمؤرخ اليهودي الشهير يوسفوس ينسب إليه أنه أقام سورا جديدا بالجهة الشمالية للقدس، وأدمج الطرف الجنوبي للتل الغربي في المدينة، فاتسعت كثيرا عما كانت عليه في عهد جده هيرود، حتى صارت مساحتها 310 أكرات (الأكر “Acre مقياس للمساحة أقل من الفدان، ويساوي 4000م2 تقريبا).

بعد وفاة هيرود أغريبا السريعة وُضعت القدس وفلسطين تحت الوصاية الرومانية من جديد، ورفضت روما أن تولي هيرود أغريبا الثاني عقب وفاة أبيه؛ لحداثة سنه، فواصل إقامته في روما، حتى حظي عندها، وولّته مَلكا على فلسطين وبعضِ مناطق لبنان الداخلية. وحين تولى إمبراطور روما الطاغية نيرون عرش روما (54 – 68م)، وسّع من مناطق سلطة هيرود أغريبا، الذي بقي في منصبه حتى دمر القائد الروماني تيطس القدس سنة 70م.

وإلى فترة حكم أغريبا الثاني يُنسَب إتمام بناء ما يسمى بالهيكل (سنة 64م)، الذي كان هيرود الكبير – جد أبيه – قد بدأ في إقامته سنة 20م.

وقد اعتنى المؤرخ اليهودي المجرَّح في روايته “يوسفوس” بأخبار هذا البناء، فمساحته ضوعفت، وجاء بناءه بالصخور البيضاء، وارتفع سطحه أكثر من بناء سليمان..

التدمير الروماني للقدس

في بداية الحكم الروماني لفلسطين، بدا اليهود بقايا أمة تدعي لنفسها التميّز، ولكنها لا تملك لذلك أسبابا، ولا تقدم عللا مقنعة بهذا التميز، فقط هم الشعب المميز أو “المختار” الذي التصق به هذا الفضل، ولن ينفصل عنه، مهما زاغ عن طريق الصالحين من الآباء، وسار على نهج الكافرين والملحدين منهم.

وفي الوقت نفسه كان الرومان يولون على فلسطين وجوها قبيحة سفاكة للدماء، فكان ذلك مدعاة لإثارة الكثير من القلاقل، خاصة في القدس.

والحقيقة أن المصادر قلّما تحدثنا عن تاريخ غير اليهود بالقدس طوال بضعة قرون قبل الميلاد، وبضعة قرون أخرى بعده، فيبدو تاريخ القدس أثناء هذه الفترة على أنه صراع بين اليهود وبين الغزاة من البابليين والآشوريين واليونان والرومان، أو انفراد من الغزاة بالقدس بعد نفي اليهود منها، وكأن هذا النفي مرحلة مؤقتة لابد أن تنتهي بالعودة اليهودية!!

وهذا نقصٌ شنيع في المصادر، أتاح لليهود فرصة رسم التاريخ كما شاءوا، من خلال مصادرهم التي لا يرقى مستوى الكثير من محتواها إلى مقام الفلكلور الشعبي الذي حُشي بروايات لا وزن لها!! والمشكلة أن الكثير من المسلمين يأخذون بهذه المرويات وبالقراءات اليهودية المنحازة للمكتشفات الأثرية الفلسطينية على أنها شيء مسلَّم!!

وعند العودة إلى التدمير الروماني للقدس، سنجد أن الرومان قد ولوا على فلسطين وجوها قبيحة تسلطت على رقاب العباد، واهتمت بجمع المال والثروة، يقول المؤرخون عن أحدهم: “كان ألبينوس يقبل الرشوة من كل ناحية، ولا يترك في السجن سفاحا يستطيع أن يدفع له ثمن حريته، ويسمح للمتنافسين من رؤساء الكهنة أن يخوضوا معاركهم في الشوارع، ويجرب بنفسه التلصص وقطع الطريق. ولكن حتى ألبينوس هذا كان ملكا عادلا إذا قيس بخلفه جيسيوس فلورس (64 – 66م)، ذلك الذي بدأ بسلب الأفراد وقتلهم، ثم انتهى بتدمير المدن برمتها، ولم يكن على قطّاع الطرق جرم طالما ظفر فلورس بنصيبه من الغنيمة”!!

كان هذا حال الحكام الوثنيين الذين ولاهم الرومان أمر القدس وفلسطين، فلم يكن لهم دين يعلّمهم، أو شرع يوجّههم، وأما اليهود فقد كان لديهم من تراث الآباء وهَدْي الأنبياء ما هو كفيل بإنقاذهم لو راعوه وعملوا به!!

ولم يكتفوا بالبعد عن الحق، بل حاربوا أهله، وشنوا حربا على أتباعه أوقدوا نيرانها أكثر مما فعل الرومان، وكان اضطهاد المسيح ( عليه السلام ) وأتباعه من أبرز الأمثلة على ذلك.

من هنا بدت الساحة وفي الصورة فريقان كلاهما خاطئ، تعاونا على وأد الحق، وافتنّا في مخالفة الحَسَن من الأخلاق والقويم من العقيدة، فسلط الله قويَّهم (الرومان) على ضعيفهم (اليهود)، وذلك أن اليهود ثاروا على شدة الوالي الروماني “فلورس”، وذبحوا الحامية الرومانية في القدس عام 66م.

اهتزت هيبة الرومان بهذه المذبحة وغيرها في أنحاء فلسطين، فوجهوا سنة 67م جيشا للانتقام عدته 60 ألف مقاتل، ويقوده فسباسيان – الذي سيصير إمبراطورًا على روما بعد عامين من بدء الحملة – واشتدت وطأة الجيش الزاحف، لكنه وجد صعوبات في طريقه، حتى وصل إلى أسوار القدس، وفي هذه الأثناء (سنة 69م) وقعت أحداث على مستوى الدولة الرومانية الكبيرة، تدخلت أثناءها فرق الجنود الرومان في سوريا، ووضعوا قائد الحملة فسباسيان إمبراطورا على الدولة الكبيرة.

لم ينس الإمبراطور الجديد أن يترك على الحملة قائدا قويا لتحقيق الهدف منها، فكان هذا القائد هو ابنه تيطس الذي حاصر القدس من الخارج، ونار الفتنة والخلاف بين فرق اليهود تشتعل في داخلها، وآلام الجوع والوباء والقتل تتصاعد، حتى نقب الرومان الحصون، ودخلوا المدينة، ونيران الحقد لاغتيال حامياتهم في فلسطين تتحكم في مشاعرهم، فدمروا وقتلوا، وسيطروا على بيت عبادة بني إسرائيل.

انتهت هذه الأحداث – كما تذكر رواية يوسفوس المؤرخ اليهودي الذي شارك إلى جانب الرومان في معارك شمال فلسطين – انتهت بالاستيلاء على القدس في أغسطس سنة 70م، ولكن ميل المجموعات اليهودية إلى صنع القلاقل والثورات كان كامنا في نفوسهم، خاصة بعد أن نوى الإمبراطور الروماني إيليوس هادريانوس سنة 132م إقامة مدينة جديدة في القدس، تأخذ طابع الوثنية التي يعتنقها، وحال بين اليهود وبين تأدية طقوسهم التعبدية في القدس، فخرج رجل يهودي اسمه “بركحفا”، وادعى أنه المسيح الذي ينتظره اليهود، وتزعم الثورة ضد الرومان، واستطاع بالفعل طرد الرومان، وبقي مستقلا ثلاث سنوات، حيث جرد له هادريانوس حملة قوية استطاعت عام 135م أن تدمر مئات القرى، وتسقط عشرات القلاع، وتسحق بركحفا ومن معه، وتدمر المدينة المباركة (القدس) وبيت عبادة بني إسرائيل، حيث صارت المدينة خاوية على عروشها.

وحُرِّم دخول القدس على مَنْ بقي من اليهود بعد الحرب، وشتت الرومان جموعهم، “ولم تعد هناك جماعات يهودية في ضواحي المدينة.

وفي احتفال بالحدث في روما، صُنع للقائد الظافر تيطس قوس النصر، ونُقشت عليه بعض مشاهد ما جرى – وما زال هذا الأثر باقيا –يبدو فيه مشهد أسلاب الحرب والأواني الذهبية والشمعدان اليهودي الشهير.

 (د. عبد الحميد زايد: القدس الخالدة صـ 145 وما بعدها، وهامرتن وآخرون: تاريخ العالم؛ الفصل 69 صـ 655)

 

هادريانوس يبني إيلياء (القدس)

“كان من أقدر الرجال الذين شغلوا منصب الإمبراطور على مر التاريخ” – هذا هو إيليوس هادريانوس، الذي زار القدس واطلع على أحوالها سنة 130م، وأزمع سنة 132م أن يبنيها من جديد، لا كمدينة أنبياءَ يُعبد فيها اللهُ الواحد، ولكن كمدينة وثنية تخلّد ذكر الإمبراطور، وحين وقف بعض اليهود في طريقه أنهى الوجود اليهودي في القدس، وهدم المدينة المباركة سنة 135م.

اختار إيليوس هادريانوس للإشراف على بناء مدينته الجديدة أحد رجاله المخلصين له، المسمى “روفوس تيمايوس”، واختار للمدينة اسم “إيليا كابيتولينا”؛ أي “مدينة إيليوس”؛ تخليدا لاسمه، وكان من عادة أباطرة روما أن يسموا المدن التي يشيدونها بأسمائهم، كما سيفعل قسطنطين الكبير عند بنائه القسطنطينية في القرن الرابع للميلاد.

أُقيمت إيلياء على الطراز الروماني، وضمت معابد وثنية ومسرحا، وحُفرت لها بِركة ماء، وشُيّد فيها سوقان وتجمعات سكنية..

يقول أحد الباحثين عن هادريانوس: إنه “بنى معبد جوبيتر على أنقاض المعبد القديم، وأقام تمثالا لنفسه أمام المعبد، كما أقام أيضا معبدا لفينوس.. وبُنيت أسوار إيليا لتضم المدينة القديمة الحالية، واستثنى منها مدينة داود، في القسم الجنوبي للحافة الشرقية، وكذلك جبل صهيون الحالي على التل الجنوبي الغربي”.

هذا، وقد كشفت الحفريات في القدس وحولها عن العديد من العناصر المعمارية التي ترجع إلى عصر الرومان، “ولكنها لا تكفي لإعطائنا صورة واضحة عن التخطيط القديم للمدينة الرومانية”.

وقد بقي اسم إيلياء علما على المدينة المباركة طوال الفترة الرومانية والبيزنطية، واستخدمه العرب والمسلمون، وورد في بعض أحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم – ولكنه سرعان ما اختفى في أعقاب الفتح الإسلامي، وحلت محله الأسماء العربية الإسلامية المشرقة، مثل: القدس، وبيت المقدس..

القدس والتحول الروماني إلى المسيحية

هذا التحول من الوثنية إلى المسيحية جاء حسب تأويل شاول (بولس) للرسالة السماوية، لا كما جاء بها عيسى ( عليه السلام ) لكنه كان تحولا من كبار التحولات في تاريخ أوروبا والشرق، وكان له تأثير مهم في تاريخ القدس..

ففي سنة 313م اختار الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير (ت 337م) المسيحية ديانة رسمية لدولته، وكان شكلُ الديانة الجديد قد أعطى النبيَّ الكريم عيسى ( عليه السلام ) موقعا مركزيا في الكون كلِّه، فلم يصر عندهم عبدًا لله – كما هو الحق – ولكنه عُدَّ ابنا للخالق – سبحانه وتعالى – مما يراه الكثيرون من دارسي المسيحية تصالحا بين الوثنية وبين الديانة الجديدة، حيث يصبح الإنسان المتميِّز وسط التركيب الاجتماعي القائم ابنا للإله الأعظم، كما هو الحال عند المصريين القدماء واليونان والرومان وغيرهم.

وما دام المسيح قد وُضع هذا الموضع، فلابد أن تكون للأماكن التي يعتقد المسيحيون أنه عاش فيها قداسة خاصة، فعدوا إيلياء كلها مدينة مقدسة “مدينة الرب”، وجعلوها موضعا يحجون إليه من أرجاء الدنيا، وإن بقيت بعض المدن – حسب قرارات مجمع نيقية سنة 336م – في منزلة أهم منها وأكثر قداسة، وهي: روما وأنطاكية والإسكندرية، حيث قامت في كل واحدة منها بطريركية كبيرة، في حين بقيت القدس مجرد أَسقُفِّيّة، حتى جاء مجمع خلقدونيا المسكوني سنة 451م، فرفع إيلياء “القدس” والقسطنطينية إلى درجة البطريركية.

لقد كان للتحول الروماني إلى المسيحية تأثير كبير في القدس والعالم، فبعد أن كانت هذه الدولة المترامية الأطراف مضطهِدةً لأتباع المسيح ( عليه السلام ) صارت حامية وممثلة لهم، كما أن إيلياء “القدس” التي أقامها إيليوس هادريانوس للمعبودات الرومانية واليونانية الوثنية، قد لبست زيَّ المسيحية الجديدة، وبنى الرومان فيها الكنائس منذ زمن مبكر لاعتناقهم هذه الديانة، وإن كان ذلك بعد المسيح ( عليه السلام ) بثلاثة قرون كاملة.

وأشهر الشخصيات التي شاركت في إقامة الصروح المسيحية في القدس هي “هيلانة” – والدة قسطنطين الكبير – التي عُدَّت قديسة لهذا السبب، فيذكر المؤرخون أن مكاريوس – مطران إيلياء – قابل الإمبراطورة هيلانة، وحدثها عن الحالة السيئة للمدينة، ولابد أنه ذكّرها بأنها “مدينة المسيح”، فقامت الإمبراطورة بزيارة تاريخية إلى القدس سنة 326م، واطلعت على حالها من قريب، وعاينت مع المطران مكاريوس ما ظنا أنها أماكن ارتادها المسيح، أو كانت له فيها بعض المواقف، وبنت كنيسةَ القيامة في الموضع الذي ظنا أنه المكان الذي دُفن فيه المصلوب، واعتقدا أنه قام منه بعد الدفن. وقد شكك دارسو العهدين القديم والجديد في دقة هذا الاختيار، فقالوا: “توجد في أورشليم أماكن كثيرة يربطها التقليد بحوادث في حياة يسوع المسيح، ولكن لا يمكن التثبت إلا من القليل منها على وجه التحقيق.. ويقول التقليد إن كنيسة القيامة مقامة فوق مكان الصلب ومكان قبر يسوع المسيح، ولكن يظن بعض العلماء أن موضع هذين المكانين غير معروف، ويقول بعض العلماء: إن موضعهما يقع إلى الشمال من الأسوار الحالية”.

وقد أقام أباطرة الرومان في القدس كنائس أخرى، مثلما فعلت الإمبراطورة أيودكسا في منتصف القرن الخامس الميلادي، كما شيدوا في المدينة صروحا كثيرة، مثل دار ضيافة الحجاج الأجانب ودار ضيافة الفقراء المرضى في الزاوية الجنوبية الشرقية للقدس الرومانية، وتُنسب الداران إلى الإمبراطور جستنيان (ت 565م)، وقد كُشف عن بقاياهما حديثا.

القدس في حيازة الفرس الساسانيين

آخر قوتين تنافستا على السلطان في العالم قبل انتشار الإسلام هما: الفرس الساسانيون والروم البيزنطيون، وقد كانت الوقائع بينهما ساخنة في السنوات الأولى للإسلام، فحين كان المسلمون مضيَّقا عليهم في مكة وشِعابها، وقعت معارك كبيرة بين الفرس والروم حُسمت أولا لصالح الفرس في وقعة حربية حامية في فلسطين..

وقد استطاع الفرس في مراحل الصراع المتتابعة الاستيلاء على مدن مهمة، كدمشق (سنة 610م)، ولكن وعورة الطرق الشامية، والوقتَ الطويل الذي كانت تقضيه الجيوش في حصار المدن – أخّرا السيطرة الفارسية على القدس إلى سنة 615م، حيث وقعت بأرض فلسطين تلك المعركة التي أشار إليها القرآن الكريم في صدر سورة الروم، وذكر أن الروم بعد هزيمتهم ستَرْجَح كِفَّتهم على الفرس في لقاء حربي آخر لن يتأخر موعده عن بضع سنين (أي 9 أو 10 سنوات على الأكثر).. يقول تعالى: {الم. غُلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غَلَبهم سيَغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد..} (سورة الروم: 1 – 4).

تقول الروايات: إن القائد الفارسي الذي تولى الاستيلاء على القدس هذه المرة يدعى “خوريام”، الذي كان ينطلق من مقره في قيصرية، وقد تيقنت بقايا اليهود في بيت المقدس من قوة الزحف الفارسي، فأعدوا لتسليم المدينة للفرس، وغلبوا النصارى على أمرهم، فدخلت خيول فارس مدينة بيت المقدس بعون يهودي.

ولكن لم تمر سوى بضعة شهور حتى كان نصارى بيت المقدس يثورون ضد الفرس، ويقتلون قادتهم، ويسيطرون على القدس من جديد.. وهنا جاء قائد فارسي آخر (هو شاه ورز) ليستعيد المدينة من الروم، فضرب عليها الحصار، ووجد من اليهود عونا جديدا وكبيرا على هدم الأسوار، حتى نجح بعد تسعة عشر يوما من الحصار في دخول القدس، ووقعت مقتلة عظيمة في صفوف الروم (مايو سنة 615م)، هلك فيها كثير من الرهبان والراهبات..

وقضى الفرس واحدا وعشرين يوما في القدس بعد أن سيطروا عليها، لم يكن فيها إلا القتل والتنكيل والنهب والإحراق، حتى خربوا كنيسة القيامة وغيرها من الكنائس، وجردوها من كنوزها، واستولوا على صليب الصلبوت المقدس لدى النصارى، وأُسر من الروم وأعوانهم عدد هائل، كان اليهود يشترون بعضهم ليستمتعوا بقتلهم!!

وكانت المفاجأة أن الوفاق لم يدم بين الفرس واليهود، فأُبعد اليهود عن القدس، ورضي الفرس أن يعيد النصارى إعمار كنائسهم ففعلوا، وسُجِّل ذلك في خطاب تاريخي من رئيس الجماعة المسيحية في فلسطين “مودستوس” إلى “كومتاس” – نظيره في أرمينيا – فقال: “لقد جعل الله أعداءنا أصدقاء، وأنزل الرحمة والرضوان في قلوب غزاتنا، على حين أن اليهود الذين اجترءوا على معاداة هذه الأماكن الشريفة وإحراقها قد شردهم الله من البلد المقدس، وقُدِّر عليهم ألا ينزلوا به ولا يروه، وقد أُرجعت فيه بيوت العبادة إلى سابق عزها ومجدها.. لقد عادت كل كنائس بيت المقدس إلى سابق سيرتها؛ تصلي فيها القسس، ويسود السلام على مدينة الله وما حولها”.

البيزنطيون يستعيدون القدس

لم تتوقف حوافر الخيول الفارسية عن السياحة فوق أرض الروم وغزوها عند حدود الشام، بل امتدت إلى مصر، ووصلت إلى آسيا الصغرى وساحل البوسفور المواجه للقسطنطينية نفسها. ومع أن الفرس أتاحوا للنصارى فرصة ممارسة شعائرهم وإعمار كنائسهم في القدس، إلا أن كسرى عمد إلى إذلال رءوس الروم، حتى القيصر هرقل نفسه، وأرسل إلى هرقل مع أحد رسله يقول: “قل لمولاك إن دولة الروم من أرضي، وما هو إلا عاص ثائر وعبد آبق، ولن أمنحه سلاما حتى يترك عبادة الصليب ويعبد الشمس”!!

أغضب هذا هرقل، وبعد أن كان مستسلما هو وقومه لقدر الوقوع في يد الفرس، إذا به يهب نفسه لافتداء “الصليب المقدس”، ويحشد مائة وعشرين ألفا من قومه، ويتحرك للقائهم في نفس عام هجرة النبي – صلى الله عليه وسلم – من مكة إلى المدينة؛ أي عام 622م..

وقد كان المسلمون ومشركو مكة على السواء يرقبون الموقف، ويتابعون أخبار الأحداث وتطوراتها في حرب طاحنة متوقعة، فقد ذكر القرآن أن الروم سيعودون بعد هزيمتهم الأولى ليذوقوا طعم النصر، وتراهن بعض المسلمين وبعض المشركين على من سينتصر، ومال كل فريق إلى تشجيع طرف من الطرفين؛ فأما المشركون فمالوا إلى الفرس لمشابهتهم لهم في وثنيتهم، وأما المسلمون فمالوا إلى الروم أهل الكتاب مثلهم.

وجرى القتال في مواضع مختلفة؛ مثل قليقيا وطرابزون، واشتعلت المعارك طوال ست سنوات، حتى حُسمت لصالح الروم عندما استولوا على دستجرد (على بعد 80 ميلا من المدائن عاصمة كسرى) في فبراير سنة 628م.

وقد غمرت السعادة والفرحة هرقل والروم، خاصة لاستعادتهم ما يسمى “الصليب المقدس”، وسار هرقل على قدميه حاجا من حمص إلى بيت المقدس، حيث قرر أن يكون احتفاله بالنصر الكبير على الفرس، وليعيد الصليب المذكور إلى كنيسة القيامة. وقيل إن كتاب النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – إلى هرقل يدعوه وقومَه إلى الإسلام – قد وصل إلى يد هرقل أثناء هذه الرحلة.

ولم ينس الروم الانتقام من اليهود، فنفاهم هرقل خارج القدس، ومنعهم من العودة إليها أو الاقتراب منها إلى مسافة ثلاثة أميال من الأسوار، بل قيل إنه قتلهم “حتى لم يبق منهم أحد في دولة الروم ومصر والشام إلا من هرب أو اختفى”.

 

 

 

 

                                                                                                                                              

القدس في صدر الإسلام

 

د. نبيل الفولي

 

 

 

 

القدس عند المؤرخين في صدر الإسلام

 

الكثير من المصادر الإسلامية تناولت القدس: تاريخَها ومنزلتها وفضائلها، سواءٌ أكان ذلك على صورة مؤلفات خاصة بالمدينة المقدسة، أم ضمن مؤلفات عامة.

والنوع الأول مثل: “فضائل بيت المقدس” لأبي العباس الوليد بن حماد الرملي (ت 300هـ تقريبا)، وبنفس العنوان لهبة الله بن صصري (ت 586هـ)، ولأبي الفرج بن الجوزي (ت 597هـ)، ولبهاء الدين بن عساكر (ت 600هـ).. وقال صاحب “كشف الظنون”: “تواريخ القدس منها: إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى، والأنس في فضائل القدس، والأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، والجامع المستقصَى في  فضائل المسجد الأقصى، وباعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس – وهو ملخص الجامع والروض المغرس في فضائل بيت المقدس – وفتوح بيت المقدس، وقدح القسي في الفتح القدسي، ومثير الغرام إلى زيارة القدس والشام..”.

وأما أمثلة المؤلفات الإسلامية العامة التي تعرضت للقدس، فمنها: “تاريخ الأمم والملوك” لمحمد بن جرير الطبري (ت 310هـ)، و”فتوح الشام” للواقدي (ت 207هـ)، و”كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية” لأبي شامة (ت 665هـ).. إلخ.

والملاحظ أن هذه الكتب حين تتناول تاريخ القدس قبل الإسلام، تكتفي بسرد الروايات اليهودية حول صلة الأنبياء وعلاقة بني إسرائيل بهذه المدينة. وهذه المرويات اليهودية بها كثير من النقص والتحريف، وبالتالي لا يبدو التاريخ من خلالها دقيقا.

والمؤرخون المسلمون فعلوا هذا لأسباب منها:

أولا لم يجدوا أمامهم مصادر تؤرّخ للقدس قبل الإسلام سوى ما جاء في مرويات بني إسرائيل.

ثانيا لم يكن هنالك صراع على القدس وهويتها بين اليهود والمسلمين، حتى يمحص المسلمون المرويات، وينفوا الخطأ الكبير الذي شاع، وهو أن تاريخ القدس هو نفسه تاريخ اليهود!!

ثالثا كان من عادة مؤرخي المسلمين المتقدمين أن يثبتوا المرويات كما هي، ومعها سندها، ولكن جاء بعدهم مَن لم يكتفِ بنزع الأسانيد، فروى هذه الحوادث بلا نقد، وكأنها جميعا تاريخ حقيقي لا يرقى إليه شك.

ونتيجة لما سبق انتشرت مجموعة من المرويات غير الصحيحة حول القدس وفضائلها، وكأن ما ثبت وتأكد بالقرآن والسنة من فضل هذه المدينة المباركة غير كاف!! وأغلب هذه الروايات المختلَقة تخص أماكن معينة من القدس بأنها هي التي شهدت الحادث الفلاني، دون أن تكون هناك رواية صحيحة تثبت هذا، ومن هذه الأماكن: وادي النمل (الذي شهد ما قصه القرآن من حكاية النملة مع جيش نبي الله سليمان)، ومحراب داود.. إلخ.

ويبدو أن الحرص على هذا الربط يرجع إلى عادة بيزنطةَ المسيحية في تقديس الأماكن التي يظنون – مجرد ظن لا تحقيق له – أنها ترتبط بأحداث في حياة المسيح عيسى ( عليه السلام ) حيث يبنون الأديرة والكنائس، فانتقل التأثير بصورة لا شعورية إلى غيرهم.

وقد أثبت المؤرخ الحافظ ابن كثير جذرًا مهمًّا لكثير من الاعتقادات الشائعة عند عامة المسلمين حول القدس، مثل أن هذا المكان هو واد في جهنم، وهذا موضع الصراط، وأن هذا هو كذا وكذا مما يتصل بأمور الآخرة، وليس لذلك أصل.. يقول ابن كثير – وهو يتحدث عن عظمة البناء الذي أقامه الأمويون فوق صخرة بيت المقدس: ” وافتتن الناس بذلك افتتانًا عظيمًا، وأتوه من كل مكان، وقد عملوا فيه من الإشارات والعلامات المكذوبة شيئا كثيرا مما في الآخرة، فصوروا فيه صورة الصراط وباب الجنة وقدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ووادي جهنم، وكذلك في أبوابه ومواضع منه، فاغتر الناس بذلك وإلى زماننا”. ولا زالت هذه الأفكار ثابتة راسخة عند كثير من الناس إلى اليوم!!

معرفة عرب الجزيرة بالقدس قبل الإسلام

لم تكن أمِّية العرب في الجزيرة لتحول دون معرفتهم بالعالم من حولهم، فكانوا يعرفون الهند والصين ومصر والحبشة، ولكن معرفتهم بالشام والعراق كانت أوسع وأعمق، خاصة أن هاتين الجهتين استقبلتا الكثير من الهجرات العربية المتتابعة طوال التاريخ، وقامت فيهما وعلى أطرافهما ممالك عربية (المناذرة في الحِيرة والغساسنة في أطراف الشام) توالي الفرس والروم.

وكان عرب غرب الجزيرة أعرفَ بالشام ومدنها من العراق وحواضرها، ولم يكن قرب المسافة وحده هو الذي أنتج هذه العلاقة، بل كان نشاط التجارة بين غرب الجزيرة والشام أدعى لترددهم عليها، وطوافهم بأنحائها، فكانت قريش – مثلا – تعد قوافلها الصيفية لتتجه إلى الشام سنويا، فعرف الكثيرُ من القرشيين – وغيرهم من العرب – أحوال حواضر الشام ومدنها، خاصة الواقعة في الجنوب، ومنها إيلياء: بيت المقدس، وغزة التي “كانت وجه متجرهم”؛ أي مقصدهم في تبادل السلع والمتاجرة بأموالهم.

وقد حُفظت لنا بعض الروايات الصحيحة لدخول العرب بيت المقدس قبل أن يعم الإسلام الجزيرة العربية، ففي صحيح البخاري أن أبا سفيان بن حرب أخبر: “أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش (أي في صلح الحديبية عام 6هـ)، فأتوه وهم بإيلياء..”، وفي رواية لابن إسحاق قال أبو سفيان: “فقال هرقل لصاحب شرطته: قلِّب الشام ظهرا لبطن، حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه. فوالله إني وأصحابي بغزة، إذ هجم علينا فساقنا جميعا..”.

وكان هرقل يريد أن يسألهم عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وحاله فيهم، بعد أن تلقى منه رسالة تدعوه وقومَه إلى الإيمان بالله وحده والدخول في الإسلام.

ولا شك أن الاهتمام الخاص الذي كان يوليه الروم للقدس كان من أسباب شهرتها ومعرفة العرب بها، خاصة أن النصارى كانوا يأتون من بلاد عديدة ليحجوا إلى كنائس القدس، مما يشبه – في بعض الوجوه – حجَّ العرب إلى البيت الحرام في مكة.

وربما سمع العرب من اليهود (الذين سكنوا في اليمن والمدينة وخيبر وفدك وتيماء) أشياء عن القدس، أعطتهم انطباعا خاصا عن قَدْر هذه المدينة، وما سبق للأنبياء من عيش في رحابها، وادعاء اليهود أنها مدينتهم التي وُعدوا بها.

وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم )  بالتأكيد يعرف إيلياء (القدس) قبل بعثته كما يعرفها قومه، خاصة أنه شاركهم في الأسفار التجارية الصيفية إلى الشام.

وقد حاولت قريش أن تستخدم خبرتها ومعرفتها بالقدس لتثبت كذب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حين أخبرها بإسراء الله به إلى المسجد الأقصى، لكن الله تعالى أيده.. قال رسول الله  ( صلى الله عليه وسلم ): “لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِس،ِ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلا اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْه” (رواه البخاري وأحمد).

وفي رواية لأحمد أنهم قالوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ): فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ. قَالَ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ أَوْ عُقَيْلٍ فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ. قَالَ وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ. قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ!!

ويروى أيضا أنهم قالوا: يا محمد، صف لنا بيت المقدس، كيف بناؤه؟ وكيف هيأته؟ وكيف قربه من الجبل؟ وفي القوم من سافر إليه، فذهب ينعت لهم..”.

وفي معرفة العرب بالقدس قبل الإسلام يقول أحد أهل العلم: “وحكم تخصيص الإسراء إلى المسجد الأقصى: أن قريشا تعرفه، فيسألونه عنه، فيخبرهم بما يعرفونه، مع علمهم أنه ( صلى الله عليه وسلم ) لم يدخل بيت المقدس قط، فتقوم الحجة عليهم”.

 

النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) في القدس

أكّد الإسلام على التواصل بين الأنبياء والرسل، وأنهم جميعًا متفقون في الأصول والأسس، وكل نبي يأتي ليكون جزءًا من بناء واحد يجمعه هو وإخوانَه من النبيين، وهو بناء دلّ أصحابُه الخلقَ على الله، وعاشوا حياتَهم فوق الأرض عِيشة شريفة طيبة، بلا استعلاء ولا استكبار، ولا مخاصمة للخلق من أجل الدنيا.

قال الله تعالى: { وَمَا  أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ  لاَ  إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (سورة الأنبياء: 25).

وفي الحديث الصحيح قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ): ” مَثَلي ومَثَلُ الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارًا فأكملها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطيفون بها ويقولون: هلاّ وُضِعَت هذه اللبنة” (رواه البخاري ومسلم).

ويتبع هذه الصلةَ رباطٌ آخر يصل بين البيوت التي أقامها الأنبياء لعبادة الله تعالى، فأولها بيت إبراهيم (المسجد الحرام)، وبعده المسجد الأقصى، ثم المسجد النبوي بالمدينة المنورة.

وقد جاءت رحلة الإسراء والمعراج لتؤكد هذه المعاني، وتعبر – فيما تعبر عنه – عن هذه الصلات بين الأنبياء من أولهم إلى خاتمهم، وكذلك بين مسجد مكة ومسجد القدس.

هذه الرحلة – التي تأكدت بالقرآن الكريم والسنة المتواترة – جرت قبل الهجرة إلى المدينة، لكن لم يُحدَّد بالضبط تاريخها، فمن قائل إنه بعد البعثة بنحو من عشر سنين، ومن قائل إنه قبل الهجرة إلى المدينة بسنة، أو بستة عشر شهرا.

قال ابن كثير: “على قول السدي يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري وعروة يكون في ربيع الأول”.

وقد ذكر حديثٌ في فضائل شهر رجب أن الإسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب، ولكن ابن كثير قال عنه: “لا يصح سنده”.

وفائدة هذا أن نعرف: من كان يسيطر على القدس حين دخلها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ليلا في صحبة الملائكة، فلم يملك أحد أن يصدَّه عنها، وصلى بالأنبياء في أرض المسجد الأقصى؟

لقد سيطر الفرس على القدس من سنة 615م (= 6 من البعثة) إلى سنة 628م (= 6هـ)، وهذا يعني أن رحلة الإسراء المباركة تمت والقدس تحت سيطرة الفرس الساسانيين، وكأنه استهزاء بالوثنية وأتباعها.

في هذه الرحلة سافر النبي ( صلى الله عليه وسلم )  ليلا من بيت الله الحرام، بوسيلة سفر غير معتادة تسمى “البراق”، حتى وصل إلى المسجد الأقصى، وهناك ربط البراقَ في الحَلْقة التي يربط فيها الأنبياء، وعرض عليه المَلَكُ جبريل خمرا ولبنا، فشرب اللبن، وترك الخمر، فقال له جبريل: ” الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُك”. وأمَّ رسول الله الأنبياء، وكلهم أعلى مقاما من الشهداء، فهم عند ربهم أحياء، كما أن الأرض لا تأكل أجسادهم، فصلى بهم بأرواحهم وأجسادهم، وهم يشهدون له بصدق رسالته ونبوته.

وبعد أن انتهى من جزء الرحلة الأول “الإسراء”، كانت القدس محطةً لانطلاقه ( صلى الله عليه وسلم )  في المرحلة الثانية “المعراج”، حيث الصعود في رحلة تكريمية وتكليفية له ولأمته إلى السموات العلى وسدرة المنتهى.

ورحلة الإسراء والمعراج هذه أعطت القدس لدى المسلمين أهمية عظيمة؛ لأن الله تعالى اختارها مقصدا للإسراء وبداية انطلاق للمعراج، فتأكد من ذلك خصوصيتها بالفضل ورفيع المنزلة من دون بقاع كثيرة من الأرض.

(ابن كثير: البداية والنهاية 3/ 108 – 109)

 

هل كان المسجد الأقصى قائمًا كبناءٍ عند الإسراء؟

لهذا السؤال أهميته؛ لأن المعروف اليوم هو أن بيت العبادة الذي ورثه بنو إسرائيل عن نبي الله سليمان ( عليه السلام ) قد حطمه الرومان تماما (للمرة الثالثة والأخيرة) سنة 135م، وفي المقابل نجد بعض الأحاديث الصحيحة تروي أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )  وصف لقريش “المسجد” الذي أُسري به إليه، وأوضحُ من ذلك قول القرآن الكريم: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } (سورة الإسراء: 1).

ولتوضيح هذه المسألة نذكر ما يلي:

أولا لا يُشترط في كلمة المسجد أن تدل على بناء له سور يحيط به، فالمسجد الحرام كان لأول عهده بغير سور، والمسجد الأقصى لا يراد به بناء معين في هذه الأرض المباركة، وإنما يُقصَد به الحرم القدسي كله، ويضم الآن مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى – الذي بناه عمر بن الخطاب أول مرة بعد الفتح – كما يضم أبنية أخرى. ومن هنا نستطيع أن نفهم أن الإسراء إلى المسجد الأقصى لا يعني بالضرورة أن يكون انتقالا إلى بناء يسمى بهذا الاسم.

ثانيا الروايات الصحيحة لحديث الإسراء أكثرها يشير إلى أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وصف لقريش “بيت المقدس”، وهو على الراجح البلد وليس المسجد؛ لأن قريشا لن تصل خبرتها بالقدس ومعالمها إلى حد أن تعرف الوصف التفصيلي للمسجد الأقصى كبناء، إلا إذا كان هذا المسجد فخما ضخما يجذب الناس إليه، وفي هذا العهد لم يكن في الأقصى بناء كهذا البناء. وقد يكون وصف لهم المسجد بالفعل، ولكن كمكان له مداخل ومخارج، وليس كبناء له صفات معينة..

 

عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ – رَضِي اللَّه عَنْه – قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ( صلى الله عليه وسلم ) يَقُولُ: “لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْه” (رواه البخاري وأحمد).

 

وفي رواية ابن عباس عند أحمد: “قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ، وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ): فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ. قَالَ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ، حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ – أَوْ عُقَيْلٍ – فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ. قَال: وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ. قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَاب”. واستعمال لفظ المسجد هنا على لسان قريش غريب، ليس لأنهم لم يكونوا يستعملونه، ولكن لأن استعمالهم له يعني هنا أنهم كانوا يربطون بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى كأماكن متحدة في هدفها وغايتها، وهذا بعيد جدا.

 

 بيت المقدس.. القبلة الأولى لأهل الإسلام

الصلاة من الفرائض الأساسية في شرائع الأنبياء، وأخذت في الرسالة الخاتمة موقعا بارزا. واستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، فلا تصح الصلاة – فريضة كانت أو نافلة – بغير استقبال القبلة لمن قدر على ذلك.

وإذا كانت الصلاة في الإسلام بتلك المكانة، واستقبال القبلة بهذه المنزلة منها، فلابد أن تكون القبلة المختارة لصلاة المسلم مكانا ذا خصوصية وتميز عن سواه من الأماكن.. وقد كان بيت المقدس هو القبلة الأولى لأهل الإسلام، فظل المسلمون يستقبلونه في صلاتهم بوجوههم وصدورهم حتى بعد الهجرة بستة عشر – أو سبعة عشر – شهرا، وقيل إنه كان قبلة الأنبياء جميعا.

وقد كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يحب أن تكون الكعبة هي قبلته، فكان أثناء صلاته في مكة يتجه إلى بيت المقدس، ويجعل الكعبة معترضة أمامه.. وفي المدينة زاد رجاؤه أن تصبح القبلة إلى المسجد الحرام، حتى استجاب الله تعالى له، وصارت الكعبة هي القبلة الثابتة للمسلمين إلى يوم الدين منذ منتصف شهر شعبان من العام الثاني للهجرة.

ولأهمية هذا الحادث سجله القرآن الكريم، يقول الله تعالى: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا  اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } (سورة البقرة: 144).

 

وعن البراء بن عازب أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته البيت، وأنه صلى أول صلاة إلى الكعبة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ( صلى الله عليه وسلم )  قِبَلَ (أي ناحية) مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت” (رواه البخاري).

 

ومن المفهوم للعقلاء أن تحويل القبلة عن المسجد الأقصى لا يعني التقليل من شأنه، أو الرغبة عنه، بل هو عود بهذا المسجد إلى الموضع الذي يمثل ينابيع النبوة الحنيفية (المسجد الحرام) الرامزة إلى التوحيد، والجامعة بين أنبياء بني إسرائيل وبين خاتم الأنبياء.

 

تبشير النبي بفتح القدس

سبقت فتحَ بيت المقدس مقدماتٌ وبشائر من النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أنعشت آمال الفاتحين، وزادت المجاهدين ثباتا ورسوخَ قدم، فكانوا يطئون بحوافر خيولهم أرضا يعرفونها جيدا، ومن لم ير هذه الأرض منهم من قبل بعينيه، فقد عرف وصفها من خلال إسراء النبي ومعراجه، ومن نافذة البُشرى المحمدية بالفتح..

ففي أثناء غزوة تبوك (العام التاسع للهجرة) بشر النبي( صلى الله عليه وسلم ) أصحابه باجتماع المساجد الثلاثة تحت راية أهل التوحيد، فعن عَوْف بْن مَالِكٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ – حتى أحصى ستة أشياء (رواه البخاري).

وكانت غزوة تبوك هذه من مقدمات فتح القدس؛ إذ لفتت أنظار المسلمين إلى الشام كله، وسبقتها غزوة مؤتة في العام الثامن للهجرة، كأول صدام حربي بين المسلمين والروم، ثم جاءت جيوش المسلمين أيام أبي بكر وعمر حتى فتحت القدس والشام كله.

 القدس والصحب الأُول

هناك أحكام عديدة طبقها المسلمون على البلاد التي فتحوها، وقد توقف أغلب هذه الأحكام على وقوع الفتح صلحًا أو حدوثه قهرًا، وحرص الفقهاء والمؤرخون المسلمون على بيان الصفة التي فتحت بها مختلف الأمصار والبلدان، ومن ذلك فتح بصرى بالشام وصفد وطبرية بفلسطين صلحا، وفتح رامهرمز بفارس والموصل والإسكندرية بالعراق ومصر عنوة وقهرا. وبيت المقدس يحسب ضمن البلدان التي فتحت على المسلمين صلحا، وذلك في سنة ست عشرة للهجرة.

حين نجح المسلمون في تصفية الوجود الرومي في جميع نواحي فلسطين، ما عدا القدس والرملة، صار الروم محصورين في هاتين البقعتين، وتهاوت آمالهم في الحصول على أمداد أو معونات من إخوانهم خارج فلسطين، فانسحب أرطبون والرومان متجهين إلى مصر، وطلب أهالي القدس والرملة الصلح مع المسلمين، وراسلوا عمرو بن العاص لذلك، على أن يأتي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بنفسه لتسلم مفاتيح المدينة المقدسة.

تذكر الروايات أن أهل القدس حين راسلوا عمرو بن العاص على التسليم، ذكروا له أن صفة الرجل الذي يفتح بيت المقدس كما تقول كتبهم تنطبق على صفة عمر لا صفة عمرو. ويبدو أنهم أرادوا تكريم المدينة المباركة بهذا، وإعطاءها خصوصية في الفتح ليست لغيرها.

 

وبالفعل قدم صاحب رسول الله العظيم عمر بن الخطاب إلى بيت المقدس، ودخلها في كوكبة من الصحابة ورجال الفتح، ليتسلم المدينة من بطريقها صفرونيوس، ونزل على جبل المدينة الشرقي (جبل زيتا) ..

 

وكانت لحظة رائعة هذه، إذ ورث أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أرض الأنبياء، ووصلوا حاضر الموحدين بماضيهم، فعلوا ذلك لا بكبر وجبروت، ولا بظلم وتعال، وإنما بإيمان كالرواسي الرواسخ وخلق يسمو على الصغائر والتوافه، وعدل يترفع عن مجاملة شريف أو الجور على فقير.

وكتب أمير المؤمنين الفاروق بمنطقة الجابية في الشام كتاب الصلح بين السملمين وبين المقدسيين.

الخليفة الثاني عمر بن الخطاب :

هو ثاني الخلفاء الراشدين وأول من تلقب بأمير المؤمنين، ولقبه النبي الكريم بالفاروق، وتمت له البيعة بالخلافة يوم وفاة أبي بكر الصديق سنة 13 هـ / 634م، وهو أول من وضع للعرب التاريخ الهجري وكانوا يؤرخون بالوقائع، وهو أول من دون الدواوين في الإسلام واتخذ بيت مال للمسلمين.

شهدت خلافة عمر بن الخطاب أشد المراحل حسما في تقرير مصير فلسطين، فقد أخذت حشود البيزنطيين تتجمع في منطقة اليرموك للقضاء على المسلمين، فعزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد وولي قيادة الجيوش لأبي عبيدة بن الجراح.

ولما التقى الجمعان في معركة اليرموك في ذات العام 13هـ / 634م وتم النصر المبين للمسلمين وهزم جيش الروم شر هزيمة، أرسل أبو عبيدة بالبشارة إلى عمر بن الخطاب، فرد عليه عمر أن يوجه شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص إلى الأردن وفلسطين.

في سنة 15 هـ / 636م وبعد معركة أجنادين نجح المسلمون بقيادة عمرو بن العاص في فتح العديد من مدن الشام وفلسطين، فتوجه القائد أبو عبيده بن الجراح نحو مدينة القدس لحصارها وفتحها، وصادف حصار المسلمين لمدينة بيت المقدس أيام الشتاء والبرد، فظن الروم أن المسلمين لا يقدرون عليهم في ذلك الوقت، إلا أن حصار أبي عبيدة للمدينة استمر أربعة أشهر كاملة، وما من يوم إلا ويقاتلهم قتالا شديدا.

ويصف الطبري الوضع في كتابه قائلا : (فلما وجد الروم أن أبا عبيدة غير مقلع عنهم ولم يجدوا لهم طاقة بحربه وحصاره قالوا له نصالحك على مثل ما صالح عليه مدن الشام من أداء الجزية والخراج، على أن يكن تسليم المدينة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب .. فقبل أبو عبيدة ذلك).

كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب قائلا : (بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله عمر أمير المؤمنين من أبي عبيدة بن الجراح سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد، فإن أقمنا على أهل إيلياء، فظنوا أن لهم في مطاولتهم فرجًا فلم يزدهم الله إلا ضيقًا ونقصًا وهزالاً وذلاً، فلما رأوا ذلك سألوا أن يقدم عليهم أمير المؤمنين فيكون هو الموثوق لهم والكاتب. فخشينا أن يقدم أمير المؤمنين فيغدر القوم ويرجعوا فيكون مسيرك ـ أصلحك الله ـ عناءً وفضلاً، فأخذنا عليهم المواثيق المغلظة بأيمانهم ليبقلن وليؤدن الجزية، وليدخلن فيما دخل فيه أهل الذمة، ففعلوا فإن رأيت أن تقدم فافعل، فإن في سيرك أدرًا وصلاحًا، أتاك الله رشدك ويسر أمرك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

 

دعا عمر كبار المسلمين إليه، وقرأ عليهم كتاب ابي عبيدة، فقال عثمان بن عفان (إن الله قد أذل الروم، وأخرجهم من الشام، ونصر المسلمين عليهم، وقد حاصر أصحابنا مدينة إيلياء وضيقوا عليهم .. فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخف ولقتالهم مستحقر، فلا يلبثون إلا اليسير حتى ينزلوا على الصغار ويعطون الجزية.

وقال علي بن أبي طالب (عندي غير هذا الرأي وأنا أبديه لك، فقال عمر وما هو يا أبا الحسن ؟ فرد علي قائلا : إن القوم قد سألوك، وفي سؤالهم ذلك فتح للمسلمين، وقد أصاب المسلمين جهد عظيم من البرد والقتال وطول المقام، وإني أرى إن سرت إليهم فتح الله هذه المدينة على يديك. فخرج عمر من المدينة قاصدا بيت المقدس بعد أن استخلف على المدينة علي بن أبي طالب.

فكان أول عمل قام به الخليفة عمر بن الخطاب لدى وصوله إلى بيت المقدس هو أن أعطى أهلها العهد التاريخي المعروف بالعهدة العمرية.

العهدة العمرية:

اختلفت الروايات التاريخية حول من أعطى الأمان من جانب المسلمين لأهل إيلياء (القدس)وحول من قام من أهل إيلياء بأخذ الأمان، ثم تختلف بعد ذلك في مضمون العهد وشروط الأمان. فقد قيل أن العهد أعطي على يد القادة المسلمين في بلاد الشام، وقيل أنه كان على يد الخليفة عمر بن الخطاب كما ذكر الطبري في كتابه عن خالد وعبادة قالا : صالح عمر أهل إيلياء بالجابية (وهي منطقة بالشام) وكتب لهم فيها الصلح، ومن ثم فتحوها له. لكن ما تجمع عليه غالبية المصادر التاريخية أن الذي أعطى الأمان وكتبه لهم هو الخليفة عمر بن الخطاب بنفسه، وأشهد عليه قادة المسلمين.

 

أما من قام بأخذ الأمان من أهل إيلياء، فقد قيل أنه البطريرك صفرونيوس وذلك كما ذكر الواقدي في كتابه (حينما بلغ عمر سور المدينة مد البطريرك عنقه ونظر إليه وقال: هذا والله الذي صفته ونعته في كتبنا، حينئذ خرج البطريرك يتبعه الأساقفة والقسيسين والرهبان إلى حيث يقف الخليفة عمر، فخف عمر للقائهم وقد حياهم بالسلام ثم تحدثوا في شروط التسليم، وكتب لهم وثيقة الأمان. وقيل أن الذي تولى مصالحة المسلمين هم العامة من أهل إيلياء، في حين يقول اليعقوبي (والمجمع عليه النصارى).

 

أما بخصوص العهد فقد اختلف العديد من المؤرخين في نص الوثيقة، فاليعقوبي يقدم نصا للوثيقة جاء فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب كتبه عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدس، إنكم آمنون على دمائكم وأموالكم، وكنائسكم لا تسكن ولا تخرب، إلا أن تحدثوا حدثا عاما). وأشهدوا شهودا عليها.

 

أما ابن البطريق فقد جاء نص العهد على النحو التالي (إني قد أمنتكم على دمائكم وأموالكم وذراريكم وصلاتكم وبيعكم ولا تكلفوا فوق طاقتكم .. ومن أراد أن يلحق لأمنه فله الأمان وأن عليكم الخراج كما على مدائن فلسطين.).

لكن ما أورده الطبري في كتابه فقد جاء بشكل مفصل، وقد أجمع عليه كثير من المؤرخين وهو على النحو التالي :

(بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من المان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها. أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم. ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن إيلياء معهم أحد من اليهود.

وعلى أهل إيلياء أن يعطو الجزية كما يعطى أهل المدائن. وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص. فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم. ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية. ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض فمن شاء منهم قعد، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية).

كتب وحضر سنة 15هـ،، وشهد على ذلك:

خالد بن الوليد

وعبدالرحمن بن عوف

وعمرو بن العاص

ومعاوية بن أبي سفيان

 

وبعد أن تم لعمر بن الخطاب فتح بيت المقدس، أول عمل قام به هو زيارة كنيسة القيامة وفي أثناء الزيارة حان وقت الصلاة، فاشار عليه البطريرك صفرونيوس أن يصلي في داخلها : قائلا مكانك صل، لكن عمر أبى وخرج من الكنيسة وصلى في مكان قريب منها لجهة الجنوب، وبعد أن أتم صلاته قال للبطريرك : (آذن لي أيها الشيخ، أنني لو أقمت الصلاة في كنيسة القيامة لوضع المسلمون عليها الأيدي من بعدي في حجة إقامة الصلاة فيها، وإني لأبى أن أمهد السبيل لحرمانكم منها وأنتم لها أحق وأولى)، ثم طلب من البطريرك أن يريه مكان الهيكل، فوجد المكان مهجورا إلا من بعض الآثار البالية لمبان قديمة يرجع عهدها إلى أزمنة بعيدة، ولم يكن هناك أي نواع من أنواع البناء وإنما كان المكان مغطى بالأقذار لأنهم كانوا قد اتخذوا موضعا لجمع قمامات المدينة، فأخذ عمر يعمل على رفعها من مكانها ويلقيها في الأودية ثم اقتدى به قادة المسلمين ورؤساء الجند حتى طهروا المكان، ثم خط بها محرابا من جهة الشرق وهو موضع مسجده فتقدم وصلى هو وصحبه.

 

مسجد عمر(15هـ / 636م):

بعد أن من الله على المسلمين بفتح بيت المقدس وبسط السيادة الفعلية على المدينة، شرع الخليفة عمر ببناء أول مسجد في المدينة عرف بالتاريخ باسم مسجد عمر.

هناك خلاف بين المؤرخين في تحديد الموقع الذي بنى عليه المسجد في ساحة الحرم القدسي. فقد ذكرت بعض الروايات أنه بني في موقع الصخرة أو قريبا منه، لكن معظم الدلائل تشير إلى أنه بني في موقع المسجد الأقصى الحالي.

فقد قال المؤرخ كلير مونت جانو (أن المسجد الذي بناه عمر كان في نفس الموضع الذي يقوم عليه المسجد الأقصى في يومنا هذا.

كما قال الأستاذ كرزويل ( أن المسجد الأقصى قد بناه عبدالملك بن مروان مكان مسجد الخليفة عمر).

كما وصلت من القرن الأول للهجرة رواية شاهد عيان وصف المسجد باقتضاب وهو المطران أركولفوس الذي زار القدس في عهد خلافة معاوية بن أبي سفيان سنة 51هـ / 670م وقال إن المسجد كان مبنيًا من ألواح الخشب وجذوع الأشجار وكان بناؤه بسيطا ومربع الشكل ويتسع لثلاثة آلاف من المصلين.

ولما كانت المساجد في صدر الإسلام تبنى من الخشب واللبن ومن بعض المواد الأخرى التي لا تتحمل البقاء كثيرًا لذلك لم يبق أي أثر للمسجد الذي بناه الخليفة عمر، وقد زالت معالمه تماما منذ القرن الأول للهجرة.

وهكذا بدخول الإسلام والمسلمين لمدينة القدس تغير الطابع الحضاري للمدينة بشيوع العقيدة الإسلامية واللغة العربية فيها، وحل السلام والأمن محل الفوضى والإرهاب، ويذكر الواقدي في كتابه فتوح الشام أن المدة التي اقام بها عمر بن الخطاب في بيت المقدس كانت عشرة أيام.ودخل ساحة الحرم القدسي الشريف، وكانت أرضا مهجورة لا أثر فيها لعبادة، بل حولها الروم إلى مزبلة، نكاية في اليهود الذين تعاونوا مع الفرس حين احتلوا فلسطين، فراح أمير المؤمنين ينظف المكان بثوبه، ويكنس ما فيه بيده، وأمر بإقامة مسجد بسيط هناك، جدده من أمراء المسلمين فيما بعد، وهو ما نطلق عليه الآن اسم (المسجد الأقصى) وهو جزء من الحرم القدسي الشريف.

 

عمرو بن العاص وجيشه والصراع على القدس

دائمًا ينسب فتح بيت المقدس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب( رضي الله عنه )، ويُنسى أشخاص آخرون كان لهم دور كبير في هذا الفتح، وحق لعمر أن ينسب الفتح إليه، فهو الأمير الذي كان يحشد الجيوش للقتال، ويختار لها القادة والجهات التي سيتوجهون إليها، ويناقشهم في خطط الحرب وتدابيرها، كما أنه قدم من مدينة رسول الله إلى بيت المقدس وتسلم مفاتيح المدينة المباركة.

لكن ذلك لا يلغي أدوار عظماء آخرين شاركوا في هذا الفتح مباشرة، وأدت جهودهم العسكرية الجبارة إلى اندحار الروم، واضطرار أهل بيت المقدس إلى التسليم للمسلمين، وعلى رأس هؤلاء العظماء: عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ الذي أمره أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ على الجيش المكلف بفتح فلسطين ..

خرج عمرو من المدينة ومعه ثلاثة آلاف جندي، فيهم كثير من المهاجرين والأنصار، وظل أبو بكر يتبعه بالقوات حتى بلغوا سبعة آلاف وخمسمائة جندي. كما أمره الخليفة على من يتطوع معه من قبائل بلى وعذره وسائر قضاعة وما جاورها. وسلك عمرو بجيشه طريق المعرفة، مارا على أيلة، ثم إلى فلسطين ـ بعد أن ودعه الخليفة وأوصاه.

وفي اليرموك (سنة 13 هـ، أو سنة 15هـ، على خلاف بين المؤرخين) كان عمرو بقواته أحد الأضلاع المهمة التي قاتلت الروم حتى النصر، وهو الذي بشر المسلمين بهذه النتيجة من أول المعركة، حيث نزل الرومان في مكان ضيق يسمى (الواقوصة) علىضفة نهر اليرموك، واتخذوا وادي النهر ـ وهو معبر صعب بين جبلين ـ خندقا يحتمون به، فقال عمرو بن العاص : (أبشروا أيها الناس، قد حصرت ـ والله ـ الروم، وقلما جاء محصور بخير).

كذلك عاون جيش عمرو إخوانهم في جيش شرحبيل بن حسنة في فتح بيسان ـ وكانت ضمن فتوح الأردن ـ لتحرير البشرية من تسلط القياصرة.

وفي معركة أجنادين (بلدة وبيت جبرين من أرض فلسطين) قاد عمرو بن العاص جموع المسلمين حتى انتصروا، بعد أن ذهب بنفسه إلى الأرطبون ـ قائد الروم ـ متنكرا في صورة رسول .. روى الطبري قائلا : (نزل عمرو وشرحبيل على أهل بيسان، فافتتحاها وصالحا أهل الأردن، واجتمع عسكر الروم بغزة وأجنادين وبيسان، وسار عمرو وشرحبيل إلى الأرطبون ومن معه وهو بأجنادين، واستخلف على الأردن أبا الأعور، فنزل بالأرطبون ومعه الروم، وكان الأرطبون أدهى الروم وأبعدها غورا وأنكاها فعلا .. وتتابت الأمداد من عند عمر إلى عمرو.

وبعد أن يروي قصة ذهاب عمرو بنفسه متخفيا كرسول إلى الأرطبون، لمعرفة تحصيناته وسماع كلامه بنفسه، وخداعه له بذكاء وفطنة ـ يقول الطبري في روايته : (فخرج عمرو من عنده، ورأى أن لا يعود لمثلها، وعلم الرومي أنها خدعة اختدعه بها، فقال : خدعني الرجل، هذا أدهى الخلف! وبلغت خديعته عمر بن الخطاب فقال : لله در عمرو !! وعرف عمرو مأخذه فلقيه، فاقتتلوا بأدجنادين قتالا شديدا كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم، وانهزم أرطبون إلى إيلياء (القدس)، ونزل عمرو أجنادين، وأفرج المسلمون الذين يحاصرون بيت المقدس لأرطبون، فدخل إيلياء ..

وهناك شعر للصحابي زياد بن حنظلة ـ رضي الله عنه ـ في ذلك حيث يقول :

ونحن تركنا أرطبون مطردا      

إلى المسجد الأقصى وفيه حسور

عشية أجنادين لما تتابعوا         

وقامت عليهم بالعراء نسور

عطفنا له تحت العجاج بطعنة    

 لها نشج نائي الشهيق غزير

فطمنا به الروم العريضة بعده     

عن الشام أدنى ما هناك شطير

تولت جموع الروم تتبع إثره       

تكاد من الذعر الشديد تطير

وغودر صرعى في المكر كثيرة  

وعاد إليه الفل وهو حسير

 

مهما يكن، فإن سنة 15هـ لم تأت إلا وقد أصبحت كفة القوات الإسلامية في فلسطين راجحة، حيث انكسر الجانب الأعظم من قوات الأمير الرومي لفلسطين (الأرطبون) وأصبح الفريقان يستعدان لجولة أخرى ساخنة حول (إيلياء) القدس.

 

الصراع على القدس:

في معركة أجنادين حشد الروم في القدس والرملة حشودا عسكرية كبيرة، لحماية هذين الموضعين المهمين، وفتح جبهات قتالية عدة يتشتت المسلمون بينها. وأدرك المسلمون خطورة هذا عليهم، فأرسل عمرو بن العاص قوات تشغل روم إيلياء(القدس) عن المشاركة في الحرب، وقوات أخرى إلى الرملة لنفس الهدف، كما شاغل معاوية بن أبي سفيان روم قيسارية عن مساندة الأرطبون. ونجحت هذه الخطة في حماية ظهور المسلمين، ومنع الإمدادات عن الأرطبون وقواته الكبيرة أصلا، فجاء النصر المبين للمسلمين ..

 

وبعد أجنادين اتجهت الأنظار إلى بيت المقدس مباشرة، لكن عمرو بن العاص لم يشأ أن يتجه إليها إلا بعد أن يفتح ما حولها من المدن أولا. ولعله أراد بذلك أن يهزم الروم في جهات فلسطين الأخرى، حتى تكون هناك معركة فاصلة واحدة، بدلا من أن تكثر الجيوب التي تتجمع فيها فلول المهزومين، وتكلف المسلمين كثيرا.

 

كذلك كسب عمرو بهذا التمهيد لفتح القدس والرملة، أنه جعل الروم فيهما كأنهم في جزر منعزلة، لا تجد من يعينها بجند، أو يمدها بسلاح.

 

افتتح جيش عمرو ـ في هذا التمهيد ـ مدنا كثيرة، منها : يافا ورفح وغزة وسبسطية ونابلس ولد وتبنى وعمواس وبيت جبرين ومرج عيون..

 

وجاء الدور على الجولة الساخنة حول القدسن وقد انفسح المجال أمام المسلمين، وسيطروا على أكثر فلسطين، ودانت لهم سوريا، وضاقت السبل أمام الروم، وانحصروا في الرملة وبيت المقدس، كما ضاق أهل القدس (ذوو الأصول العربية القديمة مع خليط من الروم واليونانيين) ـ ضاقوا بأمر الحرب، فراسلوا المسلمين على أن يأتي أمير المؤمنين عمر بنفسه لتسلم بيت المقدس.

القدس في عهد عثمان وعلي:

تولى عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ الخلافة في الأيام الأولى من سنة 24 للهجرة، وثبت معاوية بن أبي سفيان في ولايته بالام، فظلت القدس تحت إدارة معاوية طوال عهد أمير المؤمنين عثمان.

ولم يتأكد وجود أعمال محددة لعثمان في القدس، غير أن المقدسي ـ الجغرافي الشهير ـ قال عن (سلوان) : هي (محلة في ربض مدينة بيت المقدس، تحتها عين عذبة، تسقى جنانا عظيمة وقفها عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ على ضعفاء البلد، تحتها بئر أيوب).

ومع أن المقدسي يورد كلامه السابق بطريقة توحي بالوجود الفعلي لهذه (الجنان) في عهده، إلا أن ياقوت الحموي يقول : (ليس من هذا الوصف اليوم شيء، لأن عين سلوان محلة في وادي جهنم في ظاهر البيت المقدس لا عمارة عندها ألبتة، إلا أن يكون مسجدا أو ما يشابهه، وليس هناك جنان ولا ربض، ولعل هذا كان قديما، والله أعلم).

ووجود مثل هذه الحدائق ليس مستبعدا، وخاصة أن المقدسي ـ كما يسجل ياقوت نفسه : (أعرف ببلده، وإن كان قد تغير بعد بعض معالمها).

وأما علي بن أبي طالب، فلم يتيسر له أن يحكم الشام في خلافته، للنزاع الشهير بينه وبين معاوية بن أبي سفيان، الذي كان أميرا على الشام منذ زمن طويل، ولا ندري صحة هذا القول المنسوب إلى علي ـ رضي الله عنه ـ (نعم المسكن عند ظهر الفتن بيت المقدس، القائم فيه كالمجاهد في سبيل الله، وليأتين على الناس زمان يقول أحدهم : ليتني تبنة في لبنة من لبنات بيت المقدس. أحب الشام إلى الله تعالى بيت المقدس، وأحب جبالها إليه الصخرة، وهي آخر الأرض خرابا بأربعين عاما).

ولعل أبا عمرو الشيباني (توفي 94هـ تقريبا وهو ابن 120 سنة) لاحظ تقلب الأحوال منذ عهد أمير المؤمنين على إلى أيام عبدالملك بن مروان، وعدم اجتماع المسجد الحرام والمسجد الأقصى في يد أمير واحد، فأطلق هذه العبارة القاسية : (ليس يعد من الخلفاء إلا من ملك المسجدين : المسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس الشريف).

 

صحابة في بيت المقدس

كان الصحابة – رضي الله عنهم – زينة الجيوش الفاتحة أيام أبي بكر وعمر وعثمان، وقد حرص القادة على احترامهم وتكريمهم، واهتموا بوجودهم ضمن قواتهم، فقد كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو بالعراق أن يخرج في نصف جيشه إلى الشام، وأن يخلّف على النصف الباقي المثنى بن حارثة، وقال أبو بكر لخالد: لا تأخذن نجدا (أي شجاعا مقداما) إلا خلّفت له نجدا، فإذا فتح الله عليكم فارددهم إلى العراق وأنت معهم، ثم أنت على عملك”. وأحضر خالد أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )  وأخذهم لنفسه، وترك للمثنى أعدادهم من أهل الشجاعة ممن لم يكن له صحبة، ثم قسم الجند نصفين، فقال المثنى: “والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر كله في استصحاب نصف  الصحابة أو بعض النصف، وبالله ما أرجو النصر إلا بهم، فأنى تعريني منهم”!! فلما رأى خالد ذلك بعدما تلكأ عليه عوَّضه منهم حتى رضي.

وقد سعدت القدس بصلة بعض الصحابة بها، وسعدوا هم كذلك بهذه الصلة، فمنهم من كان في صفوف جيش عمرو الذي حاصرها، ومنهم من رافق أمير المؤمنين عمر حين دخلها فاتحا، ومنهم من شهد على كتاب الصلح الذي كتبه عمر بين المسلمين وبين أهل بيت المقدس، ومنهم من زارها وأهلّ بالعمرة والحج منها، ومنهم من أقام ومات ودُفن في ثراها..

لكن أشهر الصحابة صلة بالقدس، وأكثرهم تأثيرا في تاريخها هم:

عمر بن الخطاب (ت 23هـ) الذي فُتح أكثر الشام في خلافته، وتسلم مفاتيح القدس بنفسه، تبعا لرغبة أهلها الذين رأوه مثالا للعدل والإنصاف.

ثم أبو عبيدة عامر بن الجراح (ت 18هـ) القائد العام لجيوش الشام الفاتحة، وأحد المرافقين لأمير المؤمنين عند مصالحة أهل بيت المقدس، وفي رواية الواقدي أن أبا عبيدة هو الذي حاصر الروم في القدس وراسلوه في الصلح.

ثم عمرو بن العاص (ت 43هـ) فاتح فلسطين وبطل أجنادين، حاصر الروم في بيت المقدس حتى استسلموا، وشهد الفتح مع عمر، وكان أحد الشهود على كتاب الصلح.

ومن الصحابة الذين كانت لهم صلة ببيت المقدس كذلك:

خالد بن الوليد (ت 21هـ) مكّنت أعماله الحربية للمسلمين في فلسطين وسوريا والأردن، وحضر فتح بيت المقدس مع عمر، وشهد على كتاب الصلح.

ثم معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ) شارك في بعض فتوح فلسطين كقائد صغير (فتح قيسارية وعسقلان)، ودخل القدس في دخلة عمر إليها، وشهد على كتاب الصلح الذي أمضاه أمير المؤمنين للمقدسيين – وستأتي أشياء أخرى عنه.

وعبد الرحمن بن عوف (ت 32هـ) كان موضع ثقة عمر، وصحبه في فتح بيت المقدس، وشهد على كتاب الصلح مع أهلها.

وهناك من الصحابة من أهلّ بالحج والعمرة من بيت المقدس، مثل: سعد بن أبي وقاص (ت 55هـ)، وعبد الله بن عباس (ت 68هـ)، وعبد الله بن عمر (ت 73هـ)، الذي يُروَى عنه أيضا أنه قال: “لولا أن معاوية بالشام لسرني أن آتي بيت المقدس فأُهلّ منه بعمرة، ولكن أكره أن آتي الشام فلا آتيه فيجد علي، أو آتيه فيراني تعرضت لما في يديه”.

ومنهم من أقام بها حتى مات ودُفن في ترابها، والمشهور هنا صحابيان هما:

1 – عبادة بن الصامت (ت 34هـ): أول من ولي قضاء فلسطين من الصحابة، عاش في بيت المقدس، والمشهور أنه مات بها ودفن في ثراها، وكان له قبر معروف هناك، إلا أنه صار مجهولا بسبب احتلال الصليبيين للقدس حوالي تسعين عاما.

2 – شداد بن أوس الأنصاري (ت 58هـ): سكن بيت المقدس ودُفن فيها، وكان له عقب هناك، ويُروى أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال له: “ألا إن الشام ستُفتح، وبيت المقدس سيُفتح – إن شاء الله تعالى – وتكون أنت وولدك من بعدك أئمة بها – إن شاء الله”. وسجل مجير الدين الحنبلي (ت 927هـ) أن “قبره ظاهر ببيت المقدس يُزار في مقبرة باب الرحمة تحت سور المسجد الأقصى”.

وهناك صحابة كثيرون لهم صلة ببيت المقدس، لكنّ مَن سبق ذكرهم هم الأشهر في هذا المجال.

 

 

 

 

 

                                                                                                                                          

القدس في السياسة الأموية

 

د. نبيل الفولي

 

 

 

 

– بناء المسجدين بالحرم القدسي الشريف

– بيت المقدس: زلازل وترميمات

_________

 

القدس في السياسة الأموية

كانت الشام مركز المؤيدين للسياسة الأموية، فقد طالت الصلة بين أهل الشام وبين معاوية بن أبي سفيان – رأس دولة بني أمية – ورأوا فيه سياسيا وقائدا ماهرا، واختار الأمويون عاصمتهم في قلب الشام (دمشق)، وأولوا الشام ومدنها وأهلها اهتماما خاصا.

ولعل هذا ما دفع بعض رواة التاريخ إلى أن يزعم أن عبد الملك بن مروان أراد من بناء مسجد قبة الصخرة صرفَ الناس عن المسجد الحرام!! ومعنى هذا أن سياسة الأمويين تجاه القدس جعلتهم يستغلونها استغلالا سياسيا لتأكيد شرعية حكمهم، ولكن هذا لم يثبت بهذه الصورة، وإن ثبت بصور أخرى ستأتي.

لقد تحكم عاملان كبيران في سياسة بني أمية نحو القدس، وهما: مكانة المدينة ومسجدِها المبارك، ثم قربها من دمشق مركز الدولة الأموية وعاصمتها.

بدأ معاوية بن أبي سفيان بأخذ البيعة من الناس على الخلافة في بيت المقدس، ولعله أراد بأخذها هناك أن يؤكد شرعية هذه البيعة، حيث يأخذها في مكان طاهر مبارك، وسار على هذه الخطوة خليفتان آخران من بني أمية وهما: الوليد بن عبد الملك وأخوه سليمان.

وإذا كان عبد الملك بن مروان وابنه الوليد قد منحا الحرم القدسي اهتماما خاصا، وشيدا المسجدين المباركين: مسجد قبة الصخرة، والمسجد الأقصى الذي بناه عمر بن الخطاب قبلهما – فإن سليمان بن عبد الملك مكث زمنا أميرا على فلسطين، وكان يحب الجلوس تحت قبة السلسلة بأرض الحرم القدسي الشريف، ولم يكتف بأخذ البيعة من الناس على سطح صخرة بيت المقدس والناسُ من حوله، والمال الوفير وكُتّاب الدواوين إلى جانبه، بل كاد أن يتخذ مدينة القدس أو الرملة عاصمة لمُلكه، ولعله استحضر في ذلك صورة النبي الكريم سليمان بن داود – عليهما السلام – ولكن يبدو أن سرعة موته (سنة 98هـ) قد حالت دون ذلك.

إن وصف مدينة القدس في زمان بني أمية يكشف عن اهتمامهم بها وبأسوارها وبناياتها، فقد “كان للقدس يومئذ سور، وكان على ذلك السور أربعة وثمانون برجًا، وله ستة أبواب، ثلاثة منها فقط يدخل الناس منها ويخرجون: واحد غربي المدينة، والثاني شرقيها، والثالث في الشمال.

“وكان يؤم المدينة في اليوم الخامس عشر من شهر أيلول (سبتمبر) من كل سنة، جماهير غفيرة من مختلف الأجناس والأديان بقصد التجارة، ويقضي هؤلاء فيها بضعة أيام.

“وكان فيها مسجد مربع الأضلاع، بُني من حجارة وأعمدة ضخمة نقلت من الأطلال المجاورة. وهو يتسع لثلاثة آلاف من المصلين…

“وكان جبل الزيتون مغطى بأشجار العنب والزيتون. وكان سكان بيت المقدس يومئذ يأتون بالأخشاب التي يحتاجون إليها من أجل البناء والوقود، تنقل على الجمال من غابة كثيفة واقعة على بعد ثلاثة أميال من الخليل إلى الشمال”.

 

بناء المسجدين بالحرم القدسي الشريف

لعل بناء مسجد قبة الصخرة وتجديد بناء مسجد عمر بن الخطاب في الحرم القدسي (ما نسميه اليوم: المسجد الأقصى) – من أهم مآثر بني أمية في بيت المقدس وأخلدها، فقد بقي هذان الأثران على مدى الزمن قريبين من الصورة التي بناهما عليها الوليد بن عبد الملك وابنه الوليد، بل لم يبلغا في الفخامة والأبهة مثلما كانا عليه في زمنهما الأول – كما هو ظاهر من الوصف التاريخي المحفوظ في المصادر الإسلامية.

والمؤرخون المسلمون يروون قصة البناء هكذا:

“لما أراد عبد الملك عمارة بيت المقدس وجه إليه بالأموال والعمال، ووكل بالعمل رجاء بن حَيْوَةَ ويزيد بن سلام مولاه، وجمع الصنَّاع من أطراف البلاد، وأرسلهم إلى بيت المقدس، وأرسل إليه بالأموال الجزيلة الكثيرة، وأمر رجاء بن حيوة ويزيد أن يفرغا الأموال إفراغا، ولا يتوقفا فيه، فبثوا النفقات، وأكثروا، فبنوا القبة فجاءت من أحسن البناء، وفرشاها بالرخام الملون، وعملا للقبة جلالين (أي غطاءين): أحدهما من اليود الأحمر للشتاء، وآخر من أدم للصيف، وحفا القبة بأنواع الستور، وأقاما لها سدنة وخداما بأنواع الطيب والمسك والعنبر والماورد والزعفران..

وكانوا “يبخرون القبة والمسجد من الليل، وجعل فيها من قناديل الذهب والفضة والسلاسل الذهب والفضة شيئا كثيرا، وجعل فيها العود القمارى المغلف بالمسك، وفرشاها والمسجدَ بأنواع البسط الملونة، وكانوا إذا أطلقوا البَخور شُمَّ من مسافة بعيدة، وكان إذا رجع الرجل من بيت المقدس إلى بلاده توجد منه رائحة المسك والطيب والبخور أيامًا، ويُعرَف أنه قد أقبل من  بيت المقدس، وأنه دخل الصخرة.

“وكان فيه من السدنة والقوم القائمين بأمره خلق كثير، ولم يكن يومئذ على وجه الأرض بناء أحسن ولا أبهى من قبة صخرة بيت المقدس، حتى إن الناس التهوا بها عن الكعبة والحج.. وافتتن الناس بذلك افتتانا عظيما، وأتوه من كل مكان..

“ولما فرغ رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام من عمارتها على أكمل الوجوه، فَضَل من المال الذي أنفقاه على ذلك ستمائة ألف مثقال، وقيل ثلاثمائة ألف مثقال، فكتبا إلى عبد الملك يخبرانه بذلك، فكتب إليهما: قد وهبته لكما، فكتبا إليه: إنا لو استطعنا لزدنا في عمارة هذا المسجد من حليّ نسائنا! فكتب إليهما: إذ أبيتما أن تقبلاه فأفرغاه على القبة والأبواب. فما كان أحد يستطيع أن يتأمل القبة مما عليها من الذهب القديم والحديث”.

“ولما أُكمل البناء كُتب على القبة مما يلي الباب القبلي: أمر ببنائه بعد تشعيثه أمير المؤمنين عبد الملك سنة اثنتين وستين من الهجرة النبوية.

“وكان طول المسجد من القبلة إلى الشمال سبعمائة وخمسة وستون ذراعا وعرضه أربعمائة وستون ذراعا”.

وقد ابتدأ مشروع عبد الملك العظيم سنة 66 للهجرة؛ أي قبل وفاته بعشر سنين، وتم بناء القبة على الهيئة التي ورد ذكرها آنفا سنة 72هـ، بعد أن أنفق عليها خراج مصر (أي ميزانيتها) لسبع سنين.

والمستشرقون يكررون مرارًا أن البنائين البيزنطيين وتلاميذهم من سريان الشام هم الذين شيدوا قبة الصخرة، يستبعدون بذلك أن تكون للمسلمين في هذا الوقت المبكر أي قدرة على الإبداع المعماري.. ومما لا شك فيه أن المسلمين وهم يبنون قبة الصخرة تأثروا بفنون الأمم السابقة عليهم، خاصة البيزنطيين، واستفادوا من الخبرات القريبة منهم في هذا المجال، ولكنهم أبدعوا شيئا فيه جِدَّة، فلم يكونوا مقلدين تماما، وأنتجوا بناء لم يكن له في الدنيا مثيل في هذا الوقت – كما يؤكد المؤرخون المسلمون في وصفهم له.

وعلى الرغم من أن اهتمام عبد الملك بتجديد مسجد عمر المقام في أرض الحرم القدسي (المسجد الأقصى الحالي) لم يصل إلى مستوى اهتمامه بمسجد قبة الصخرة – فإنه بنى مسجد عمر بناء بديعا، وأتم البناء ابنه الوليد من بعده، “وكان فيه (أي في الحرم كله بمسجديه) في ذلك الوقت من الخشب المسقف – سوى أعمدة خشب – ستة آلاف خشبة، وفيه من الأبواب خمسون بابا.. منها: باب داود، وباب سليمان، وباب حطة، وباب محمد – عليه الصلاة والسلام – وباب التوبة.. وباب الرحمة، وأبواب الأسباط ستة أبواب، وباب الوليد، وباب الهاشمي، وباب الخضر، وباب السكينة.

“وكان فيه من العمد ستمائة عمود من رخام، وفيه من المحاريب سبعة، ومن السلاسل للقناديل أربعمائة سلسلة إلا خمسة عشر، منها مائتا سلسلة وثلاثون سلسلة في المسجد الأقصى، والباقي في قبة الصخرة الشريفة، وذرع السلاسل (أي طولها) أربعة آلاف ذراع، ووزنها ثلاثة وأربعون ألف رطل بالشامي.

“وفيه من القناديل خمسة آلاف قنديل. وكان يُسرَج مع القناديل ألفا شمعة في ليلة الجمعة وفي ليلة النصف من رجب وشعبان ورمضان، وفي ليلتي العيد.

“وفيه من القباب خمس عشرة  قبة سوى قبة الصخرة. وعلى سطح المسجد من شقف الرصاص سبعة آلاف شقفة وسبعمائة، ووزن الشقفة سبعون رطلا بالشامي، غير الذي على قبة الصخرة.

وبعد أن يصف مؤرخونا ما رُتِّب للمسجد من الخدم، يقولون: “وفيه من الصهاريج أربعة وعشرون صهريجًا كبيرًا. وفيه من المنابر أربعة: ثلاثة منها صف واحد غربيَّ المسجد، وواحد على باب الأسباط”.

وقد استعمل الأمويون بعض ساكني القدس من اليهود والنصارى لخدمة المسجد (الحرم)، فكان فيهم عشرة من اليهود لكنس ما يصيب المسجد “في المواسم والشتاء والصيف ولكنس المطاهر التي حول الجامع”، كما كان فيهم عشرة من النصارى “لعمل الحصر، ولكنس حصر المسجد، وكنس القناة التي يجري فيها الماء إلى الصهاريج، وكنس الصهاريج أيضا”.

ويروى أن بعض اليهود كانوا يتولون إضاءة مسجد بيت المقدس، فلما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة (سنة 99هـ) أخرجهم. ويبدو أن الخليفة العادل فعل ذلك مراعاة للعهد الذي أبرمه جده عمر بن الخطاب مع أهل القدس ألا يسمح لليهود بالإقامة فيها.

 

 

 

 

 

 

                                                                                                                                                 

القدس في عهد العباسيين

 

محمد أبو مليح *

 

 

 

 

 

1 ـ أبو جعفر المنصور : تولى الخلافة في الفترة (136هـ / 754م ـ 158هـ / 775م).

2 ـ المهدي بن المنصور : تولى الخلافة في الفترة (158هـ /775م ـ 169هـ / 785م).

3 ـ المأمون بن المهدي : تولى الخلافة في الفترة (198هـ / 813م / 218هـ / 833م)

________

 

بعد نجاح العباسيين في انتزاع الحكم من الأمويين سنة 132هـ / 750م، اتخذوا مدينة بغداد عاصمة لخلافتهم، ومنذ ذلك التاريخ خضعت فلسطين لحكمهم ومن ضمنها مدينة بيت المقدس.

لكن بدايات الحكم العباسي في جنوب بلاد الشام اتسمت بالإرهاب تجاه زعماء الأمويين، والتي تولاها عبد الله أبو العباس بنفسه، وذلك بهدف استئصال البيت الأموي وأهله وأنصاره لئلا يظهر منهم أي مطالب للحكم فيما بعد، فظل أهل هذه البلاد يكرهون الحكم الجديد ويعادونه.

وهكذا بعد أن كانت منطقة جنوب الشام تعتبر الإقليم الأول في العهد الأموي والأكثر حظوة ورعاية لم تعد كذلك في عهد العباسيين، إذ لم تخسر مركزها وأهميتها فحسب بل صارت ولاية ثانوية ويشك العباسيون في ولائها، ولهذا لم يعطوا حكمها إلا لأمراء البيت العباسي، وغالبا ما كان يضاف حكم فلسطين ومن ضمنها بيت المقدس والأردن إلى دمشق أو إلى مصر.

ولكن على الرغم من الموقف المتشدد، إلا أن بعض خلفائهم عملوا على إيلاء مدينة القدس وما تحتويه من مقدسات عناية خاصة دون غيرها من المدن الشامية، وهؤلاء الخلفاء هم :

 

1 ـ أبو جعفر المنصور : تولى الخلافة في الفترة (136هـ / 754م ـ 158هـ / 775م).

هو ثاني الخلفاء العباسيين وقد اهتم بمدينة بيت المقدس والحرم القدسي الشريف اهتمامًا بالغًا حيث قام بزيارة المدينة المقدسة مرتين إحداهما سنة 140هـ والثانية سنة 154هـ وذلك حسب ما ذكره المسعودي في كتابه (أنه في سنة إحدى وأربعين ومائة، شخص المنصور إلى بيت المقدس، فصلى فيه لنذر كان عليه وانصرف).

اهتم الخليفة أبو جعفر المنصور اهتمامًا خاصًا بتعمير المسجد الأقصى، خاصة بعد حدوث الزلزلة الأولى التي حدثت في عهده وهدمت بعض أقسامه. حيث يقول المقدسي: (وأما المسجد الأقصى فهو على قرنة البلد الشرقي نحو القبلة .. وقد بنى عليه عبد الملك بحجار صغار حسان وشرفوه وكان أحسن من جامع دمشق، ولكن جاءت زلزلة في دولة بني العباس، فطرحت المغطى إلا ما حول المحراب، فلما بلغ الخليفة خبره قيل له لا يفي برده إلى ما كان عليه بيت مال المسلمين، فكتب إلى أمراء الأطراف وسائر القواد أن يبني كل واحد منهم رواقا فبنوه أوثق وأغلظ صناعة مما كان).

في حين يذكر مجير الدين الحنبلي عن عبد الرحمن بن محمد .. أنه قال : (إن الأبواب كلها ملبسة بالصفائح الذهبية والفضية في خلافة عبد الملك بن مروان، فلما قدم أبو جعفر المنصور العباسي كان شرقي المسجد وغربيه قد وقعا، فقيل له: يا أمير المؤمنين قد وقع شرقي المسجد وغربيه من الرجفة في سنة ثلاثين ومائة ولو أمرت ببناء هذا المسجد وعمارته.

فقال: ما عندي شيء من المال، ثم أمر بقلع الصفائح الذهبية والفضية التي كانت على الأبواب فقلعت وضربت دنانير ودراهم وأنفقت عليه حتى فرغ).

وكان تاريخ إعادة تعمير المسجد الأقصى في عهد الخليفة المنصور سنة 154هـ /771م.

 

2 ـ المهدي بن المنصور : تولى الخلافة في الفترة (158هـ /775م ـ 169هـ / 785م).

عند تولى المهدي خلافة المسلمين وقع زلزال آخر في مدينة بيت المقدس أدى إلى تهدم بناء المسجد الأقصى الذي أقامه أبو جعفر المنصور، كما تسبب هذا الزلزال في انقطاع المصلين عن ارتياد المسجد للصلاة فيه لمدة طويلة، فأمر المهدي بإعادة بنائه، وقد ذكر الحنبلي ذلك في كتابه قائلا : (رث هذا المسجد وطال وخلا من الرجال، أنقصوا من طوله، وزيدوا من عرضه) فتم البناء في خلافته سنة 163هـ / 780م).

أما المقدسي فقد قال : (بنى المسجد هذه المرة بعناية فائقة وأنفقت عليه أموال طائلة، وكان البناء يتكون من رواق أوسط كبير يقوم على أعمدة من رخام، وتكتنفه من كل جانب سبعة أروقة موازية له وأقل منه ارتفاعا.

ومن جهة أخرى علق محمد كرد على ذلك في كتابه قائلا : (إن عمارة المسجد الأقصى قد ازدادت على عهد المهدي بما أدخله عليه من تحسينات، حيث أقام به قبة أخذت زينتها من الذهب والأحجار الكريمة الملونة. وقد قام المهدي بزيارة للمدينة المقدسة سنة 163هـ.

 

3 ـ المأمون بن المهدي : تولى الخلافة في الفترة (198هـ / 813م / 218هـ / 833م)

في عهده أصاب قبة الصخرة شيء من الخراب، فلما زار الخليفة المأمون بيت المقدس سنة 215هـ / 830م أمر بترميمها، فتم ذلك وانتهى سنة 216هـ / 831م، لكن الصناع أرادوا أن يتزلفوا له، فاستبدلوا اسم الخليفة عبد الملك بن مروان بكتابة اسمه على الفسيفساء الموجود على القبة، ولكنهم غفلوا عن تغيير السنة التي حدث فيها هذا الترميم.

ومن عمليات الترميم التي أجريت على قبة الصخرة في عهد العباسيين، هو ما أمرت به أم الخليفة المقتدر بالله حوالي سنة 301هـ / 913م بإصلاح قبة الصخرة وأمرت بتزويد كل باب من أبوابها بمدخل خشبي فخم. وفي ربيع سنة 216هـ / آيار 831م أمر الخليفة المأمون ببناء الأبواب الشرقية والشمالية للحرم القدسي الشريف. كما أجرى البطريرك في القدس في عهده بعض الإصلاحات في القبر المقدس.

وفي عهده زار الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشافعي بيت المقدس، كما زارها عدد كبير من العلماء وأهل الفضل، وبلغ العلم في عهده مبلغًا عظيمًا.

وما أن توفي الخليفة المأمون حتى أخذت حالات التمرد والثورات تشتعل ضد نظام الحكم في مناطق متعددة من الدولة العباسية المترامية الأطراف من أهمها جنوب بلاد الشام ومصر. وفي الوقت الذي كان مركز الخلافة في العراق يعاني من الفوضى العسكرية وضعف السلطة المركزية واضطراب الأوضاع الاقتصادية العامة، كانت منطقة جنوب بلاد الشام ومصر تدخل في عهد من النشاط الاقتصادي والقدرة السياسية التي تمثلت في ظهور أسر حاكمة محلية مستقلة كآل طولون ثم آل الإخشيد.

 

بيت المقدس العباسي : زلازل وزيارات وترميمات

ركزت سياسة العباسيين على أن تظل الدولة الإسلامية الكبيرة دولة واحدة، يحكمها خليفة واحد. ومع أنهم حتى منذ البداية لم ينجحوا في هذا تماما، إلا أن الشام أخذت من الخلفاء الأول للدولة العباسية اهتماما كبيرا.

ويبدو أن زيارة القدس حينئذ كانت قد صارت عملا معتادا عند العامة والخاصة، للمنزلة الخاصة لهذا البلد، والأبنية الرائعة التي أقامها الأمويون هناك، فكان الزائر يقصد بعمله أجر الصلاة في المسجد الأقصى أو الإهلال من عنده بحج وعمرة، وزيارة أبنية الأمويين الجميلة.

يحكي التاريخ أن الخليفة أبا جعفر المنصور خرج سنة مائة وأربعين حاجا إلى بيت الله الحرام، ثم توجه إلى المدينة بعدما أدى فريضة الحج، ومنها توجه إلى بيت المقدس، فصلى في مسجدها، وفي هذه الزيارة عاين المنصور الدمار الكبير الذي أصاب المسجد الأقصى، بسبب زلزال تعرضت له المنطقة سنة مائة وثلاثين، وتسبب في وفاة أولاد الصحابي شداد بن أوس (رضي الله عنه)، وأثر في بناء المسجد الأقصى وقبة الصخرة، في وقت كان الصراع فيه محتدما بين العباسيين والأمويين، ولم يكن هنالك من الاستقرار لما يسمح بترميم المسجد العظيم، فأمر المنصور بذلك بعد الزيارة والمشاهد، وحين وجد أن هذا المشروع يحتاج إلى نفقات كبيرة، أخذ ما على القبة والأبواب من ذهب، وسك منه نقودا أنفقها على عمارة المسجد. وكان المسجد طويلا فأمر أن ينقص من طوله، ويزاد في عرضه.

ووصف الرحالة المقدسي هذا الحدث بصورة أخرى، ونسب الزلزلة إلى زمن الدولة العباسية، فقال عن المسجد الأقصى: كان أحسن من جامع دمشق، لكن جاءت زلزلة في دولة بني العباس فطرحت المغطى إلا ما حول المحراب، فلما بلغ الخليفة خبره، قيل له: لا يفي برده ما ببيت مال المسلمين، فكتب إلى أمراء الأطراف وسائر القواد أن يبني كل واحد منهم رواقا، فبنوه أوثق وأغلظ صناعة مما كان، وبقيت تلك القطعة شامة فيه (أي التي لم تهدم)، وهي إلى حد أعمدة الرخام، وما كان من الأساطين المشيدة فهو محدث ..).

وفي سنة أربع وخمسين ومائة خرج المنصور من جديد إلى الشام، ومضى إلى بيت المقدس، والظاهر أن هذا كان آخر عهده بالمدينة المباركة، فلم يزر القدس بعدها حتى توفي سنة 158هـ.

وبعد أربع عشرة سنة من ذلك خرج ابنه المهدي من العراق يريد الحج، وزار بيت المقدسن فأقام بها أياما وانصرف. وفي هذه الزيارة القصيرة طالع المهدي أحوال بيت المقدس عن قرب، وأمر بإسكان نصارى القدس في حي واحد بها، كما نفى بطريرك بيت المقدس إلياس الثالث إلى بلاد فارس، بسبب عصبيته البالغة.

والمؤرخون يروون أنه لما دخل (المهدي دمشق يريد زيارة القدس، نظر إلى جامع دمشق فقال لكاتبه أبي عبيد الله الأشعري : سبقنا بنو أمية بثلاث : بهذا المسجد الذي لا أعلم على وجه الأرض مثله، وبنبل الموالي، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون والله فينا مثله أبدا. ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى (قبة) الصخرة وكان عبد الملك بن مروان هو الذي بناها ـ قال لكاتبه: وهذه رابعة).

وحين جاء الرشيد المهدي إلى سدة الخلافة بدا شديد التسامح، فوافق للإمبراطور شارلمان على ترميم كنائس بيت المقدس، وتعهد بحماية الحجيج النصارى إلى بيت المقدس.

ومنح الرشيد وفدا قدم إليه من أوروبا ـ من عند (شارلمان) ـ مفاتيح كنيسة القيامة ـ أكبر أثر نصراني في القدس ـ فكان هذا علامة أخرى على التسامح الذي ميز الحكم الإسلامي عموما في تعامله مع أهل الذمة.

وأما المأمون بن الرشيد، فقد تفقد مدن الشام، وزار القدس، وصلى في مسجدها، وتجول بين أرجاء المدينة متابعا أعمال الترميم والبناء. وأرسل إلى المسجد الأقصى بابًا زين غاية الزينة، وهو من الحسن بحيث تظن أنه من ذهب، وقد نقش بالفضة وكتب عليه اسم الخليفة ..)، وقد رأى الرحالة الشهير (ناصر خسرو) هذا الباب ووصفه في رحلته المعروفة.

 

 

 

 

 

 

                                                                                                                                                   

القدس في العصر الفاطمي

 

مصطفى الصواف

 

 

 

 

 

وصف المسجد الأقصى أيام الفاطميين

سجل الفاطميين في القدس

القدس في عهد الفاطميين

الصراع الفاطمي السلجوقي على القدس

القدس في عهد السلاجقة الأتراك

 

في سنة 359هـ بدأت القدس تاريخها الفاطمي، وشغل هذا التاريخ أكثر من قرن من عمر الزمان، وأنهته الهجمة الصليبية الشرسة، والتي أحدثت تطورات عميقة في داخل العالم الإسلامي، أطيح أثناءها بالدولة الفاطمية تماما.

وقد سعى الفاطميون إلى دمج القدس في نطاق دعوتهم إلى المذهب الشيعي الباطني للدولة فبثوا فيها (الدعاة) وأنشئوا فيها دارًا علمية لتعليم مذهبهم. ورعوا المسجد الأقصى، واهتموا بعمارته وعلاجه مما يلحقه من اضرار من جراء الزلازل وغيرها.

وقد وصف المدينة في هذا العصر (في أيام العزيز بالله الفاطمي سنة 380هـ) ابنها الرحالة شمس الدين المقدسي، فكال لها الثناء والمدح كيلا، وكشف عن بعض العيوب فيها، فقال : (بيت المقدس ليس في مدائن الكور أكبر منها، وقصبات كثيرة أصغر منها كإصطخر وقاين والفرما، لا شديدة البرد وليس بها حر، وقل ما يقع بها ثلج. وسألني القاضي أبو القاسم ابن قاضي الحرمين عن الهواء فقلت : سجسج لا حر ولا برد شديد. قال : هذه صفة الجنة.

(بنيانهم حجر لا ترى أحسن منه، ولا أتقن من بنائها، ولا أعف من أهلها، ولا أطيب من العيش بها، ولا أنظف من أسواقها، ولا أكبر من مسجدها، ولا أكثر من مشاهدها، عنبها خطير، وليس لمعنقتها نظير، وفيها كل حاذق وطبيب، وإليها قلب كل لبيب، ولا تخلو كل يوم من غريب.

ثم حكى قائلاً : (كنت يومًا في مجلس القاضي المختار أبى يحيى بن بهرام بالبصرة، فجرى ذكر مصر، إلى أن سئلت : أي بلد أجل ؟ قلت : بلدنا. قيل : فأيها أطيب ؟ قلت : بلدنا. قيل : فأيها أفضل ؟ قلت : بلدنا. قيل : فأيها أحسن ؟ قلت : بلدنا. قيل : فأيها أكثر خيرات ؟ قلت : بلدنا قيل فأيها أكبر: قلت بلدنا. فتعجب أهل المجلس من ذلك، وقيل أنت رجل محصل، وقد ادعيت ما لا يقبل منك. قلت : أما قولي أجل، فلأنها بلدة جمعت الدنيا والآخرة، فمن كان من أبناء الدنيا وأراد الآخرة وجد سوقها، ومن كان من أبناء الآخرة فدعته نفسه إلى نعمة الدنيا وجدها، وأما طيب الهواء فإنه لا سمَّ لبردها، ولا أذى لحرها، وأما الحسن فلا ترى أحسن من بنيانها ولا أنظف منها ولا أنزه من مسجدها، وأما كثرة الخيرات فقد جمع الله تعالى فيها فواكه الأغوار والسهل والجبال والأشياء المتضادة كالأترج واللوز والرطب والجوز والتين والموز، وأما الفضل فلأنها عرصة القيامة ومنها المحشر وإليها المنشر، وإنما فضلت مكة والمدينة بالكعبة ـ والنبي صلى الله عليه وسلم ـ ويوم القيامة تزفان إليها، فتحوى الفضل كله، وأما الكبر فالخلائق كلهم يحشرون إليها، فأي ارض أوسع منها ؟ فاستحسنوا ذلك وأقروا به.

ومع ما في هذا من المبالغة، إلا أنه يشي بمنزلة مهمة للقدس، لا باعتبارها موطنا مباركا مفضلا للعبادة فحسب، ولكن ايضا باعتبارها منتجة للكثير من الخير، متمتعة بمميزات مناخية جيدة.

ويستأنف وصف المدينة قائلا: وهي أصغر من مكة وأكبر من المدينة، عليها حصن بعضه على جبل وعلى بقيته خندق، ولها ثمانية أبواب حديد : باب صهيون، باب التيه، باب البلاط، باب جب أرميا، باب سلوان، باب أريحا، باب العمود، باب محراب داود).

ومع أن القدس ليس بها نهر، إلا أن المقدسي يذكرها بكثرة مائها وتوافره، يقول : (والماء بها واسع، ويقال ليس ببيت المقدس أمكن من الماء والآذان، قل دار ليس بها صهريج وأكثر، وبها ثلاث برك عظيمة : بركة بني إسرائيل، وبركة سليمان، وبركة عياض، عليها حماماتهم، لها دواع من الأزقة. وفي المسجد عشرون جبا متبجرة.

(وقل حارة غلا وفيها جب مسبل، غير أن مياهها من الأزقة، وقد عمد إلى واد فجعل بركتين يجتمع إليهما السيول في الشتاء، وشق منهما قناة إلى البلد تدخل وقت الربيع فتملأ صهاريج الجامع وغيرها.

(محمد بن أحمد المقدسي : أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم صـ 165 وما بعدها)

 

وصف المسجد الأقصى أيام الفاطميين

سجل لنا الرحالة العظيم شمس الدين المقدسي (336 ـ 380هـ) وصفا دقيقا للمسجد الأقصى في ايام قوة الدولة الفاطمية، حين كان العزيز بالله (حكم 365 ـ 386هـ) متسلطنا باسم الفاطميين، فوصف موقعه، وما في داخل الحرم من الأبنية، واسهب في وصف الأجزاء التي حوتها الأبنية الكثيرة في حرم الأقصى الشريف، واشار إلى شيء من تاريخ المسجد، فقال : (وأما المسجد الأقصى فهو على قرنة البلد الشرقي نحو القبلة، أساسه من عمل داود، طول الحجر عشرة أذرع وأقل، منقوشة موجهة مؤلفة صلبه، وقد بنى عليه عبدالملك بحجارة صغار حسان وشرفوه. وكان أحسن من جامع دمشق، لكن جاءت زلزلة في دولة بني العباس فطرحت المغطى إلا ما حول المحراب.

وبعد أن تحدث عن الإعمار العباسي للمسجد، قال : (وللمغطى ستة وعشرون بابا: باب يقال المحراب يسمى باب النحاس الأعظم مصفح بالصفر المذهب، لا يفتح مصراعه إلا رجل شديد الباع قوي الذراع. عن يمينه سبعة أبواب كبار، في وسطها باب مصفح مذهب، وعلى اليسار مثلهن، ومن نحو الشرق أحد عشر بابا سواذج، وعلى الخمسة عشر رواق على أعمدة رخام أحدثه عبدالله بن طاهر، وعلى الصحن من الميمنة أروقة على أعمدة رخام وأساطين، وعلى المؤخر أروقة آزاج من الحجارة .. والسقوف كلها إلا المؤخر ملبسة بشقاق الرصاص، والمؤخر مرصوف بالفسيفساء الكبار.

(والصحن كله مبلط وسط دكة .. يصعد إليها من الأربع جوانب في مراق واسعة، وفي الدكة أربع قباب : قبة السلسلة، قبة المعراج، قبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذه الثلاث لطاف ملبسة بالرصاص على أعمدة رخام بلا حيطان، وفي الوسط قبة الصخرة على بيت مثمن بأربعة أبواب، كل باب يقابل مرقاة : باب إسرافيل، باب الصور، باب النساء يفتح إلى الغرب، جميعها مذهبة، في وجه كل واحد باب ظريف من خشب التنوب .. أمرت بهن أم المقتدر بالله .. والقبة على عظمها ملبسة بالصفر المذهب ..

(والقبة ثلاث سافات : الأولى من ألواح مزوقة، والثانية من أعمدة الحديد قد شبكت لئلا تميلها الرياح، ثم الثالثة من خشب عليها الصفائح وفي وسطها طريق إلى عند السفود يصعدها الصناع لتفقدها ورمها، فإذا بزغت عليها الشمس أشرقت القبة وتلألأت المنطقة، ورأيت شيئا عجيبا، وعلى الجملة : لم أر في الإسلام، ولا سمعت أن في الشق مثل هذه القبة.

(ويدخل إلى المسجد من ثلاثة عشر موضعا بعشرين بابا : باب حطة، باب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ابواب محراب مريم، باب الرحمة، باب بركة بني إسرائيل، أبواب الأسباط، أبواب الهاشمين، باب الوليد، باب إبراهيم، باب أم خالد، باب داود ..

(وليس على الميسرة أروقة، والمغطى لا يتصل بالحائط الشرقي، ومن أجل هذا يقال لا يتم فيه صف أبدا، وإنما ترك هذا البعض لسببين : أحدهما قول عمر : اتخذوا في غربي هذا المسجد مصلى للمسلمين، فتركت هذه القطعة لئلا يخالف، والثاني أنهم لو مدوا المغطى إلى الزاوية لم تقع الصخرة حذاء المحراب، فكرهوا ذلك ـ والله أعلم.

وأما عن أبعاد المسجد فيقول المقدسي : (وطول المسجد ألف ذراع بذراع الملك الِباني، وعرضه سبعمائة.

وفي سقوفه من الخشب أربعة آلاف خشبة، وسبعمائة عمود رخام، وعلى السطح خمسة وأربعون ألف شقفة رصاص.

وحجم الصخرة ثلاثة وثلاثون ذراعًا في سبعة وعشرين، والمغارة التي تحتها تَسَعُ تسعا وستين نفسا.

وأما النفقات التي كانت تصرف على المسجد في تلك الأيام، فيقول عنها الرحالة الكبير :

وكانت وظيفته في كل شهر مائة قسط زيت، وفي كل سنة ثمانمائة ألف ذراع، وخدامه مماليك له أقامهم عبدالملك من خمس الأسارى، ولذلك يسمون الأخماس، لا يخدمه غيرهم، ولهم نوب يحفظونها.

وسلوان محلة في ربض المدينة، تحتها عين عذيبية تسقى جنانا عظيمة، أوقفها عثمان بن عفان على ضفاء البلد، تحتها بئر أيوب ..

ووادي جهنم على قرنة المسجد إلى أخرة قبل الشرق، فيه بساتين وكروم وكنائس ومغاير وصوامع ومقابر وعجائب ومزارع، وسطه كنيسة على قبر مريم، ويشرف عليه مقابر فيها شداد بن أوس الخزرجي وعبادة بن الصامت.

وجبل زيتا مطل على المسجد شرقي هذا الوادي، على رأسه مسجد لعمر نزله أيام فتح البلد، وكنيسة على الموضع الذي صعد منه عيسى ( عليه السلام) وموضع يسمونه الساهرة ..

وحد القدس ما حول إيلياء إلى أربعين ميلا، يدخل في ذلك القصبة ومدنها واثنا عشر ميلا في البحر ومآب وخمسة أميال من البادية ومن قبل القبلة إلى ما وراء الكسيفة وما يحاذيها، ومن قبل الشمال تخوم نابلس.

(أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم : شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد المقدسي المعروف بالبشاري صـ 168 وما بعدها)

 

سجل الفاطميين في القدس

للفاطميين في القدس سجل يشهد برعايتهم لها، واهتمامهم بشأنها، سعيا وراء نشر مذهب الدولة في ربوعها، والترسيخ لتبعيتها للتاج الفاطمي، وكسب مصداقية عند الناس باهتمام الدولة بأماكن المسلمين المقدسة، فقد أنشئوا في القدس دارا علمية مثل دار الحكمة التي أنشئوها في القاهرة لنشر المذهب وتعليمه، واهتموا بمساجد المدينة القديمة، وعلى رأسها بالطبع ـ المسجد الأقصى الذي دهمه زلزال عام 407هـ ( في عهد الحاكم بأمر الله) أصاب قبة الصخرة وسور الحرام بأضرار، وقد كانت الأضرار التي لحقت بالقبة كبيرة، حتى كادت تسقط فقام الظاهر بن الحاكم (حكم 411 ـ 427هـ) بترميم السور والقبة، حتى صارت أفل مما كانت.

وفي سجل الفاطميين في القدس نجد أنهم تسامحوا في معاملة أهل الذمة المقدسيين، إذا استثنيا ما فعله الحاكم بأمر الله من التعسف معهم، وتكليفهم تعليق رموز يهودية ونصرانية ثقيلة على صدورهم، كما منعهم من ركوب الخيل. بل أمر في سنة 398هـ بهدم كنيسة القيامة، وأباح للعامة ما فيها من الأموال والأمتعة وأرغمهم على لبس السواد، ومنعهم من الاحتفال بعيد الشعانين.

إذا استثنينا هذا (الحاكم) الذي لم يكن متزنا فيما يأتي ويترك، ونال المسلمين من الشر والهوان على يديه أضعاف أضعاف ما نال أهل الذمة، حتى كاد يفرض على المصلين أن يقوموا عند ذكر اسمه على المنابر تعظيما له، حتى في الحرمين والمسجد الأقصى ـ إذا استثنينا هذا سنجد أن سمت الفاطميين في معاملة أهل الكتاب هو الرفق والسماحة، حتى أعادوا بأنفسهم بناء كنيسة القيامة (في عهد الحاكم أو ابنه الظاهر).

وكان في أورشليم كنائس أخرى كثيرة (حينئذ) وكان في وسع الحجاج المسيحيين أن يدخلوا الأماكن المقدسة بكامل حريتهم.

وفي سنة 489هـ، توجه الجيش الفاطمي بقيادة (الأفضل بن بدر الجمالي) من مصر إلى القدس، وحاصرها، مستغلا ضعف السلاجقة بعد هزيمتهم أمام الصليبيين في أنطاكية، وأقام الأفضل بضعة وأربعين منجنيقا على المدينة، وأميرها حينئذ سكمان بن ارتق ومعه أخوه أيلغازي، وجرى القتال أربعين يوما، ولم يحسم الصراع إلا بعد أن تواطأ أهل القدس مع الجيش الفاطمي، ففتحوا له الباب على أن يعطيهم الأمان الكامل في أموالهم وأنفسهم، فأمنهم وأمن سكمان ومن معه وأكرمهم، وترك على المدينة أميرا فاطميا يدعى : افتخار الدولة.

ولم تبق القدس في يد الفاطميين بعدها إلا سنوات قليلة، ولم يرجعوا إليها مرة أخرى أبدا، إذ احتلها الصليبيون سنة 492هـ، وبقيت حتى استردها صلاح الدين سنة 583هـ،

بل إن العزيز بالله ـ والد الحاكم بأمر الله ـ فعل في القدس ما لم يفعله أحد من حكام المسلمين، إذ ولي على عموم فلسطين واليا نصرانيا هو : أبو اليمن قزمان بن مينا الكاتب، لكن هذا الوالي استغل فرصة القتال بين الفاطميين وبعض خصومهم فهرب بمال كثير من أموال الدولة.

 

القدس في عهد الفاطميين

قامت دولة الفاطميين في تونس في مدينة اسسها عبدالله المهدي واسماها المهدية سنة 296هـ / 909م وكان مطمحهم الكبير في احتلال مصر، وتم لهم ذلك سنة 359هـ969م على يد القائد جوهر الصقلي الذي بنى القاهرة، واتخذها الخليفة الفاطمي المعز لدين الله عاصمة لخلافته سنة 362هـ /973م.

لكن اهتمام الفاطميين لم يقتصر على مصر وحدها، وإنما كانوا يرون في بلاد الشام امتدادا طبيعيا لمصر ومنفذا تجاريا لها. كما كانوا يرون في ضرورة القضاء على من تبقى من الإخشيديين في جنوب بلاد الشام والتي كانت تحت حكمهم وسيطرتهم أمرا ملحا بعد أن تم لهم القضاء عليهم في مصر. فعمل القائد جوهر الصقلي على توجيه حملة في تلك السنة 359هـ/969م لفتح فلسطين والشام. فدخلت مدينة بيت المقدس تحت حكم الفاطميين في عهد العزيز بالله الذي خلف المعز لدين الله الفاطمي سنة 365هـ /975م وهو خامس الخلفاء الفاطميين.

 

1 ـ أبو المنصور العزيز بالله : تولى الخلافة (365هـ/975م ـ 386هـ /996م)

دخلت مدينة بيت المقدس تحت السيادة الفاطمية في عهد العزبز بالله، وقد اتبع سياسة حسنة تجاه سكان مدينة بيت المقدس من النصارى واليهود حيث كان قد تزوج من امرأة مسيحية من الطائفة الملكية وكان يحبها كثيرا فاكتسبت نفوذا عنده، وجعل أخويها في مصاف البطاركة واحدا في الإسكندرية والآخر في القدس. كما اقام على فلسطين واليا قبطيا هو أبو اليمن قزمان بن مينا الكاتب.

وفيما يلي وصفا لمدينة بيت المقدس في عهد العزيز بالله كما وصفها المقدسي في كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم الذي وضعه في عهده عام 375هـ /986م قال فيه :

(بيت المقدس ليس في مدائن الكور أكبر منها، وقصبات كثيرة أصغر منها ، لا شديدة البرد وليس بها حر، وقل ما يقع بها ثلج. وسألني القاضي أبو القاسم ابن قاضي الحرمين عن الهواء فقلت : سجسج لا حر ولا برد شديد. قال : هذه صفة الجنة.

(بنيانهم حجر لا ترى أحسن منه، ولا أتقن من بنائها، ولا أعف من أهلها، ولا أطيب من العيش بها، ولا أنظف من أسواقها، ولا أكبر من مسجدها، ولا أكثر من مشاهدها، عنبها خطير، وليس لمعنقتها نظير، وفيها كل حاذق وطبيب، وإليها قلب كل لبيب، ولا تخلو كل يوم من غريب).

إلا أن المقدسي أشار أيضا إلى ما يعتقده أنه من عيوبها في زمانه فقال : (إلا أن لها عيوبا عدة، يقال أن في التورية (التوراة) مكتوب بيت المقدس طشت ذهب ملئ عقارب ثم ل ترى أقذر من حماماتها، ولا أثقل مؤنة، قليلة العلماء كثيرة النصارى وفيهم جفاء، على الرحبة والفنادق ضرائب ثقال على ما يباع، فيها رجالة على الأبواب فلا يمكن أحدا أن يبيع شيئا مما يرتفق به الناس إلا بها، مع قلية يسار، وليس للمظلوم أنصار، والمستور مهموم،والغني محسود، والفقيه مهجور، والأديب غير مشهود، لا مجلس نظر ولا تدريس، قد غلب عليهم النصارى واليهود، وخلا المسجد من الجماعات والمجالس، وهي اصغر من مكة وأكبر من المدينة عليها حصن بعضه على جبل وعلى بقيته خندق ولها ثمانية أبواب حديد باب صهيون باب التيه باب الأسباط باب جب أرميا باب سلوان باب أريحا باب العمود باب محراب داود والماء برك عظيمة بركة بني إسرائيل بركة سليمان بركة عياض ..، غير أنه شديدة العمارة، قد رحل إليها خلق كثير من المشرق والمغرب) وتوفي العزيز بعد أن دام حكمه عشرون سنة.

 

2 ـ أبو علي المنصور : تولى الخلافة (386هـ / 996م ـ 411هـ / 1020م)

لما توفي العزيز بالله خلفه ولده المنصور أبو علي الملقب بالحاكم بأمر الله.

في بداية حكمه كان معتدلا مع المسيحيين إلا أنه انقلب عليهم وعلى اليهود سنة 398هـ /1007م واتخذ بحقهم إجراءات قاسية وألزمهم أن يحملوا على ثيابهم علامة تميزهم عن المسلمين، وأمر بشد الزنانير ولبس العمائم السود، وألغى أعيادهم وحرم عليهم ضرب الأجراس، وأمر بأن يحمل اليهودي جرسا إذا ما دخل الحمام أما المسيحي فيحمل على صدره صليبا من الخشب، وحرم على المسيحيين واليهود ركوب الخيل وسمح لهم ركوب الحمير أو البغال مشترطا أن تكون سروجها من الخشب.

وفي سنة 399هـ /1008م أمر الحاكم بأمر الله بهدم الكنائس ومنها كنيسة القيامة وقد ذكرت الرواية الكنسية المعاصرة أن الحاكم أصدر أمره بهدم كنيسة القيامة في صورة موجزة إلى والي الرملة بارختكين بقوله : (خرج أمر الإمامة إليك بهدم قيامة فاجعل سماها أرضا وطولها عرضا) فقام بارختكين بتنفيذ الأمر بهدم كنيسة القيامة وسائر ما اشتمل عليه حدودها سنة 400هـ /1009م.

ويعلل المؤرخون الأسباب التي دعت الحاكم بأمر الله لاتخاذ مثل هذا الأمر نحو أهل الذمة للأسباب التالية :

1 ـ أنه في تلك الفترة الزمنية كانت هناك حروب بين المسلمين والروم، وقام الروم بتخريب وحرق جوامع المسلمين، فانتقم الحاكم بأمر الله منهم بحرق الكنائس ومنها كنيسة القيامة.

2 ـ في عهده عمت شائعة أن القيامة ستقوم في يوم معين، فتقاطرت على مدينة القدس جموع غفيرة من الأوروبيين الذي صدقوا الشائعة ورغبوا في الموت بجوار قبر المسيح فلما مر هذا اليوم دون أن يحدث شيء غضب الحاكم بأمر الله لاعتقاده بأن الشائعة كان القصد منها دفع أعدادا هائلة من المسيحيين إلى المدينة المقدسة مما يهدد أمنها.

3 ـ ويقال أيضا إن الوزراء والكتب الذين انتدبهم لحكم المناطق من النصارى غالوا في الاسئثار بسلطاتهم واستغلالهم للوظائف الحكومية الهامة وحرموا ذلك على المسلمين، كما قاموا باختلاس الأموال العامة مما أثار غضبه.

ويبدو أن الشدة التي ابتعها الحاكم بأمر الله مع النصارى واليهود قد أحدثت أثرًا سيئًا في البلاد، كما جعل النصارى واليهود يفرون من البلاد إلى خارجها، إلا أن الحاكم بأمر الله ما لبث أن عاد عن سياسته تلك ومنح المسيحيين واليهود الحرية الدينية الكاملة، وسمح لهم ببناء ما تهدم من مقدساتهم.

وفي عهده في العام 407هـ /1015م حدث زلزال في مدينة بيت المقدس سقطت على إثره بعض أجزاء من قبة الصخرة وقسم كبير من سور الحرم.

وفي عام 411هـ /1020م اختفى الحاكم بأمر الله، وقيل إن أخته ست الملك أسهمت في قتله مع قائد جيشه على جبل المقطم في مصر، وبعد موته تولت أخته مقاليد الحكم مؤقتا ثم نادت بابنه علي أبي الحسن الملقب بالظاهر خليفة على المسلمين.

3 ـ الظاهر لإعزاز دين الله : تولى الخلافة (411هـ /1020م ـ 427هـ /1035م)

بعد تولي الظاهر حكم البلاد، جرى في عهده سنة 413هـ /1022م ترميم قبة مسجد الصخرة وكانت مغطاة بالرصاص من الخارج وبالفسيفساء من الداخل، فتم تعميرها على يد علي بن أحمد المنقوش اسمه على الأشخاب الملصقة في صدع الدهليز في رقبة القبة.

وفي سنة 418هـ /1027م عقد الظاهر هدنة مع إمبراطور القسطنطينية الثامن، كان من شروطها أن يطلق الإمبراطور سراح أسرى المسلمين من عنده مقابل أن يمنحه الظاهر الإذن بتجديد عمارة كنيسة القيامة وتعيين بطريرك على القدس، إلا أن فقر المسيحيين المحليين حال دون تمكنم من إتمام بناء الكنيسة.

وفي عهده تم ترميم سور القدس وأخذت الحجارة من العمائر المتهدمة في المدينة نتيجة الزلزال الذي حدث في عهد والده الحاكم بأمر الله.

وفي سنة 425هـ /1034م وقع زلزال آخر في مدينة بيت المقدس كان من نتائجه أن خرب المسجد الأقصى الذي عمره المهدي بن المنصور العباسي خرابا ظاهرا، فعمره الخليفة الظاهر في السنة التالية مبقيا ماأمكن إبقاؤه من البناء السابق، حيث لم يغير الخليفة الفاطمي من تخطيطه العباسي سوى تضيقه من الشرق والغرب بحذف أربعة أروقة من كل جانب فأصبح يكتنف الرواق الأوسط الكبير ثلاثة أروقة فقط من كل جانب، والمعتقد أن القبة الحالية ورقبتها والأبواب السبعة التي في شمال المسجد اليوم هي من صنع الظاهر لإعزاز دين الله، وتحتوي الواجهة الشمالية للعقد الذي يحمل القبة والمحلاة بالفسيفساء الذهبية كتابة بالخط الكوفي تشير إلى ذلك التحديد هذا نصها : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ :   سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ). جدد عمارته مولانا علي أبو الحسن الإمام الظاهر لإعزاز دين الله أمير المؤمنين ابن الحاكم بأمر الله).

4 ـ المستنصر بالله : تولى الخلافة (427هـ /1036 ـ 487هـ/1094م)

في زمن الخليفة المستنصر بالله اتسع سلطان الفاطميين وامتد من المغرب العربي ومصر إلى بلاد خراسان وفارس، ثم عاد ليتضائل من جديد. وفي عهده تجددت المعاهدة بين الفاطميين والبيزنطيين، فأجاز المستنصر للإمبراطور ميخائيل الرابع إعادة بناء كنيسة القيامة شريطة أن يسمح له بناء مسجدين للمسلمين في القسطنطينية، وانتهى بناء الكنيسة في سنة 1048م.

كما ذكر مجير الدين الحنبلي في كتابه قائلا : (في سنة 452هـ سقط تنور قبة الصخرة وفيه خمسمائة قنديل، فخاف المقيمون به من المسلمون وقالوا : ليكونن في الإسلام حادث عظيم فكان أخذ الفرنجة له) وفي سنة 458هـ / 166م أمر الخليفة المستنصر بالله بتحديد الواجهة الشمالية للمسجد الأقصى. ويقول الحنبلي أيضا : 0في سنة 460هـ / 1096م زلزلت الأرض في بيت المقدس، فانشقت صخرة بيت المقدس ثم عادت فالتأمت بقدرة الله).

وفي سنة 465هـ /1072م استولى على بيت المقدس والرملة أحد زعماء السلاجقة الأتراك وهو أتسز بن أوق الخوارزمي صاحب دمشق، فأقيمت الدعوة العباسية ببيت المقدس وقطعت دعوة الفاطميين.

 

الصراع الفاطمي السلجوقي على القدس

أوغل البيت الفاطمي في التشييع، وسلك أوعر سبله، وهو التشيع الباطني الذي يأخذ بتأويل الدين، حتى يخرج به عن مقصوده. وفي المقابل كان الحكام والولاة السلاجقة متحمسين لمذهب أهل السنة، بل تعصب بعضهم تعصبا شديدا ضد المخالفين له.

وحين تتجاور مثل هاتين الدولتين، لابد أن تتنافسا وتتصادما عند مواضع النفوذ والتماس، وقد كانت القدس أحد موضوعات الصراع بين الفريقين، حتى استطاع السلاجقة استخلاصها لأنفسهم سنة 463هـ، أي بعد استيلاء الفاطميين عليها بقرن وأربع سنوات. ففي هذه السنة سار أتسز بن أوق الخوارزمي ـ أحد قواد الملك ألب أرسلان السلجوقي ـ فدخل الشام، وافتتح الرملة، ثم حاصر بيت المقدس، فاستولى عليها من الفاطميين، ثم حاصر دمشقن وخرب الكثير من أنحاء الشام.

ولم يستقر أمر الشام بقية القرن الخامس الهجري، بل ظل القلق وروح الصراع مسيطرين على هذه البلاد، فوقعت حلقات أخرى من القتال بين السلاجقة والفاطميين، تخللتها أعمال عنف وقسوة شديدة. يقول الذهبي : (وفي سنة ثمان وستين وأربعمائة اشتد القحط بالشام، وحاصر أتسز الخوارزمي دمشق، فهرب أميرها الفاطمي المعلي بن حيدرة ـ وكان جبارا عسوفا ـ وولى بعده رزين الدولة انتصار المصمودي. ثم أخذ دمشق أتسزن وأقام الدعوة العباسية، وخافه المصريون (الفاطميون) ثم قصدهم في سنة تسع وستين، وحاصرهم، ولم يبق إلا أن يتملك فتضرع الخلق عند الواعظ الجوهري، فرحل شبه منهزم، وعصى عليه أهل القدس مدة، ثم أخذها وقتل .. وفعل كل قبيح، وضبح قاضي القدس والشهود صبرا).

وكان عند وصف ملك ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي (ت485هـ) واتساعه: ملك من مدينة كاشغر الترك (داخل الصين الآن) إلى بيت المقدس طولا، ومن القسطنطينية وبلاد الخزر إلى بحر الهند عرضا). وهذه مساحة شاسعة جدا من العالم، مثلت القدس وفلسطين عموما حدها الغربي.

 

القدس في عهد السلاجقة الأتراك

السلاجقة أصلهم فئة من الأتراك خرجوا في أواخر القرن العاشر الميلادي من سهول تركستان، اعتنقوا دين الإسلام وتحمسوا له، وأولاهم الخلفاء العباسيون حكم الولايات حتى أصبحوا اسياد دويلات مستقلة، فراحوا يحكمون صوريا باسم الخليفة العباسي وفعليًا باسمهم الخاص.

بدأ حكمهم الفعلي لبلاد العرب بدخول عظيمهم آرطغرل بك مدينة بغداد سنة 447هـ /1055م وكان في بغداد يومئذ الخليفة العباسي القائم بأمر الله فأبقاه، ولكنه قضى على من سواه في الحكم من المتنفيذين والقادة.

نافس السلاجقة الأتراك الفاطميين في بسط السيادة على بلاد الشام حتى تحققت لهم السيطرة على شمالي بلاد الشام، في حين كانت الخلافة الفاطمية تفرض سيطرتها على منطقة جنوبي بلاد الشام وهي فلسطين وأعمالها. وهكذا بدأ الصراع السياسي والتراع العسكري بين السلاجقة الأتراك والفاطميين للسيطرة على فلسطين وخاصة مدينة القدس.

بعد وفاة آرطغرل بك تولي الملك من بعده ابن أخيه ألب أرسلان للفترة (1063 ـ 1072م) وقد تمكن أحد زعماء التركمان وهو أتسز بن أوق الخوارزمي في عام 464هـ /1072م من فتح الرملة وبيت المقدس وأخذهما من الفاطميين. فجعل أتسز الخوارزمي بيت المقدس مركزا لحكمه وأبطل الدعوة للفاطميين وخطب للخليفة العباسي والسلطان السلجوقي.

من بيت المقدس عمل أتسز الخوارزمي على تعبئة قواته للاستيلاء على المدن المجاورة لتوسيع النفوذ السلجوقي في جنوبي بلاد الشام، فتم له الاستيلاء على مدينة عكا 468هـ/1076م وحاصر دمشق عدة مرات حتى تم له فتحها في عهد السلطان ملكشاه في ذات العام، فباتت مدينة القدس على عهده صاحبة النفوذ الأقوى في جنوبي بلاد الشام.

ونتيجة لانتصاراته بدأ أتسز الخوارزمي في التطلع نحو شمالي بلاد الشام ولكنه عاد وترك أمرها للسلطان ملكشاه، فتوجه نحو مصر محاولا ضمها إلى نفوذه لكن حملته سنة 469هـ/1076 أخفقت وتبعته القوات الفاطمية وهو ينسحب حتى الرملة بفلسطي، لكن أهل فلسطين لم يكونوا مرتاحين إليه بسبب تعسفه وهدره الأرواح إضافة إلى أن بلاد الام ساءت أحوالها الاقتصادية في عهده، مما دفع أهل القدس لانتهاز فرصة هزيمته أمام الفاطمين فثاروا عليه بزعامة القاضي، وحاول أتسز مفاوضتهم ثم قرر محاصرة المدينة واقتحامها فدخلها عنوة وقتل ما يقرب من ثلاثة آلاف شخص من أهلها.

وفي عام 471هـ /1078م قامت الخلافة الفاطمية بمصر بتوجيه حملة عسكرية بقيادة ناصر الدولة الجيوشي للهجوم على فلسطين، فاحتلت القدس ثم تقدمت نحو دمشق حيث كان أتسز الخوارزمي موجودا، فاتصل بتتش بن ألب أرسلان بحلب مستنجدا به لإنقاذه من الحصار الفاطمي، فتحرك تتش على الفور ودخل دمشق، ولكنه ما لبت أن تخلص من أتسز بقتله وانفرد بالحكم، لكن عهد تتش بن اسلان لم يكن ليختلف كثيرا عن عهد سلفه أتسز الخوارزمي إذ لم يأمل أهل فلسطين منه خيرا.

اقتطع تتش مدينة القدس وأعمالها إلى أحد قادته وهو أرتق بن أكسك التركماني، وحين توفي أرتق بك سنة 484هـ /1091م تولى الأمر من بعده ولديه أيلغازي وسقمان، ولما قتل تتش صاحب دمشق سنة 488هـ /1095م اقتسم ولداه رضوان ودقاق الحكم وصارت فلسطين تتبع الدقاق، لكن الخلاف نشب بين الأخوين مما دفع الأفضل بن بدر الجمالي أمير الجيوش بمصر للتوجه إلى فلسطين ومحاصرة بيت المقدس لمدة أربعين يوما، فما كان من أهل بيت المقدس إلا أن اتفقوا مع الأفضل على منحهم الأمان، وهكذا استولى الأفضل على القدس بالأمان في شعبان سنة 489هـ/1096م وبقيت مدينة المقدس في أيدي الفاطميين حتى سقوطها بأيدي الصليبيين سنة 492هـ /1099م.

 

 

 

 

 

                                                                                                                                        

القدس في عهد المماليك

 

محمد أبو مليح *

 

 

 

 

من أكثر الأمور التي تؤكد على أن مكانة القدس العالية هي عند المسلمين كافة .. فترة حكم المماليك، فالمماليك من المعروف عنهم أنهم من أجناس شتى، وأمم متفرقة مختلفة العادات والتقاليد، ومع ذلك نجدهم قد اهتموا بالقدس اهتمامهم بالحرم الشريف في مكة، ومع ذلك فإن جهود المماليك، وما أدوا للمسلمين بشكل عام وللقدس بشكل خاص لا تزال مجهولة لكثير من الناس، ولذا كانت هذه الصفحات كإسهام في توضيح ما بذله هؤلاء العظام من جهود تخدم المسلمين والمسجد الأقصى، لعل ذلك يرد لهم بعض الجميل، وفي هذه الصفحات توقفنا عند بعض المحطات التاريخية، والتي تخص المماليك بشكل عام ثم عرجنا على ما بذلوه من جهود في خدمة المسجد الأقصى، وهي كالتالي:

 

نبذة تاريخية عن المماليك

موقف المماليك من القدس

القدس في عهد الظاهر بيبرس مؤسس سلطان المماليك

القدس في عهد عائلة الناصر قلاوون

الملك الأشرف برسياي والقدس

القدس في عهد المماليك الشراكسة

القدس في عهد الظاهر برقوق

الملك الأشرف قايتباي والقدس

__________

 

نبذة تاريخية عن المماليك

المماليك هم طائفة من الأرقاء أو ممن كانوا يؤسرون في الحروب أو يستدعون للخدمة في الجيش وكانوا خليطًا من الأتراك والشراكسة وغيرهم من الأجناس.

 

يرجع ظهور المماليك في العالم الإسلامي إلى ما قبل قيام دولتهم بمصر بأمد طويل، وكان أول من استخدمهم الخليفة العباسى المأمون خلال فترة حكمه الممتدة بين السنوات 198هـ/ 813م 218هـ/ 833م، إذ كان في بلاطه بعض المماليك المعتقين ثم الخليفة العباسي المعتصم بالله الذي استخدم فرقًا من الشباب االأتراك في جيشه لتدعيم سلطانه وذلك لقلة ثقته بالعرب ومن ثم أخذ بمبدأ استخدام المماليك ولاة مصر من الطولونيين والإخشيديين والفاطميين ثم الأيوبيين الذين أكثروا من شراء المماليك الترك وألفوا منهم فرقًا عسكرية خاصة.

ولعل اسمهم (المماليك) الذي ينبئ بالعبودية ويستخدم للتعريف بهم والإشارة إلى عهدهم لا يعطي صورة حقيقية لهم، ولا يدل على دورهم الكبير في القضاء على بقايا الفرنجة الصليبيين والوقوف في وجه التتار، ولا يُعرف بدورهم الحضاري الظاهر، حيث يعتبر قيام دولة سلاطين المماليك في منتصف القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي بداية مرحلة جديدة لها طابعها الخاص في تاريخ مصر والشام والذي يتصف بالأمن والاستقرار والثراء والازدهار، خصوصًا بعد سيطرة التتار الوثنيين على بغداد وسقوط الخلافة العباسية فيها، كما أخذت دولة المسلمين في الأندلس في ذلك الوقت بالانحسار سياسيًا وحضاريًا بعد أن اشتدت عليها وطأة الفرنجة.

أحس المماليك منذ البداية أنهم محرجون بسبب أصلهم غير الحر، فضلاً عن أنهم ظهروا على المسرح السياسي في صورة من استولوا على الحكم من سادتهم بني أيوب، لذلك سلك المماليك ثلاثة اتجاهات لمحو هذه الصورة عن الأذهان، والتي تركت كلها آثارًا إيجابية ومباشرة في الأوضاع العامة لمدينة القدس بشكل خاص، وهذه الاتجاهات هي:

1- اتخذ المماليك الجهاد أداة لإثبات جدارتهم بالحكم ولحماية المقدسات الإسلامية، مما أدى إلى ثبات الأمن والاستقرار في ظل حكمهم.

2- بإحياء المماليك للخلافة العباسية في القاهرة، أضفوا على الحكم صفة الشرعية، وذلك بوصفهم مفوضين بحكم المسلمين من قبل الخلافة العباسية وهي أعلى سلطة شرعية في البلاد.

3- استغل المماليك جزءًا كبيرًا من ثرواتهم الضخمة في العناية بالمنشآت الدينية في الأماكن المقدسة وخصوصًا في مدينة القدس، مما زاد من مكانة هذه المدينة المقدسة في عصرهم لدى المسلمين ويقسم العهد المملوكي إلى قسمين:

 

أولاً: عهد المماليك الأتراك أو المماليك البحرية:

وهم من جند الملك الصالح نجم الدين الأيوبي ويسمون المماليك البحرية لأن الصالح أسكنهم ثكنات في جزيرة الروضة في بحر النيل.

ثانيًا: عهد المماليك الشراكسة أو المماليك البرجية:

وهم من جند السلطان المنصور قلاوون المملوكي التركي، وكانوا يسكنون في أبراج القلعة في القاهرة فعرفوا بالبرجية.

موقف المماليك البحرية من القدس

على إثر تولي الملك عز الدين أيبك عرش مصر 648هـ/ 1250م 656هـ/ 1258 انفصلت الشام عن مصر واستقل بحكمها الأمراء الأيوبيون، فراح الفريقان يقتتلان إلى أن تم الصلح بين الفريقين سنة 651هـ/ 1253م وبموجب هذا الصلح دخلت مدينة القدس تحت الحكم المملوكي لكن السلطان عز الدين أيبك قُتل بمكيدة دبرتها زوجته شجرة الدر، فخلفه ابنه الصغير نور الدين علي.

وفي عهد السلطان سيف الدين قطز 607هـ / 1259م 658هـ / 1260م اجتاحت جحافل التتار بلاد الشام من شمالها إلى جنوبها وشاء الله أن ينقذ بيت المقدس من همجيتهم وكان واضحًا أن حملتهم الأولى على بلاد الشام عبرت في جوهرها عن هجمة صليبية شرسة خطط لها ملك أرمينية الصغرى هيثوم الأول مع هولاكو، وطلب الأخير من حليفه أن يلتقي به عند الرها ليرافقه إلى مدينة القدس ليخلص الأراضي المقدسة من قبضة المسلمين ويسلمها للمسيحيين.

بعد استيلاء التتار على دمشق وتدميرها سنة 658هـ/ 1260م قرروا التفرغ لمواجهة خطر المماليك في مصر، فأرسل هولاكو إلى السلطان قطز طالبًا منه التسليم، جمع قطز الأمراء واتفقوا جميعًا على محاربة التتار وإعلان التعبئة العامة.

سيّر قطز الجيوش المؤلفة من العرب والأتراك ونزل مدينة غزة، ثم سار بمحاذاة الساحل إلى أن التقى الجمعان عند عين جالوت في 25 رمضان سنة 658هـ/ 1260م وتولى السلطان قطز بنفسه قيادة الجيش ومعه الأمير ركن الدين بيبرس، وانتهت المعركة بنصر حاسم للمماليك على التتار الذين قتل قائدهم كتبغا وانهزم جيشهم شر هزيمة، فكانت تلك المعركة فاصلة في تاريخ الشرق مما أنقذ بيت المقدس والشام كلها من براثن التتار، كما ترتب على تلك المعركة امتداد سيطرة المماليك على بلاد الشام وانحسار النفوذ الأيوبي عنها، وهكذا عادت وحدة مصر والشام في ظل حكومة مركزية قوية مما أشاع قدرًا من الاستقرار لأول مرة في بلاد الشام بوجه عام، وفي بيت المقدس بوجه خاص.

بعد انتهاء المعركة الحاسمة وبينما كان قطز في طريق عودته إلى مصر انحرف مع بعض أصحابه للصيد فقتله بعض خواصه، وقيل إن الظاهر بيبرس البندقداري قتله بيده ومن ثم استولى على الملك من بعده.

ولقد اهتم بعد ذلك كل من السلطان الظاهر ركن الدين بيبرس والسلطان المنتصر سيف الدين قلاوون وكذلك أبناؤه أيما اهتمام بالقضية، وكانت نهاية الصليبيين على يد الأشرف خليل بن قلاوون والذي أخرج آخر جندي صليبي في الشرق الإسلامي.

القدس في عهد الظاهر بيبرس مؤسس سلطان المماليك:

كان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس 658هـ / 1260 676هـ / 1277م في خاصة خدم الملك الصالح نجم الدين أيوب ثم أعتقه وارتقى حتى أصبح أتابك أي قائد العساكر بمصر في أيام قطز، وتولى سلطنة مصر والشام من بعده.

يعد الظاهر بيبرس أول المماليك العظماء، ومؤسس سلطانهم الحقيقي وتستند عظمته إلى الحملات الموفقة التي جردها على الصليبيين ومهدت السبيل للانتصارات التي جناها حلفاؤه من بعده، حيث قضى على مملكة أنطاكية الصليبية عام 666هـ / 1268م واستولى على كثير من مواقع الصليبيين وقلاعهم، وفتح قيسارية وصفد وهونين وتبنين والرملة وقلعة شقيف كما هاجم مدينتي صور وعكا أكثر من مرة حتى سعى إليه الفرنجة ليعقدوا معه الصلح، فوافق على عقد هدنة معهم مدتها عشر سنين وعشرة أشهر وعشر ساعات تبدأ من 21 رمضان من عام 670هـ / 1272م.

وإلى جانب المآثر الحربية اهتم الظاهر بيبرس بتجديد الخلافة العباسية في القاهرة لإعطاء الصفة الشرعية لسلطتهم الوليدة، فكان بيبرس أول من تلقب ب قسيم أمير المؤمنين من قبل الخليفة وهذا اللقب أجل الألقاب.

كما اهتم الظاهر بيبرس بتعمير البلاد التي دخلت في حوزته وبتدبير شئونها كما أولى مدينة القدس عناية كبيرة لما لها من مكانة خاصة ومقدسة لدى المسلمين جميعًا، وتمثل ركيزة دينية هامة من الجانب الديني في سياسته.

ومن أهم التعميرات التي تمت في عهده في المدينة المقدسة نذكر منها:

1- عمارة قبة الصخرة المشرفة:

في سنة 659هـ / 1260م جهز الظاهر بيبرس الأموال والآلات والصناع لعمارة قبة الصخرة التي كانت قد تداعت للسقوط.

2- تجديد قبة السلسلة وزخرفتها:

وهي القبة الموجودة داخل الحرم القدسي الشريف وتم ذلك في سنة 659هـ / 1260م.

3- رباط البصير:

وهو من العمائر ذات الصبغة الدينية المهمة التي أقيمت في عهد السلطان الظاهر بيبرس في مدينة القدس، وقد عمره الأمير علاء الدين ايدغيدي البصير ووقف عليه أوقافًا كثيرة سنة 666هـ / 1267م كما أقام الأمير علاء الدين أبنية أخرى منها المطهرة بجانب المسجد الأقصى، وكذلك بلط صحن الصخرة المشرفة.

وقد قام الظاهر بيبرس بزيارة مدينة القدس عدة مرات، كانت على التوالي:

الزيارة الأولى: تمت في عام 661 هـ / 1262 م وهو في طريق عودته من الشام إلى مصر فكان أول من زار المدينة من سلاطين المماليك فاطلع على أحوالها ونظم أوقافها ثم أمر بترميم المسجد الأقصى وخصص له في كل سنة خمسة آلاف درهم.

الزيارة الثانية: وقد تمت في سنة 662 هـ / 1263م أمر خلالها بإنشاء خان السبيل ولما تم بناء الخان نقل إليه باب قصر من قصور الفاطميين معروف بالقاهرة باسم قصر باب العيد. وبنى بالخان مسجد وطاحونة وفرن ولما تم بناء هذا الخان أوقف عليه أوقافًا عدة على أن يصرف ريع هذه الأوقاف على من يرد هذا الخان من المسافرين المشاة للإنفاق عليهم في خبزهم وإصلاح نعالهم وغير ذلك.

الزيارة الثالثة: تمت في سنة 664 هـ / 1265م .

الزيارة الرابعة: وهي الزيارة الأخيرة التي قام بها الظاهر بيبرس للقدس، وتمت في عام 668 هـ / 1270م وجدد خلالها الفصوص التي على الرخام في مسجد الصخرة المشرفة كما أمر في نفس السنة بوضع الدرابزين حول الصخرة المشرفة وعمل فيها منبرًا وسقفه بالذهب.

 

وفي سنة 676 هـ / 1277 م توفي الملك الظاهر بيبرس في دمشق بعد أن ملك مصر والشام سبع عشرة سنة وشهرين، وتولى المُلك من بعده ابنه الملك السعيد ناصر الدين محمد ثم ابنه الثاني الملك العادل بدر الدين سلامش ولم يذكر التاريخ أنهما قاما بعمل في القدس وقد ترك المُلك كلاهما خلعًا.

القدس وعائلة قلاوون

كان أول من تولى السلطنة من أبناء قلاوون هو السلطان المنصور سيف الدين قلاوون 679هـ/ 1280م 689هـ/1290م، وكان يلقب بالصالحي الألفي، وقد برز في أواخر عهد الأيوبيين وخلع ابن الظاهر بيبرس سلامش وبويع بالسلطنة كان على ما وصفه المؤرخون فارسًا شجاعًا لا يحب سفك الدماء واهتم بجمع المماليك من كل جنس، وفي أيامه عرفت جماعة المماليك البرجية.

 

اهتم الملك المنصور قلاوون بمدينة القدس كثيرًا وأقام فيها أعمالاً عمرانية تدل على اهتمامه بها نذكر منها:

1- الرباط المنصوري:

ويقع في الجهة الجنوبية من طريق باب الناظر المؤدي إلى الحرم القدسي، قبالة رباط علاء الدين البصير، وقد أمر ببنائه السلطان قلاوون سنة 681هـ / 1288م وأوقفه على الفقراء وزوار بيت المقدس.

والرباط المنصوري من المؤسسات السلطانية القليلة التي بنيت خارج الحرم، لأن السلاطين كانوا يقيمون منشآتهم داخل الحرم نفسه، وقد أشرف على بنائه علاء الدين ايدغدي بعد بناء رباطه.

2- المسجد القلندري:

في عهد السلطان قلاوون وتحديدًا في سنة 686هـ / 1287م جددت عمارة هذا المسجد، وهو واقع على طريق دير اللاتين في الناحية الجنوبية من المدينة المقدسة ولم يبق منه اليوم إلا الاسم.

وقد زار السلطان قلاوون فلسطين أكثر من مرة ونزل في مدينة القدس سنة 682هـ/ 1283م وأقال نائبها عماد الدين بن أبي القاسم وأقام مكانه نجم الدين السونجي.

وبعد أن توفي السلطان قلاوون تولى ابنه الملك الأشرف صلاح الدين خليل، ثم ابنه الثاني السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، ثم الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري المعروف بالصغير، وبعد مقتل الملك المظفر المنصور لاجين تولى الملك للمرة الثانية الملك الناصر محمد بن قلاوون ثم تسلطن الملك المظفر ركن الدين بيبرس المنصوري، ثم عاود للمُلك الناصر محمد بن قلاوون للمرة الثالثة.

الملك الناصر محمد بن قلاوون:

تولى الملك الناصر محمد حكم السلطنة ثلاث مرات:

الأولى: دامت حوالي ثلاث سنوات في الفترة 693هـ/ 1294م 696هـ/ 1296م.

الثانية: وكانت مدتها حوالي عشر سنوات في الفترة 698هـ/ 1298م 708هـ/ 1308م.

الثالثة: وهي الأخيرة وقد دامت أكثر من ثلاثين سنة امتدت في الفترة 709هـ/ 1309م 741هـ/ 1341م.

وهكذا امتاز عهد الملك الناصر محمد بدوراته الثلاث، والذي دام قرابة خمسة وأربعين عامًا والذي عُرف بأنه أطول عهود السلاطين المماليك.

وفي عهده بلغت المناوشات بين المماليك والتتار أشدها، إذ استولت قوات غازان التتاري على دمشق، واجتاحت منطقة الأغوار ونهبت مدينتي القدس والكرك ومن ثم انتهت هزيمة التتار في مرج الصفر جنوب دمشق.

ولقد اشتهر عهد الناصر محمد بإنشاء الأبنية الكثيرة والمآثر الحضارية المختلفة فشهدت المدينة المقدسة على يده ويد نائبه بالشام الأمير تنكز حركة عمرانية لا مثيل لها في كامل العهد المملوكي ومن هذه المنشآت التي قامت في القدس في عهده:

1- رباط الكرد:

ويقع في الجانب الشمالي من طريق باب الحديد تجاه المدرسة الأرغوانية، وملاصقًا لسور الحرم وعلى يمين الخارج منه من هذا الباب وقد أنشأه المقر السيفي كُرد صاحب الديار المصرية سنة 693هـ/ 1293م وكان السيفي كُرد من مماليك السلطان قلاوون، وقد أسس رباطه في القدس عندما كان ساقي السلطان ويسكن رباط الكرد الآن جماعة من آل الشهابي وهو يعرف بهم.

2- المدرسة الدويدارية (الدوادارية):

وتقع هذه المدرسة على يمين الخارج من الحرم القدسي الشريف من باب العتم أو كما كان يسمى قديمًا بباب شرف الأنبياء، والذي أطلق عليه أيضًا اسم باب الدويدارية نسبة إلى هذه المدرسة الكائنة شرقي هذا الباب.

أما تسميتها بالمدرسة الدوادارية فترجع إلى منشئها وواقفها الأمير علم الدين أبو موسى سنجر الدوادار الصالحي النجمي، الذي أوقف عليها أوقافًا كثيرة في مناطق متعددة في فلسطين وكانت عمارتها في سنة 695هـ/ 1295م.

المدرسة الدوادارية هي وقف إسلامي، كانت في السابق خانقاة للصوفية من العرب والعجم وكانت تدعي بدار الصالحي، وهي ما تزال مدرسة حتى يومنا هذا، ويشغلها حاليًا المدرسة البكرية الابتدائية للذكور.

3- التربة الأوحدية:

وتقع على ميسرة الخارج من الحرم من باب حطة، وواقفها هو الملك الأوحد نجم الدين يوسف بن الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم عيسى سنة 697هـ/1298م.

4- المدرسة السلامية (الموصلية):

وتقع خارج الجهة الشمالية للحرم وإلى الشمال من المدرسة الدودارية بباب العتم أو باب شرف الأنبياء، وواجهتها الرئيسية على الجانب الشرقي من طريق باب العتم المعروف بطريق المجاهدين والمؤدي إلى باب سور القدس المعروف بباب الأسباط.

والمدرسة عبارة عن بناية ضخمة وفيها بوابة تمتاز بروعة جمالها وتعولها المقرنصات وعلى جانبي قوس البوابة النقش التالي: لا إله إلا الله.. محمد رسول الله.

كلف بناء هذه المدرسة أموالاً طائلة وواقف المدرسة هو الخواجا مجد الدين أبو الفدا إسماعيل السلامي وكان تاجرًا كبيرًا في القاهرة، وتاريخ المبنى والوقوف غير معروف بوجه الدقة، ويقول مجبر الدين الحنبلي أنها وقفت بعد السبعمائة للهجرة.

5- زاوية المغاربة:

وهي تقع بأعلى حارة المغاربة في الجهة الغربية خارج الحرم، وواقفها هو الشيخ عمر بن عبد الله بن عبد النبي المغربي المصمودي المجرد، وقد عمر الزاوية وأنشأها من ماله ووقفها على الفقراء والمساكين في سنة 703هـ/ 1303م وأوقاف هذه الزاوية كانت تشمل على حوانيت في سوق القصاص وجسر الليمون وفرن موجود بحارة المغاربة وطاحونة قرب المنطقة ذاتها بالإضافة إلى بيت في حارة الشرف.

وفي سنة 1967 قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلية باستملاك هذه الزاوية وهدمتها.

6- التربة الجالقية:

وتعرف اليوم بدار الخالدي. وموقعها بالزاوية الشمالية الغربية عند ملتقى طريق الواد بطريق باب السلسلة. وواقفها هو ركن الدين بيبرس بن عبد الله الصالحي النجمي المعروف بالجالق ومعناه الحصان القوي الشديد المراس وكان من جملة الأمراء بالشام وقد توفي في الرملة سنة 707هـ/ 1307م ودفن في ترتبه بالقدس.

7- جامع قلعة القدس:

بُني الجامع بداخل القلعة عند زاويتها القبلية الغربية، وقد كتب على عتبة بابه العليا أن الجامع أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة 710هـ/ 1310م.

8- التربة السعدية:

وتقع بطريق باب السلسلة تجاه المدرسة التنكزية بالقرب من باب الحرم الرئيسي المعروف بباب السلسلة لجهة الغرب، وواقفها هو الأمير سعد الدين مسعود بن بدر سنقر عبد الله الروحي الحاجب بالشام في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة 711هـ/ 1311م.

9- المدرسة الكريمية:

تقع في منطقة باب حطة شمالي الحرم، وعلى يمين الخارج من الحرم من الباب مباشرة وواقفها هو كريم الدين عبد الكريم بن المعلم هبة الله بن مكانس ناظر الخواص الشريفة بالديار المصرية، أي أنه كان من أصحاب السلطة والنفوذ في دولة السلطان الناصر محمد وكان ذلك في سنة 718هـ/ 1319م.

10- المدرسة التنكزية:

وهي من المدارس الشهيرة في القدس، وتقع على يمين الداخل إلى الحرم الشريف من باب السلسلة وهو باب الحرم الرئيسي، ومبناها متقن البناء ولا يزال قائمًا حتى يومنا هذا، ولقد وصف مجير الدين الحنبلي هذه المدرسة قائلاً: هي مدرسة عظيمة ليس في المدارس أتقن من بنائها، وهي بخط باب السلسلة، ولها مجمع راكب على الأروقة الغربية للمسجد.

أما واجهة المدرسة الشمالية فهي تطل على ساحة صغيرة بباب السلسلة وواجهتها الشرقية تطل على رواق الحرم، والواجهة الجنوبية تشرف على حائط البراق، والواجهة الغربية تطل على المباني المجاورة لها.

عمّر هذه المدرسة سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام، وكان من أشهر نواب السلاطين الذين حكموا الشام في عصر المماليك وكان ذلك سنة 729هـ/ 1328م  ويقول د. كامل العسلي: يتضح من الوقفية أن الصرح الذي شيده سيف الدين تنكز كان في الواقع مجمعًا مؤلفًا من عدة أجنحة، وكان البناء يشتمل على مدرسة وخانقاة للصوفية ودار حديث ورباط للعجائز من النساء، وكانت المدرسة تشغل الطابق الأرضي، أما الخانقاة فكانت كما هو ظاهر فوق رواق الحرم الملاصق لمبنى المدرسة وكان في علو المدرسة أحد عشر بيتًا للصوفية، وكان هناك فوق سطح المدرسة بيت كبير مخصص لرباط النساء في المدرسة.

11- تعميرات في المسجد الأقصى:

من الآثار التي تمت على يد الأمير تنكز نائب السلطنة في الشام، الرخام المبني في الحائط الجنوبي للمسجد الأقصى عند المحراب لجهة الشرق، كما بنى أيضًا الحائط الغربي للمسجد الأقصى.

كما تم في عهده بناء أروقة في ساحة الحرم القدسي، وهي محكمة البناء وممتدة من جهة القبلة إلى جهة الشمال، وأولها عند باب الحرم المعروف بباب المغاربة وآخرها عند باب الغوانمة وكلها عمرت في عهد الملك الناصر محمد بن قلاوون في فترات مختلفة، وعلى النحو التالي:

أ- الرواق الممتد من باب الناظر إلى قرب باب الغوانمة، عمّر سنة 707هـ/ 1307م.

ب- الرواق الممتد من باب المغاربة إلى باب السلسلة، عمّر سنة 713هـ/ 1313م.

ج- الرواق الممتد مما يلي منارة باب السلسلة إلى قرب باب الناظر، وقد عمّر سنة 737هـ/ 1337م.

12- قناة السبيل:

وهي القناة الواصلة من منطقة العروب إلى مدينة القدس، وقد أمر بتجديدها الأمير تنكز، فابتدأ عمارتها سنة 727هـ/ 1326م، ووصلت إلى القدس ودخلت الحرم الشريف سنة 728هـ/ 1327م.

13- المدرسة الأمنية:

وتقع على الجانب الغربي من الطريق المؤدي إلى باب الحرم المعروف بباب شرف الأنبياء. ومبناها الذي لا يزال قائمًا وهو مؤلف من طابقين، وقد كانت المدرسة في الطابق الأرضي، أما الطابق العلوي فقد بني جزء منه فوق رواق الحرم وجزء آخر فوق باب العتم الدوادارية.

كان شيخ هذه المدرسة يعين بتوقيع من نائب السلطنة في دمشق، وواقفها هو الصاحب أمين الدين عبد الله في سنة 730هـ/ 1329م.

والمدرسة الأمينية اليوم عامرة ومسكونة من قبل آل الإمام، فقد كانت هذه المدرسة وقفًا لهذه العائلة المقدسية منذ عدة قرون، وقد سكنها أفراد هذه العائلة لعدة أجيال متعاقبة.

14- الخانقاة الفخرية:

وهي بداخل سور الحرم في أقصى الجنوب الغربي منه، وبابها عند الباب الذي يخرج منه المارة إلى حارة المغاربة، وواقفها هو القاضي فخر الدين أبو عبد الله محمد بن فضل الله ناظر الجيوش الإسلامية، وكانت وفاته سنة 732هـ/ 1331م.

كانت في البداية مدرسة ثم أصبحت خانقاة للصوفية، وفيها مسجد وأماكن لإقامة الأذكار وأماكن أخرى خاصة لتهجد الصوفيين. وقد هدمتها السلطات الإسرائيلية سنة 1969.

15- سوق القطانين:

يبلغ طول هذا السوق 100متر وعرضه 10 أمتار، وعلى جانبيه دكاكين، وكانت عند إنشائها سنة 737هـ/ 1336م معدة لبيع جميع أنواع الأقمشة والبضائع التي كانت تحملها القوافل التجارية من الهند إلى القدس عن طريق بُصرى وبغداد والموصل، ولكن أهمية هذا السوق تضاءلت عند اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح سنة 1497م ومن ثم أهمل هذا السوق تمامًا في أواخر العهد العثماني.

16- المدرسة الملكية (المالكية):

وهي تقع في الجهة الشمالية من الحرم ومجاورة للمدرسة الأسعردية من جهة الشرق، وقد ذكرها مجير الدين الحنبلي قائلاً: عمّرها الحاج الجواكندار وكان بناؤها في سلطنة الناصر محمد بن قلاوون في مستهل محرم سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. وأما الوقف عليها فإنه من زوجته ملك بنت السيفي قلطقتم الناصري. وتاريخ وقفها في السادس عشر من ربيع الآخر من سنة خمس وأربعين وسبعمائة والظاهر أن زوجها عمرها لها من مالها والله أعلم.

أما د. كامل العسلي فقد قال فيها: يبدو أن المدرسة المالكية كانت تعرف قديمًا باسم القبة، فالسجل 602 من سجلات الأراضي في استنبول يذكر وقف المدرسة المالكية المعروفة بالقبة، وتاريخ سجل محضر الوقف في سنة 770هـ والمدرسة المالكية أصبحت في وقتنا الحاضر كمعظم المدارس دارًا للسكن، ويسكنها هذه الأيام جماعة من آل الخطيب، وفي المدرسة ضريح السيدة ملك السابق ذكرها.

17- خان تنكز:

ويقع في الجهة الجنوبية من سوق القطانين، والمرجح أن الباني لهذا الخان هو الأمير تنكز نائب الشام وقام ببنائه عندما بنى سوق القطانين وفي نفس العام 737هـ.

18- بناء حمام:

وهو واقع على يمين الداخل إلى سوق القطانين من طريق الواد ويعرف اليوم بحمام العين.

هذا وقد قام الملك الناصر محمد بزيارة لمدينة القدس الشريف وقد ذكرها ابن تغري بردي قائلاً: بدأ زيارته في يوم الخميس رابع جمادى الأولى سنة 717هـ/ 1317م وقد سار معه خمسون أميرًا وناظر الخواص كريم الدين الكبير، وفخر الدين ناظر الجيش، وكتب إلى الأمير تنكز نائب الشام أن يلقاه لزيارة القدس، فقام بزيارة معالم المدينة ثم زار الكرك، وعاد إلى الديار المصرية وكانت غيبته أربعين يومًا.

ويبدو أن مدينة القدس على الرغم من قدسيتها، كانت تعتبر يومئذ منفى للذين يحل عليهم غضب السلطان، فقد حدثنا تغري بردي عن ذلك أيضًا قائلاً: إن بعض الأمراء وشوا عند السلطان محمد بن قلاوون بمماليكه الذين يناوئنهم السلطة والنفوذ فقام السلطان بنفيهم إلى مدينة القدس.

بعد وفاة الملك الناصر محمد بن قلاوون تسلطن ثمانية من أولاده، ولم يأت واحد منهم بأي عمل يذكر لا في مدينة القدس ولا في غيرها من البلدان، إذ ما كان يأتي الواحد منهم إلى المُلك حتى يقوم أخوه عليه أو أحد أقاربه فيقتله أو يخلعه عن العرش وينتزع السلطة من يده وكذلك كان الوضع على أيام المماليك الذين تسلطنوا من بعدهم، لم يحدث أي تغيير له صلة بمدينة القدس سوى أن حاكم القدس وكان يدعى الوالي أصبح بعد سنة 777هـ/ 1376م يدعى النائب أي نائب السلطان وكان هذا يخابر السلطان رأسًا. وبقي الحال هكذا إلى أواخر عهد الملك الصالح حاجي بن شعبان 783هـ/ 1381م وهو آخر من حكم من دولة المماليك البحرية أو التركمانية.

الملك الأشرف برسباي الظاهري:

حكم في الفترة 825هـ/ 1422م 841هـ / 1437م

وهو من عتقاء الملك الظاهر برقوق وكان يلقب بأي النصر البرسباي الدقماني، وقد بويع بالسلطنة عام 825هـ/ 1422م ودام في الحكم ستة عشر سنة، وأقيم في عهده إنشاءات عديدة كان أهمها على الإطلاق بناء وتشييد المدارس في المدينة المقدسة منها:

1- المدرسة الباسطية:

وهي تقع شمالي الحرم بالقرب من باب شرف الأنبياء (باب العتم) ويلاصق بعضها المدرسة الدوادارية من جهة الشمال الشرقي. وواقفها هو القاضي زين الدين عبد الباسط بن خليل الدمشقي ناظر الجيوش المنصورة وعزيز المملكة.

أول من اختط أساس المدرسة وقصد عمارتها شيخ الإسلام شمس الدين محمد الهروي شيخ المدرسة الصلاحية وناظر الحرمين الشريفين، إلا أنه توفي قبل إتمام عمارتها فعمرها القاضي زين الدين عبد الباسط المذكور ووقفها على الصوفية سنة 434هـ/ 1431م وهي لا تزال عامرة حتى يومنا هذا حيث يشغل جزء منها دارًا للسكن والجزء الآخر يؤلف مع المدرسة الدوادارية المدرسة البكرية للبنين.

 

2- المدرسة الغادرية:

وكانت تقع في الجهة الشمالية من ساحة الحرمين الشريفين بين باب حطة ومئذنة باب الأسباط. وواقفها هو الأمير ناصر الدين محمد بن دلغادر بعد أن عمرتها زوجته (مصر خاتوم) سنة 836هـ/ 1433م وقد وصفها الشيخ عبد الغني النابلسي في أواخر القرن الحادي عشر قائلاً: ثم توجهنا ودخلنا المدرسة الغادرية فوجدناها عظيمة البناء واسعة الفناء مشتملة على أشجار الورد ولها الرونق واليها بين المدارس كالعلم الفرد) أما اليوم فقد استحالت المدرسة إلى خرابة.

 

3- المدرسة الحسنية:

وهي آخر المدارس في الجهة الشمالية من ساحة الحرم، وتقع عند باب الأسباط بالضبط وحدثنا مجير الدين الحنبلي عنها قائلاً: إنه لم يتحقق من أمرها ولكنه أُخْبر أن واقفها هو شاهين الطوشي من دولة الملك الناصر حسن المتوفى سنة 762هـ.

ويقول فيها د. كامل العسلي: الظاهر أن الإجراءات الخاصة بوقف هذه المدرسة لم تتم لأن الواقف توفي قبل ذلك ولهذا فإنها لم تصبح مدرسة بالفعل فصارت دار سكن، وأصبح ريعها يستوفى لجهة أوقاف المسجد الأقصى. وبذلك يكون بناؤها حوالي العام 760هـ.

 

4- المدرسة العثمانية:

وهي واقعة على يسار الخارج من الحرم من باب المطهرة (باب المتوضأ قديمًا) وكانت المدرسة العثمانية من المدارس الهامة في القدس، ويظهر ذلك من أسماء الذين تولوا التدريس فيها، وأكثرها من كبار علماء الحنفية في القدس منهم: الشيخ الإمام سراج بن مسافر بن يحيى عالم الحنفية بالقدس الشريف. وهو رومي الأصلي وقدم إلى مدينة القدس سنة 828هـ. والشيخ سراج الدين عمر بن أبي اللطف المفتي بالديار المقدسية سنة 990هـ. والشيخ جار الله بن أبي بكر بن محمد المعروف بابن أبي اللطف مفتي الحنفية بالقدس، وقد توفي سنة 1028هـ.

واقف المدرسة العثمانية هي امرأة من أكابر الروم واسمها أصفهان شاه خاتون، وتدعى خانم، وقد عينت لها أوقافًا كثيرة ببلاد الشام وغيرها من البلاد وقد توفيت الخاتون بالقدس ودفنت بالتربة المجاورة لسور المسجد الأقصى الشريف. وعلى مدخل المدرسة نقش يفيد بأن بناء المدرسة كان سنة 840هـ/ 1437م والمدرسة اليوم هي دار للسكن وتعرف بدار الفتياني حيث يسكنها جماعة من آل الفتياني.

وفي عهد الملك الأشرف برسباي تم وضع مصحف كبير تجاه محراب المسجد الأقصى، ووقف على هذا المصحف مالاً لمن يقوم بالقراءة فيه. ومالاً لخادم يسهر على سلامته من التلف. كما اشترى الأمير أركاس الجلباني نائب السلطان بالقدس ضياعًا للوقف على مصالح المسجد الأقصى والصخرة المشرفة، وقد نُقش بذلك على رخامة الصقت بحائط الصخرة. كما تم تجديد سبيل علاء الدين البصيري والكائن غربي الحرم سنة 839هـ/ 1435.

القدس في عهد المماليك الشراكسة

المماليك الشراكسة أو الأبراج، وأصلهم من بلاد القفقاس وبلاد الشراكس وقد استقدمهم الملوك العرب وأكثر من استخدامهم العباسيون والأيوبيون والمماليك البحرية، وفي عهد السلطان المنصور قلاوون التركي كثر عددهم حتى وصل إلى 3700 محارب، وكانوا يسكنون في أبراج قلعة القاهرة فعرفوا بالبرجية.

امتد نفوذ الدولة الشركسية ومقرها القاهرة إلى جميع المناطق التي كانت بحوزة الدولة المملوكية السابقة، ومنها مصر وبلاد النوبة وسورية الطبيعية ومناطق كليكيا وجبال طوروس الوسطى ومدائن صالح والحجاز حتى عسير من شبه الجزيرة العربية. وكان لفلسطين شأن خاص عند السلاطين الشراكسة لقدسيتها وموقعها الهام، وكانت نيابة القدس من المناصب التي يتنافس عليها كبار القادة والأمراء.

بلغ عدد السلاطين الشراكسة 24 سلطانًا، أولهم الملك الظاهر سيف الدين برقوق وآخرهم الملك الأشرف طومان باي وقد حكم خمسة منهم 89 سنة من أصل 135 سنة دامت فيها دولتهم وهؤلاء هم: الظاهر برقوق، والأشرف برسبابي، والظاهر جقمق، والأشرف قايباتي، والظاهر قانصو الغوري.

كان تنصيب السلاطين يتم بانتخاب أكثر المرشحين كفاية وكان يعاونهم في الحكم مجلس سلطنة يتألف من كبار القادة والأمراء ويسمى أعضاؤه أصحاب السيف وهم الذي ينتخبون السلطان ويبايعونه، ثم يبارك البيعة الخليفة العباسي وقضاة المذاهب الأربعة، وبذلك لم يكن هناك مكان للحكم الوراثي في عهدهم كما كان الحال عند المماليك الأتراك.

القدس في عهد الملك الظاهر سيف الدين برقوق 784هـ/ 1382م 815هـ/ 1412م:

يعد الملك الظاهر برقوق مؤسس دولة المماليك البرجية، وهو من موالي بني قلاوون وتمكن من القضاء على دولة المماليك البحرية وتولى الحكم عام 784هـ/ 1382م وأقره الخليفة العباسي المتوكل على الله، ويذكر مجير الدين الحنبلي أنه تولى الحكم مرتين ودام حكمه سبعة عشر عامًا.

زار الملك الظاهر مدينة القدس وأبطل المكوس والمظالم والرسوم التي أحدثت من قبله في مدينة القدس كما رد الأمير شهاب الدين أحمد اليغموري ناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة بالقدس والخليل إلى القدس الشريف كما أقيمت في عهده بعض المنشآت الهامة نذكر منها:

1- خان السلطان:

وهو أشهر خانات القدس على الإطلاق، وقد عرف أيضًا بدار الوكالة ويقع الخان قرب طريق باب السلسلة، ويتوصل إليه من زقاق قصير يمتد من طريق باب السلسلة إلى جهة الشمال، وهو قريب من سوق الخواجات (أي التجار) الذي يقع غربي الخان. والخان عبارة عن مبنى مؤلف من طابقين وله ساحة كبيرة نسبيًا وهي محاطة بالحواصل والدكاكين والعنابر، وهذه كلها تقع في الطابق الأول.

أما في الطابق الأرضي للخان، فيوجد قاعات كبيرة تقوم على دعامات مربعة، وكان هذا الطابق يستعمل لتخزين البضائع ولإجراء المعاملات التجارية إلا أن مبنى هذا الخان حاليًا في وضع مهمل بعد أن كان فخمًا في قديم الزمان.

وفي الجهة الغربية من الزقاق المؤدي إلى هذا الخان، توجد لوحة من الرخام مكتوب عليها بالخط النسخي المملوكي: بسم الله الرحمن الرحيم، جدد هذه القيسارية المباركة وقف حرم القدس الشريف مولانا السلطان الظاهر أبو سعيد برقوق خلد الله ملكه. بنيابة مولانا ملك الأمراء كافل المماليك بالشام عز الله أنصاره أنشأه الفقير إلى الله تعالى السيفي أصبغا بن بلاط ناظر الحرمين الشريفين في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة.

2- بركة السلطان:

وهي تقع مقابل جبل صهيون إلى جهة الغرب، وتعتبر أكبر برك القدس مساحة إذ يبلغ طولها 170مترًا وعرضها 80 مترًا ومساحتها حوالي 14 ألف متر مربع.

من خلال الدراسات التي نشرت عن المواقع والآثارات المقدسية تدل على أن البركة قديمة جدًا وأنها كانت موجودة منذ أن دمر تيطس الروماني المدينة سنة 70م، وقد جرى تعميرها عدة مرات إحداها كان في سنة 801هـ/ 1398م أي في عهد الملك الظاهر برقوق.

3- دكة المؤذنين:

في عهده أيضًا تم تجديد دكة المؤذنين الكائنة داخل قبة الصخرة تجاه المحراب ويظهر أن هذه الدكة قديمة البناء وقد نقش عليها: بسم الله الرحمن الرحيم جددت هذه السدة المباركة بالصخرة الشريفة في أيام مولانا السلطان الظاهر ابن سعيد برقوق.. تاريخ مستهل شوال 789هـ/ 1387م.

4- مسطبة الظاهر: وهي الكائنة أمام باب الغوانمة وتم تعميرها سنة 795هـ/ 1393م وبوفاة الملك الظاهر برقوق تسلطن ولده الملك الناصر فرج.

الملك الناصر فرج بن برقوق: حكم في الفترة 803هـ/ 1400م 808هـ/ 1405م وحكم في الفترة 808هـ/ 1405م 815هـ/ 1412م.

تولى الملك الناصر فرج والمعروف بأبي السعادات زين الدين الحكم مرتين، وعلى الرغم مما اشتهر به في التاريخ من سوء السيرة إلا أنه في عام 815هـ/ 1412م قام بزيارة لمدينة القدس ونزل بالمدرسة التنكزية، ووزع على الناس خمسة آلاف دينار وعشرين ألف فضة، وهو مبلغ كبير بالنسبة لمقاييس ذلك العصر. ومن جملة الأمور التي نظمها في مدينة القدس أن لا يكون نائب القدس هو نفسه ناظر الحرمين الشريفين.

وبعد وفاة الملك الناصر فرج تسلطن العديد من المماليك البرجية إلا أنه لم يحدث في القدس أية حوادث تستحق الذكر إلى أن تسلطن الملك الأشرف برسباي.

الملك الأشرف قايتباي الظاهري: حكم في الفترة 872هـ/ 1467م 902هـ/ 1497م:

وهو من مماليك السلطان الأشرف برسباي ثم انتقل إلى خدمة السلطان الظاهر جقمق فأعتقه، وقد بويع بالسلطنة بحضرة أمير المؤمنين المستنجد بالله أبي المظفر العباسي وكان يلقب بخادم الحرمين الشريفين: المسجد الأقصى ومسجد الخليل، وقد دام في الحكم قرابة ثلاثين عامًا، وكان يحب مدينة القدس كثيرًا وله فيها أصدقاء وذلك لقضائه فيها زهاء خمسة أعوام منفيًا ومغضوبًا عليه من السلطان قبل توليه السلطنة.

ولقد شهدت المدينة المقدسة في عهده عدة حوادث هامة كانت لها انعكاسات واضحة وهامة على الحياة الاجتماعية والحضارية لسكان المدينة نذكر أهمها:

الحادثة الأولى: حدثنا مجير الدين الحنبلي في كتابه الأنس الجليل: أن الملك الأشرف قايتباي عندما تسلطن أمر بالإفراج المقيمين بالقدس في زمن السلطان الظاهر خوشقدم، وهم بيبرس خال العزيز وبيبرس الطويل وجابي بك المشد وغيرهم ثم عاد فاعتقلهم.

الثانية: في سنة 873هـ/ 1468م وقع خلال بين برديك التاجي ناظر الحرمين ودمرداش العثماني نائب السلطنة بالقدس، وسرى الخلاف إلى السكان في المدينة فانشطروا إلى قسمين، قسم يؤيد هذا وآخر يؤيد ذاك، ونتيجة لاختلاف رجال الحكم اختل الأمن في المدينة وكثرت السرقات وانتشر قطاع الطرق في مختلف المناطق.

الثالثة: في سنة 874هـ/ 1469م نزل بالقدس بأمر من السلطان أحد الخزاندارية بالخدمة الشريفة الأمير ناصر الدين محمد النشاشيبي لإصلاح ما اختل من نظام أوقاف الحرمين فنظر في صالح الأوقاف وعمّر المسجد الأقصى.

الرابعة: في سنة 875هـ استقر الأمير ناصر الدين محمد النشاشيبي في نظارة الحرمين بالقدس والخليل. وكان دخوله إلى القدس الشريف في يوم الجمعة 18 محرم وكان يومًا مشهودًا فقرئ توقيعه بعد صلاة الجمعة، وأوقد المسجد في تلك الليلة، وشرع في عمارة الأوقاف بعفة وشهامة، وكان يكثر من مجالسه العلماء والفقهاء ويحسن إليهم.

وفي سنة 877هـ شرع الأمير ناصر الدين النشاشيبي في عمارة الدرجة المتوصل منها إلى صحن الصخرة الشريفة تجاه باب السلسلة المجاورة للقبة النحوية، وكان قبلها درجة ضيقة عليها قبو معقود وكان يسمى زقاق البؤس، فسده وبنا فوقه درجة جديدة وعمل لها قناطر على عُمد كبقية الأدراج التي بالصخرة. وحصل بها ابتهاج لكونها تقابل باب السلسلة وهو عمدة أبواب الحرم.

كما عمّر الأمير ناصر الدين المسجد الأقصى وصرف المعاليم وباشر تدبير الأمور حتى صلح منها ما فسد في زمن برديك التاجي، وتقدمت أحوال بيت المقدس إلى الخير وتباشر الناس بالفرج بعد الشدة.

الخامسة: في سنة 878هـ/ 1473م حدثت فتنة في مدينة القدس بدأت بخلاف وقع بين جماعتين قاطعتين بالقدس، جماعة الدارية وجماعة الأكراد، ثم تطور هذا الخلاف إلى قتال نتج عنه مقتل ثمانية عشر نفرًا من الفريقين، ولم ينته الخلاف عند هذا الحد بل استنفرت كل من الجماعتين من ينتصر لها من عشائر البدو، فأغاروا على المدينة وعملوا فيها نهبًا وتخريبًا، ويصف الحنبلي ما حصل من جراء هذه الغارة بقوله: فدخلوا إلى المدينة ونهبوا ما فيها عن آخره إلا القليل منها وخربت أماكن وكانت حادثة فاحشة لم يسمع مثلها في هذه الأزمنة.

السادسة: في سنة 880هـ/ 1475م زار السلطان الأشرف قايتباي الظاهري مدينة القدس، وعلى الرغم من أن زيارته للمدينة لم تتجاوز الثلاثة أيام فقد أزال ما كان في مدينتي القدس والخليل من مظالم وتصدق فيها بستة آلاف دينار.

السابعة: في سنة 885هـ/ 1480م حصلت بالقدس فتنة، كان سببها أنه في هذه السنة أراد نائب القدس ناصر الدين بن أيوب أن يضع حدًا لغارات البدو والعشائر على المدينة، فقبض على جماعة من بني زيد وقتلهم، غير أن هذا الإجراء من قبل نائب القدس لم يكن رادعًا للبدو كما كان متوقعًا، بل أدى إلى ثورة بني زيد للانتقام، فهجم عدد كبير منهم على المدينة وراحوا يضيقون الخناق على النائب لقتله، ولما علم النائب ناصر الدين بن أيوب بما يجري في المدينة فرّ من منزله إلا أنه وجد نفسه محاطًا بالقوم ولم ينج إلا بعد أن اجتاز المسجد الأقصى وهو راكب حصانه إلى خارج المدينة، ولما فشلوا في الانتقام منه توجهوا إلى السجن وكسروا بابه وأخرجوا المسجونين منه، ثم تفرقوا في الشوارع والأسواق للنهب والسلب، ويقول مجير الدين الحنبلي واصفًا الوضع على ما كان عليه (شرع العرب في قطع الطرق وإيذاء الناس، وحصل الإرجاف في الناس وأغلقت الأسواق والمنازل خشية النهب وكانت فتنة فاحشة).

ومن المنشآت الهامة التي أقيمت في المدينة المقدسة في عهده نذكر منها:

1- الرباط الزمني:

في سنة 881هـ/ 1476م أسس الخواجكي شمس الدين محمد بن الزمن أحد خواص الملك الأشرف قايتباي هذا الرباط الكائن على يمين الخارج من الحرم من باب المطهرة (المتوطأ قديمًا) تجاه المدرسة العثمانية وهو فوق الإيوان الذي بباب القطانين وبابه من داخل الحرم، ودار الرباط تابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية في القدس.

2- مدرسة الأشرفية:

في سنة 885هـ/ 1480م أمر الملك الأشرف قايتباي بتعمير المدرسة المعروفة باسمه (الأشرفية) والكائنة على ميسرة الداخل إلى الحرم عند باب السلسلة وقد بناها في الأصل الأمير حسن الظاهري باسم الملك الظاهر خوشقدم سنة 875هـ/ 1470م ولكنه لم يتم بناءها إذ توفي الملك الظاهر فقدمها الأمير حسن إلى الملك الأشرف قايتباي فنسبت إليه وسماها الأشرفية.

ولهذه المدرسة شهرة خاصة بين مدارس القدس لكونها أفخم مدراس القدس بناءً، فقد وصفها مجير الدين الحنبلي بقوله: كانوا يقولون قديمًا مسجد بيت المقدس به جوهرتان هما قبة الجامع الأقصى وقبة الصخرة الشريفة. فقلت: وهذه المدرسة صارت جوهرة ثالثة فإنها من العجائب في حسن المنظر ولطف الهيئة.

والواقع أن هذه المدرسة بنيت ثم هدمت ثم بنيت مرة ثانية، فقد قيل أنها بنيت لأول مرة حوالي سنة 870هـ وبانيها هو الأمير حسن الظاهري ناظر الحرمين الشريفين ونسبها للملك الظاهر خوشقدم، وقد أنفق الأمير الظاهري على المدرسة من ماله الخاص وافتتحت للتدريس لأول مرة في سنة 877هـ، واستمر التدريس فيها لفترة ربما حتى عام 880هـ، وفي تلك السنة زار السلطان قايتباي القدس ولم تعجبه المدرسة فأمر بهدمها وتوسيعها، وفي سنة 885هـ هُدم البناء القديم وبدأ العمل في حفر أساس المدرسة الجديدة، وفي سنة 886هـ سير السلطان إلى القدس الشريف من القاهرة جماعة من المعماريين والمهندسين والحجارين لعمارة مدرسته، وكان المتولي لذلك القاضي فخر الدين بن نسيبة الخزرجي وفرغ من بناء المدرسة سنة 887هـ فجاء البناء الجديد للمدرسة آية في الفخامة والبهاء فاقت كل ما سبقه وما تلاه من مدارس القدس.

كانت المدرسة تتألف من طابقين ولها مدخل جميل مصنوع من الأحجار الملونة يعقبه دركاة.. وكان التدريس في الطابق العلوي، حيث كان هناك أربعة أواوين متقابلة أكبرها الإيوان القبلي والذي كان بصدره محراب.. وكانت معظم أحجار المدرسة من الرخام ووضع على ظاهرها الرصاص المحكم كظاهر المسجد الأقصى، وفي أيامنا هذه لم يبق من المدرسة الأشرفية إلا بقايا قليلة فقد هدمت أجزاء كثيرة منها بسبب طول العهد والزلازل والإهمال.

 

3- سبيل قايتباي:

في عام 887هـ/ 1482م أمر السلطان الأشرف قايتباي ببناء السبيل المعروف بسبيل قايتباي، الذي يقع في الساحة الكائنة بين باب السلسلة وباب القطانين وعلى بعد خمسين مترًا من جدار الحرم الغربي بين درج صحن الشجرة الغربي الأوسط والمدرسة العثمانية (دار الفتياني) وهو يقوم على مسطبة مكشوفة وفيها محراب في الزاوية الشمالية الغربية من المصطبة.

 

4- مأذنة الجامع العمري:

أمر السلطان قايتباي في ذات العام 887هـ/ 1482م ببناء مأذنة الجامع العمري المعروف اليوم بجامع عمر بجوار كنيسة القيامة.

في عهد السلطان الأشرف قايتباي تقلب على نيابة بيت المقدس عدد من النواب الذين ساءت سيرتهم وكثر ظلمهم للناس، ومنهم النائب السيفي خضر بك الذي كان ظالمًا للناس ومصادرًا لأموالهم وسفاكًا لدمائهم، فساءت سيرته كثيرًا وكثر المشتكون منه للسلطة، فأمر الأمير تغري ورمش دوادار المقر السيفي بالتحقق من أفعاله وجرى التحقيق في عام 892هـ/ 1486م عند المحراب في داخل المسجد الأقصى ثم بالمدرسة الأشرفية والمدرسة العثمانية ودام التحقيق عشرة أيام، ومن ثم رفع الدوادار تقريره إلى السلطان الذي استحضره إلى مصر وضربه وأمره برد كافة ما أخذه من الناس، ثم أقاله من عمله وسجنه.

بعد أن أقيل خضر بك من نيابة السلطنة بالقدس تولاها الأمير دقماق سنة 893هـ/ 1487م ولم يكن هذا بأفضل من سابقه، فقد كان ظالمًا عسوفًا وكثرت السرقات وحوادث القتل في عهده، كما اختل نظام المسجد الأقصى فرفع الناس شكواهم إلى السلطان، فأرسل خاصكيا اسمه (أزيك) إلى مدينة القدس بقصد التحقيق، وبعد التحقيق أمر الخاصكي بكف يد النائب عن العمل ورفع تقريره إلى السلطان، إلا أن التقرير وقع في يد الدوادار الكبير وكان من أنصار النائب فلم يصل التقرير إلى السلطان، ولم يقر الدوادار الخالصكي في عمله بل عنفه من أجل توقيفه النائب عن عمله، فعاد الأمير دقماق إلى عمله وراح ينتقم من الناس أشد انتقام، إلا أن المقدسيين ثابروا على رفع شكواهم ضد النائب إلى المقامات العليا حتى أقيل النائب من منصبه سنة 896هـ/ 1490م.

 

 

 

 

 

 

                                                                                                                                            

القدس في عهد الخلافة العثمانية

 

محمد أبو مليح *

 

 

 

 

 

من الفترات التي كثر فيها اللغط، وزاد بها الكلام وتأرجحت فيها عقول الناس بين الأخذ والرد فترة العثمانيين، ففي هذا العهد استولى اليهود على القدس وتناثرت الإشاعات عن أن العثمانيين هم السبب في هذا الضياع، واستغل اليهود هذه الشائعات في تنفيذ مخططاتهم القائمة على سياسة”فرق تسد” فدسوا وسط السطور مساوئ العثمانيين ، ومحو محاسنهم، حتى يضمنوا بذلك ألا يبحث المسلمون عن دولتهم وحتى لا يحاولوا أن يعيدوها.

وفي السطورالقادمة نحاول إظهار بعض الحقيقة بهدف إرجاع الحق لأهله. وهذه بعض المحطات التي سوف نتوقف عندها:

إطلالة على دولة الخلافة

القدس في عهد السلطان سليم الأول

القدس في عهد السلطان سليمان القانوني

القدس خلال القرن السابع عشر

القدس خلال القرن الثامن عشر

القدس والدولة العثمانية في أوائل القرن التاسع عشر:

v       القدس في عهد السلطان عبد المجيد

v       القدس في عهد السلطان عبد العزيز

v       القدس في عهد عبد الحميد الثاني

v       نهاية الحكم العثماني لمدينة القدس

__________

إطلالة على دولة الخلافة

يتبع الحديث عن القدس بعد صلاح الدين فترة حكم العثمانيين الذي لا يقل في أهميته عن الحديث عنها في زمن صلاح الدين والمماليك لطولةالمدة التي حكموها إذ ان حكمهم امتد من 922 – 1336 هـ 1516 – 1917م إلى أن احتلها الإنكليز.

وفي عهدهم أصبحت القدس متصرفية متصلة رأسيًا باستنبول بعد صدور قانون الولايات في سنة 1287 هـ 1817 م وأطلق عليها قدس شريف متصرفلغي إدارة مستقلة) وبعد أربع سنين صدر قانون آخر بإنشاء مجالس بلدية في مراكز الولايات والمتصرفات، لكن المجلس البلدي في القدس قبل ذلك كان قد تولى منذ سنة 1863 بعض مسئوليات القاضي وبعض مسئوليات المجلس الاستشاري في إدارة شئون المدينة الداخلية كالنظافة والمياه والأسواق تحت رقابة المتصرف العامة، ويرد ذكر بلدية القدس في تقرير عن مشروع مياهها أرسله القنصل البريطاني إلى السفارة في استانبول ويرجع السبب في هذه المتصرفية إلى أن متصرف القدس أصبح يومها منتخب لمدة أربع سنوات، بموجب نظام صادر بتشكيل البلديات وهذا النظام يسمى نظام الولايات وقد بلغ عدد أعضاء هذا المجلس سنة 1917م ستة أعضاء أربعة من العرب واثنان من اليهود فلم يغير الإنكليز وضع البلدية عما كانت عليه في عهد العثمانيين.

وفي عهد العثمانيين أيضًا حدثت فتن وأوبئة واضطرابات وانتفاضات وانقلابات غيرت معالم القدس، فحدثت الانتفاضة الشعبية سنة 1115 هـ بقيادة محمد بن مصطفى الحسيني نقيب الأشراف بسبب الضرائب الباهظة التي فرضت على السكان الأمر الذي حال دن تنفيذ ذلك إذ عزل حاكمها آنذاك جورجي محمد باشا وعين بدله محمد بن مصطفى مؤقتًا.

وحدثت فتنة كنيسة القيامة سنة 1171 هـ التي ذهب ضحيتها الكثير من الجرحى والقتلى من الروم الأرثوذكس والإفرنج، وانتصر العثمانيون للأرثوذكس وسلموهم جميع الأماكن المسيحية في المدينة.

وظهر وباء خطير فتك بسكان القدس والبلاد المجاورة واستمر لأكثر من ستة أشهر.

وحدثت غزوة نابليون سنة 1213 هـ لمصر ولم يستطع الاقتراب من القدس بعد هزيمته المنكرة في عكا.

وحدث حريق الجزء الغربي لكنيسة القيامة سنة 1223 هـ واتهام الأرمن بتدبيره.

وحدثت الثورة الشعبية ضد والي دمشق سنة 1223هـ بسبب الضرائب التي فرضها على السكان ففجر الفلاحون ثورة عارمة في المنطقة المحيطة بالقدس امتدت إلى داخل القدس نفسها، قاد والي دمشق بنفسه خمسة آلاف جندي لمواجهة الثائرين وانتهى الأمر بأن يدفع الفلاحون الثائرون غرامة كبيرة ولكن ما إن ارتحل الوالي حتى ثار الأهالي فاستولوا على قلعة القدس وأقاموا على حراسة أبواب المدينة حراسة شديدة، ولكن ما لبثت السلطات العثمانية أن أرسلت والي دمشق على رأس ألفي جندي إلى القدس لمفاوضة زعماء القدس الذين رفضوا التزحزح عن موقفهم بأن لا يستقبلوا بين ظهرانيهم أي أجنبي أو غريب (عثماني أو ألباني) لكن ضراوة قصف العثمانيين للمدينة بالمدفعية أجبرت الثائرين على الاستسلام فانتهت الثورة دون سفك دماء.

وحدث سنة 373 هـ مرض الكوليرا في القدس والذي أدى إلى موت ثلاثة آلاف شخص من القدس وحدها دون سائر فلسطين الذين كان عددهم آنذاك عشرين ألف نسمة.

وعن اهتمام العثمانيين بالقدس فقد اهتموا بإعادة تعمير الحرم القدسي الشريف وإصلاحه واهتموا كذلك بإنشاء المراكز والمنشآت الدينية والاقتصادية وخاصة في عهد السلطان سليمان القانوني التي كانت تحيط بالأجزاء العلوية من الجدران الخارجية بالفاشاني المزخرف والأجزاء السفلية بالرخام وكذلك تجديد سور القدس الذي استمر خمس سنوات وأنفقت عليه الأموال الطائلة.

النقود والمسكوكات في العهد التركي:

يظهر أن النقود التي كانت، في بداية الحكم التركي، رائجة بين سكان بيت المقدس هي التي سكت على عهد المماليك، وأن قيمة هذه المسكوكات قد هبط إلى الحضيض مع زوال حكم المماليك. الأمر الذي حدا بالسطان قانوني إلى سك فلوس جديدة سميت باسمه. ويظهر أيضًا أن الناس في بادئ الأمر أقبلوا على التعامل بالفلوس الجديدة وأهملوا القديمة لهبوط قيمتها الأمر الذي أحدث ارتباكًا في الأسواق فراحت جماعة من المسلمين إلى نائب القدس تشكوا أمرها قائلة إنها تضررت من قلة الفلوس الجديدة وتقرر أن تكون الفلوس القديمة المسكوكة كل أربعة بربع. وذلك برضا جماعة السوقة وأحمد بن أبي بكر محتسب القدس الشريف.

وإليك بيان بعض النقود المسكوكات التي سمعنا بها في ذلك العهد: أن أول عملة ضربت في العهد التركي كانت تسمى: أقجة وهى كلمة مغولية الأصل ومعناها: القطعة البيضاء. ضربها علاء الدين باشا أخو السلطان أورخان. وقد اتخذت يومئذ راتبًا يومًا للواحد من الجنود. كانت في البدء تساوي ثلث درهم من الفضة. وفي القول أنها عبارة عن أربعين بارة.

الدرهم: كانت المعاملة، في أوائل العهد التركي بالدرهم وهو من الفضة وكانوا يسمونه 954 هـ – 1547 م الدرهم التركي وجمعه دراهم وكثيرًا ما وردت هذه في الصكوك باسم (الدراهم الفضية العثمانية) وهي من القطع السليمانية.

وسترى فيما يلي من السطور أن كل أربعة دراهم من الفضة كانت تساوي قرشًا واحدًا.

الدينار: هو نوع من النقد يعادل السكة السلطانية مصنوعة من الذهب والدينار عبارة عن أربعين قطعة من الفضة السليمانية.

والدينار الذهب كانوا يسمونه البندقي وقيمته 48 قطعة مصرية. والقرش الصحيح كان في الأصل عبارة عن 32 قطعة مصرية.

ولقد ذكرت (الدنانير الناصرية) ويظهر أنها سكت قبل عهد الأتراك بارة قطعة من النقد التركي صغيرة القيمة لا بل أنها أصغر من نقد آخر أصل الكلمة بارة وهي فراسية ومعناها شقفة أو قطعة أو جزء. وجمعها: بارات والبارة عبارة عن واحد من أربعين من القرش أو أن القرش عبارة عن أربعين بارة.

والبارة كانت متداولة في البلاد العثمانية ولا سيما مصر. ولذلك يقال لها أيضًا مصرية ومن هنا جاء قولهم (معك مصاري) أي دراهم للإنفاق.

(القطعة المصرية تعد قطعتين شاميتين أو قطعتين عثمانيتين أيضًا والقرش الأسدي عبارة عن ثلاثين قطعة مصرية ويظهر أنه كان هناك قرش غير القرش الأسدي. وهذا القرش كانوا يسمونه بالقرش الصحيح وقيمته 32 قطعة مصرية).

لقد جاء في البستان أنه لما كانت البارة عملة في البلاد العثمانية ولا سيما في مصر. فقد سميت أيضًا مصرية. إذًا يجوز القول أن المقصود من القطعة المصرية هو البارة.

(القطعة الشامية) نصف القطعة المصرية. أي أن كل قطعة مصرية تعادل قطعتين شاميتين. ولما كان القرش الأسدي يعادل ثلاثين قطعة مصرية وبالتالي ستين قطعة شامية، وتكون القطعة الشامية عبارة عن جزء من ستين من القرش الأسدي.

ويظهر أن القطعة الشامية والعثمانية واحدة. أي أن كل قطعتين عثمانيتين تعادلان قطعة مصرية.

(السطاني) من النقود السليمانية الواحد منه يعادل 40 قطعة مصرية ولقد قدر القاضي قيمة شيء من الأشياء بثلاثين سلطانيًا قال عنها في قراره أنها تعادل 1200 قطعة مصرية. ولما كان القرش الأسدي يعادل ثلاثين قطعة مصرية فيكون السلطاني معادلاً لقرش وثلث القرش من القروش الأسدية.

(السكة) أو (السكة السلطانية) نوع من العملة ورد ذكرها في المعاملات المدونة في سجلات المحكمة الشرعية خلال القرن العاشر للهجرة (973 هـ – 1565م) ويعتقد أنها من النقود التي سكت في زمن السلطان سليمان القانوني.

منها ما سك من الذهب ويسمونه (الذهب السلطاني) أو (الدينار) ومنها ما سك من الفضة ويسمونها (الفضة السليمانية) أو (القطع السليمانية).

ويظهر أن الدينار أو السكة السلطانية المصنوعة من الذهب كانت تعادل أربعين قطعة من الفضة السليمانية أو مائة بارة.

وأن السكة كانت عبارة عن خمس بارات. وقد تكون هذه هي المصنوعة من معادن أخرى.

(القرش الأسدي) من النقود التي سكها السلاجقة في بر الأناضول، وانتقلت معهم إلى هذه البلاد عندما اكتسحوها قيمة أربعون بارة. وقد سمي كذلك لأن صورة الأسد كانت في البدء مطبوعة عليه. وعلى قول أنه كانت عليه صورة الأسد والشمس معًا. واستعمله الفرس على هذا الشكل كشعار خاص لمملكتهم وظل يسمى القرش الأسدي رغم أن صورة الأسد رفعت عنه مع الزمن.

استعمل فيما مضى أساسًا للمعاملات التجارية ولصرف النقود، ثم انحصر استعماله في بيع الأشياء بالمزاد العلني فقط. وظل رائجًا في هذه البلاد حتى أواخر القرن التاسع عشر. وهناك من يقول أن أول من استعمله هم الأتراك العثمانيون، وأن هؤلاء أخذوه عن العملة الأسدية الهولاندية التي كانت آنئذ رائجة لديهم في الممالك العثمانية. وكانت تضرب بقيمة ثمانية دراهم ونصف وبعد أن استعمله الأتراك العثمانيون صار يسمى (القرش التركي) ويقال له أيضًا (القرش العثماني) و(القرش السلطاني).

والقرش الأسدي: كان خلال القرن السابع عشر الميلادي يعدل ثلاثين قطعة مصرية وقد رأيناه في مواضع أخرى خلال ذلك العصر يساوي ثلاثة فرنكات وفي قول أن القرش السلطاني يساوي 40 قطعة فضية والقرش الأسدي وهو نصفه يساوي 20 قطعة فضية.

ومن هذا يفهم أن كلمة (القرش) سواء كانت من اختراع الأتراك السلوجوقيين أو الأتراك العثمانيين فإنها كلمة تركية أصلها (غرش) ومن أسمائها باللغة التركية أيضًا: (آفجة).

وعلى قول أنها لاتينية الأصل أو ألمانية (جروش) ومهما كان أصلها فإن العرب أخذوها عن الأتراك فعربوها وقالوا (قرشًا) والأتراك ضربوا هذا النوع من النقد في بلادهم لأول مرة على عهد السلطان سليمان الثاني 1099 – 1102 هـ ( 1687 – 1691 م) وهو جزء من المائة من الليرة التركية.

كانت زنة القطعة الواحدة ستة دراهم فضية وقد استعمل القرش منذ قرن ونصف تقريبًا كوحدة للمعاملات المالية والنقدية بقيمة أربعين بارة.

ظلت النقود السليمانية المتقدم ذكرها رائجة في أسواق بيت المقدس حتى زمن السلطان سليم الثالث بن مصطفى الثالث الذي تولى العرش سنة 1203 هـ- 1788 م فقد صدرت الإرادة السنية على عهده بطلب الأواني وجمعها ممن عندهم وإرسالها إلى الضربخانة على أن يعوض صاحبها عن كل مثقال من الذهب بستة قروش ونصف وعن كل أربعة من الفضة بقرش واحد.

ومن النقود التي اشتهرت في ذلك العهد، ولا سيما خلال القرن الثامن عشر للميلاد (الزلطة) وهي بولونية الأصل فالصداق كان 500 زلطة والدار الكائنة باب حطة بيعت بسبع عشرة زلطة والزلطة عبارة عن ثلاثين بارة فضية أي أنها ثلاثة أرباع القرش الأسدي أو خمس ذهبة فندقية.

ولقد سكت بعد ذلك التاريخ نقود ومسكوكات كثيرة أخرى، سميت كل واحدة منها باسم السلطان الذي سكت على عهده ومنها (المحمودية) التي ضربت على عهد السلطان محمود 1808م والمجيدية التي ضربت على عهد السلطان عبد المجيد 1839 م والعزيزية التي ضربت على عهد السلطان عبد العزيز 1860 م والحميدية التي ضربت على عهد السلطان محمد رشاد الخامس 1908.

أما العملة المحمودية فإنها نوعان: (عملة مغشوشة) وهي عبارة عن البشلك قرشان ونصف والوزري خمسة قروش والعشرية متاليك والنوع الثاني عملة ذهبية وهي عبارة عن خيرية ومحمودية.

والحقيقة أن العملة المغشوشة فقط هي التي كانت رائجة في أسواق التجارة. وهي التي كانت الأيدي تتداولها في كل مكان وأما العملة الذهبية فقد كانت تباع وتشترى بقصد الزينة فقط.

ومن هذا نفهم أنه ليست النقود والمسكوكات التركية أو العثمانية فقط، وإنما النقود والمسكوكات الإنكليزية والفرنسية أيضًا حتى والروسية والإيطالية والنمساوية والبلجيكية الفضة منها والذهب كانت رائجة في بيت المقدس 1898 وكذلك قل عن الذهب المصري كان لكل نوع من هذه النقود التركية منها والأجنبية أربع قيم مختلفة وكان يطلق على هذه القيم خالصة ومغشوشة وصاغ وشرك.

أما القيمة الخالصة فإنها قيمة الشيء عندما تدفعها نقدًا ذهبًا كان أو فضة.

وأما القيمة المغشوشة فهي القيمة التي تدفعها بالعملة النحاسية.

وأما القيمة الصاغ فهي القيمة التي تحددها الحكومة وما كان يعمل بها إلا نادرًا وكلمة صاغ تركية معناها: سليم وصحيح أو غير فاسد.

وأما القيمة الشرك فهي القيمة التي تدفعها بالعملة الدارجة أصلها جوروك وهي تركية ومعناها فاسد.

إن القيم الثلاثة الأولى لا تتغير ولا تتبدل وأما القيمة الرابعة فإنها تتغير وتتبدل تبعًا للزمان والمكان وكان على عهد السلطان محمود 1808 نوع من العملة يسمى: القبق وهو خمس نحاسات والنحاسة وهي بارة واحدة والمتاليك وهو عشر نحاسات والقرش وهو أربعة متاليك والمجيدي وهو تسعة عشر قرشًا.

أما المتاليك فقد كان يصنع من النحاس الأحمر، ويطلى بنسبة 10% من الفضة وهو أصغر من النحاسة.. إنه عبارة عن عشر بارات وأما القبق فإنه عبارة عن نصف متاليك أي خمس بارات وكان يصنع من النحاس الأحمر ولكنه لا يطلى بالفضة وهو أكبر من النحاسة، وأما النحاسة فإنها كانت تصنع من النحاس الأحمر وهي أصغر من القبق وللقبق أجزاء هي: النصف والربع والثمن ومن أجزائه المعروفة السحتوت وأما البشلك والوزري فإنهما كانا يصنعان من النحاس ويطليان بماء الفضة وهذا هو السبب في تسمية هذا النوع من العملة بالعملة المغشوشة.

كان البشلك في البدء عبارة عن خمسة قروش أي عشرين متلكيًا ثم انخفضت قيمته إلى النصف أي قرشان ونصف القرش وبعبارة أخرى عشرة متاليك والمتليك عبارة عن عشرة بارات.

وهناك نصف البشلك وهو عبارة عن خمسة متاليك.

إنه أي البشلك هو العملة المغشوشة وقد سميت كذلك لأنها صنعت من النحاس المخلوط بالفضة ونسبة الفضة فيها 10%.

وفي زمن السلطان عبد المجيد ظلت المحمودية المغشوشة سائدة وهي النحاسة والقبق والمتاليك والبشلك والوزري غير أنه أضيف إليها المجيدي وهو مصنوع من الفضة الرباص الصافي والمجيدي كان عبارة عن تسعة عشر قرشًا ثم صار عشرين قرشًا ونصف المجيدي تسعة قروش ونصف وربعه خمسة قروش إلا ربع، والليرة العثمانية الذهب وهي عبارة عن مائة قرش.

وفي زمن السلطان عبد العزيز بقيت العملة المحمودية (أي البشلك والوزري والمتاليك والنحاسة والقبق) وكذلك العملة المجيدية أي المجيدي والنصف مجيدي والربع مجيدي والليرة الذهب من النقود الرابحة.

وكذلك في زمن السلطان عبد الحميد فإن العملة المتقدم ذكرها كلها ظلت سائدة ولم يزد عليها سوى أن المجيدي طبع من جديد وكذلك قل عن الليرة ذهب وقد طبع عليها اسم السلطان عبد الحميد والتاريخ الذي ضربت فيه.

وفي زمن السلطان رشاد ظلت جميع أنواع العملة المتقدم ذكرها سائدة إلا أنه أضيف إليها عملة من نوع النكل وهي عبارة عن:

قرش واحد = 40 بارة

نصف قرش = 20 بارة

ربع قرش = 10 بارات

احتفظ القرش بقيمته الأصلية وقدرته على الشراء مدة من الزمن ولكنه أخذ يميل إلى التدهور في أواخر العهد العثماني فبعد أن كان القرش الواحد في 5 جمادى الأولى سنة 1204 هـ – 1789 م يعادل ثلاثة فرنكات أو أربعة دراهم من الفضة والستة قروش ونصف القرش تعادل مثقالاً من الذهب أصبح القرش لا يعادل أكثر من 25 سانتيما من الفرنك سنة 1837 وصارت الليرة العثمانية تساوي 255 قرشًا والفرنسوية 222 قرشًا والإنكليزية 297 قرشًا وأما المجيدي فقد كانت قيمته 47 قرشًا ونصف القرش.

الناحية الاقتصادية في العهد التركي

إذا أردنا أن نلقي نظرة على الناحية الاقتصادية في العهد التركي 1517 – 1917م فإن علينا أن نرجع إلى السجلات القديمة المحفوظة في المحكمة الشرعية والتي تحدثنا بما فيه من قضايا وعقود وأوامر عن أخبار ذلك العهد أصدق الحديث ومتى رجعنا إلى تلك السجلات وجدنا أن نفقات المعيشة كانت رخيصة في ذلك العهد. ويتبين مبلغ رخصها إذا ما قيست بنفقات العيش في الأعوام التي تلتها وإليك البيان.

كان قاضي المسلمين بالقدس هو الذي يعين أسعار الحاجبات ونقرأ في أحد السجلات أن القاضي حسام الدين بحضور المحتسبين محمد بن داود وعلي بن محمد بن أبي جاموس قرر أن تكن أسعار الحاجيات التالية كما يلي: الزيت الطيب 48 بارة، السمن العناني 65 الدبس البلدي 15 الجبن 24 اللبن 3 الصابون العادي 40 الصابون المشمع 30 الصابون الأصفر 24 اللحم الضاني 15 لحم الماعز 13 اللحم البقري 8 وفي نفس الأمر حديث عن أسعار الزيت، والسكر النبات، والسكر الحموي، والعرق سوس، والفولاذ والحديد والشمع، والسيرج والطحين والخل والمشمش والنشا واللوز والقطين والبرقوق والفقوس والخيار والباذنجان والليمون والخبز والكماج حتى وملح الطعام.

وتقرأ أيضًا في السجل نفسه وفي السنة التي تلتها أن مولانا الأفندي نور الله، بعد استشارة المحتسب موسى بن داود قرر أن يكون سعر الكنافة المخروطة 4 بارات والقطايف 4 والكنافة الصينية 5 والسميد 6 والدقاق 6 والطحين 5 وجرة الطحينية من المعصرة 34 بارة ومن السوق 39 وقنطار العنب بوزن القدس الشريف ماية قطعة فضة سليمانية.

وعندما توفي المدعو جريس بن موسى الراهب الشامي البيطار من سكان القدس في 16 صفر سنة 971هـ – 1563م حصرت تركته بمعرفة القاضي.

وقد قدرت دار الميت الكائنة في حارة النصارى ب 20 سكة. ويظهر أن السكة كانت عبارة عن 100 بارة وفي 6 شوال 973 هـ 1565م عين ثمن المد من الشعير ب6 بارات.

وإنا إذا ما انتقلنا إلى الجيل الذي تلا ذلك الجيل وجدنا أن قنطار العنب الجندلي حددت قيمته بثلاثة غروش 15 رجب 1020هـ – 1211م ومد الدره بغرش واحد 12 شعبان 1042 هـ – 1632 م ومد الحنطة بست قطع مصرية شوال 1066 هـ – 1655م وقنطار الزيت بأربعين غرشًا ذي الحجة 1066 هـ – 1655م.

وأما أثمان الغنم فقد كانت كما يأتي:

ثمن الرأس الواحد من الماعز أو الضأن كان قرشًا أسديًا ونصف القرش فقد ابتاع رجل من رجل آخر 190 رأسًا من الماعز والضأن ب125 قرشًا أسديًا وابتاع آخر 1330 رأسًا منها بألفي قرش أسدي.

وبيعت فرس حمراء عالية كبيشة بثمن جملته من الذهب السلطاني ثمانون سلطانيًا ذهبًا وقطعتان من الفضة السليمانية.

وأما أثمان الأراضي والعقارات في ذلك العهد فقد حدثتنا عنها سجلات المتقدم ذكرها فقالت: إن الخواجا شرف الدين بن المرحوم الخواجا محمد شرف الدين قد اشترى من فخر المحصنات صفية خاتون حصتها وهي السدس أي ستة قراريط من أربعة وعشرين قيراطًا في جميع غراس الزيتون والتين والسفر جل الإسلامي وعدة أصوله تسعة عشر أصلاً الكائن في أرض السمار بظاهر القدس بثمن قدره خمسون غرشًا من الغروش الفضية الرائجة في يومنا هذا.

ولقد بيعت نصف الدار الكائنة بالنبي داود والمؤلفة من طبقتين مع منافعها بثمن جملته تسع وعشرون سلطانيًا.

وبيعت دار كائنة بحارة بني زيد بالقرب من رأس القصيلة وهي مشتملة على بيتين سفليين وإيوان ومطبخ ومرتفق وساحة سماوية بثمن جملته خمسة عشر سلطانيًا ذهبًا قبض البائع منها خمسة سلطانية والباقي مؤجلة إلى سلخ سنة من تاريخه.

وبيع نصف الدار الكائنة في حارة الواد المشتملة على بيتين سفليين وإيوان ودهليز وصهريج وبيت منهدم وشجرتي رمان ولوز بجميع حقوق ذلك وطرقه وجدره ومرافقه ومنافعه بثمن قدره عشرون غرشًا مقبوضة بيد البائع وحكم القاضي بصحة البيع.

وبيع ربع الدار الكائنة بمحله النصارى المشتملة على أربعة بيوت سفلية وسلحة سمايوة وصهريج بثمن قدره عشرون غرشًا أسديًا.

وبيعت في نفس التاريخ دار بباب العمود مؤلفة من طبقتين بثمن قدره ثلاثون غرشًا فضيًا أسديًا.

وبيعت دار بباب حطة وهي تشتمل على غرفتين وإيوان وصهريج ونافع مختلفة بخمسة وسبعين غرشًا وكان ذلك جمادى الأولى سنة 1140 هـ 1727م.

واشترى غطاس وحنا ولدا بشارة بن عظيم الرأي الرومي الحاضر معهما بالمجلس الشرعي جميع الحصة الشائعة وقدرها نصف قيراط من أصل كامل في جميع الدار القائمة البناء بالقدس الشريف بمحله النصارى المشتملة على علو

القدس في عهد السلطان سليم الأول

السلطان سليم الأول هو التاسع من آل عثمان والملقب نياورز ولقد اختلف المؤرخون في وصفه، فمنهم من قال أنه كان كثير البطش ومحبًا لسفك الدماء وشغوفًا بلذاته وسكره، ومن قائل أنه نابغة بني عثمان ورجلاً نافعًا وقديرًا، لكن أكثر الروايات التاريخية تشير بمعظمها إلى قوته وبطشه.

في حياة والده كان السلطان سليم الأول على خلاف شديد مع أخوته قورقود وأحمد من أجل ولاية العهد فقاتل أخويه وقتلهما، وبفضل مساعدة الانكشارية تمكن من خلع أبيه والاستيلاء على كرسي السلطنة وكان ذلك في شهر صفر سنة 918هـ 1512م.

تمكن السلطان سليم الأول من ضم العالم العربي إلى الدولة العثمانية على إثر انتصاره على المماليك في معركة مرج دابق في 23 آب سنة 1516 م وقتل سلطانهم قنصوه الغوري وإثر انتصاره ذلك تمكن من احتلال مدينة حلب ومن ثم استسلمت له مدن حماه وحمص ولم تلبث طرابلس وصفد ونابلس والقدس وغزة أن ألقت سلاحها ولم تعد إلى أية مقاومة.

حدد يوم دخول العثمانيين إلى مدينة القدس في 28/12/1516م أي في الرابع من ذي الحجة سنة 922هـ وبعد هذا التاريخ بيومين قام السلطان سليم الأول بزيارة خاصة لمدينة القدس، حيث عرج عليها خصيصًا وهو في طريقه إلى مصر.

في مدينة القدس (خرج العلماء والأتقياء عن بكرة أبيهم لملاقاة سليم شاه.. وسلموه مفاتيح المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ثم قدم السلطان الهدايا لأعيان البلد جميعًا وأعفاهم من الضرائب الباهظة وثبتهم في وظائفهم) وقد دامت زيارة السلطان سليم الأول للمدينة المقدمسة يومين وفي 1/1/1517م الموافق الثامن من ذي الحجة سنة 922هـ غادرها مستأنفًا رحلته إلى مصر.

وفي طريق عودته من مصر بعد أن تمكن من فتحها وإقامته بها عشرة أسابيع دبر خلالها شئون البلاد، توقف قليلاً في سوريا لكي يثبت فيها مركزه ويعمل على تنظيم شئونها فعمل على تقسيم بلاد الشام إلى ولايات وأصبحت مدينة القدس تشكل سنجقًا من سناجق ولاية دمشق التي كانت تشمل سناجق دمشق والقدس وغزة وصفد ونابلس وعجلون واللجون وتدمر وصيدا وغيرها وأقام على ولاية دمشق جان بردي الغزالي نائبًا للسلطنة كما استمر على التدابير التي اعتمدها المماليك في تلزيم الضرائب، وجعل المذهب الحنفي المذهب الرسمي في البلاد.

وفي سنة 1518م وأثناء إقامة السلطان سليم الأول بمدينة أدرنة عاصمة ملكه وصل إليه سفير من قبل ملك أسبانيا يسأله أن يبيح للنصارى الحج للقدس الشريف كما كان الحال أيام المماليك وذلك في مقابل دفع المبلغ الذي كان يدفع سنويًا للمماليك فأحسن السلطان مقابلته وصرح بقبوله ذلك إذا أرسل ملكه رسولاً آخر مخولاً بحق إبرام معاهدة مع الباب العالي.

وفي 9 شوال سنة 926هـ/ 1520م توفي السلطان سليم الأول عن عمر يناهز الحادي والخمسين عامًا وقد دام حكمه تسع سنين وأخفى خبر وفاته حتى حضر ولده سليمان من إقليم صاروخان وتبوأ عرش أبيه، وذلك تخوفًا من ثورة الانكشارية.

القدس في عهد السلطان سليمان القانوني

تولى السلطان سليمان الحكم بعد وفاة والده السلطان سليم الأول، وقد اشتهر بلقب القانوني وذلك لما وضعه من الأنظمة الداخلية في كافة فروع الدولة، فأدخل بعض التغييرات في نظام العلماء والمدرسين الذي وضعه السلطان محمد الفاتح وجعل أكبر الوظائف العلمية وظيفة المفتي.

تقدمت الفتوحات العثمانية في عهده تقدمًا عظيمًا ففي الوقت الذي قامت فيه الدولة العثمانية كان الأسبان والبرتغاليون يتلقون الدعم من مختلف دول أوروبا لمقاتلة المسلمين في الأندلس بغية إخراجهم منها تحت الراية الصليبية، فعمد العثمانيون الأتراك إلى محاربة الأوروبيين من جهة الشرق لتخفيف الضغط على المسلمين في الأندلس ولردع الصليبيين وإضعاف هجمتهم على البلاد الإسلامي، فأسفرت تلك الفتوحات عن توسع الدولة العثمانية وبلوغها أوج عزها في عهده.

وبما أن مدينة القدس كانت لها مكانة دينية هامة عند المسلمين عامة وعند بني عثمان بصفة خاصة، فقد أقيمت في المدينة المقدسة خلال سنوات حكم السلطان سليمان القانوني تعميرات ومنشآت كثيرة وعديدة تعد من أهم وأبرز مخلفات العهد العثماني، نذكر منها:

1 الحرم القدسي الشريف:

لقد اهتم السلطان سليمان بالحرم القدسي الشريف اهتمامًا بالغًا وبناء على أوامره تمت التعميرات التالية:

أ- قبة الصخرة المشرفة:

بدأ التعمير في المدينة المقدسة بترميم شامل لقبة الصخرة المشرفة، حيث استبدلت الزخرفة الفسيفسائية التي كانت تكسو الأجزاء العلوية من الجدران الخارجية للقبة بالخزف المزخرف بينما كسيت الأجزاء السفلية بالرخام الجيد، وقد أوجب هذا العمل ما حل بالكسوة الفسيفسائية من تلف وخراب بسبب العوامل الطبيعية وأصبح استبدالها أمرًا ضروريًا لوقاية البناء من نفاذ الرطوبة إلى الجدران، كما جددت نوافذ قبة الصخرة وثلاثة من أبوابها الأربعة.

ب- قبة السلسلة:

وهي تقع شرقي قبة الصخرة المشرفة وعلى بعد بضعة أمتار من بابها المعروف بباب داود وتسمى أيضًا (محكمة داود) وفيها صفان من الأعمدة، الصف الخارجي فيه أحد عشر عمودًا، والصف الداخلي فيه ستة أعمدة.

وقد أجمع المؤرخون أن بانيها هو الخليفة الأموي عبد الله بن مروان وأهميتها ليست من الناحية الدينية وإنما من الناحية الأثرية حيث لها شكل سداسي ولذلك فهي ليست نموذجًا لقبة الصخرة كما يعتقد البعض لأن قبة الصخرة ثمانية الشكل وقد جرى ترميمها عدة مرات كان آخرها في عهد السلطان سليمان حينما أمر بأن تُكسى أيضًا بالخزف المزخرف الجميل.

ج- باب الرحمة:

وهو من أجمل أبواب المدينة المؤدية مباشرة إلى داخل الحرم القدسي، ويعرف أيضًا بالباب الذهبي لجماله ورونقه، وقد أمر السلطان سليمان القانوني بسد هذا الباب في عهده بسبب خرافة سرت بين الناس آنذاك مفادها أن الفرنجة سيعودون ويحتلون مدينة القدس عن طريق هذا الباب.

د- قبة النبي:

وتسمى أيضًا محراب النبي وتقع غربي الصخرة المشرفة إلى الشمال بينها وبين قبة المعراج، وقد تم بناء محراب قبة النبي في سنة 945هـ/ 1538- 1539م وهو محراب مستطيل وجميل الشكل والتكوين وينحصر داخل أعمدة القبة، واسم منشئها محمد بك أحد ولاة القدس.

أما القبة ذاتها فقد تم بناؤها فيما بعد وبالتحديد في سنة 1261هـ/ 1845م أي في عهد السلطان عبد المجيد بن محمود الثاني وهي تتكون من ثمانية أعمدة رخامية لطيفة الشكل، يعلوها ثمانية عقود مدينة تشكل رقبة مثمنة لإقامة القبة عليها، وقد وضع نقشان حجريان كتب أحدهما بالعربية والآخر بالتركية فوق العقدين في الجهة الجنوبية داخل القبة، ويبين النقشان اسم المنشئ وسنة الإنشاء.

2 مأذنة جامع القلعة:

تم بناء هذه المأذنة في الجهة الجنوبية الغربية من القعلة الكائنة عند باب الخليل وذلك في عام 938هـ/ 1531م وهي تتكون من ثلاثة طوابق حجرية، يشكل أولها قاعدة المئذنة المربعة، ويليه الطابق الثاني وهو اسطواني الشكل، ويعلوه الثالث اسطواني الشكل أيضًا لكنه اصغر حجمًا من الطابق الثاني، وفي منتصفه بناء صغير يشكل طاقية المئذنة.

3 سور المدينة وأبوابها:

منذ أن دمر الملك المعظم عيسى الأيوبي أسوار مدينة القدس سنة 1219م ظلت المدينة عمليًا بلا أسوار لمدة تتجاوز الثلاثمائة عام، فأراد السلطان سليمان إعادة بناء سور المدينة لتحقيق هدف مزدوج منه، أحدهما لحماية المدينة من الغزاة الأجانب من جهة، ولحمايتها من غارات العربان من جهة ثانية، فتم بناء السور حول مدينة القدس القديمة، وهو يجري على خط سور مدينة ايليا كبيتولينا القدس التي أعاد بناءها الامبراطور الروماني هدريانوس سنة 135م بعد خرابها الثاني وأطلق عليها هذا الاسم.

استمر بناء السور خمس سنوات (943هـ – 947هـ / 1536 م – 1540م) واقتضى نفقات طائلة وتبين سجلات المحكمة الشرعية في القدس أنه كانت تنظم حملات لتمويل المشروع في مختلف أنحاء فلسطين وذلك لإكمال المخصصات التي كانت ترصدها الحكومة المركزية لهذا المشروع.

والسور الضخم الذي بناه السلطان سليمان القانوني لا يزال قائمًا حتى يومنا هذا، ويبلغ حوالي الميلين ومعدل ارتفاعه أربعين قدمًا، ويبلغ عدد أبراج السور في الوقت الحاضر 34 برجًا وله سبعة أبواب، وتم بناء وتعمير ستة منها في عهد السلطان سليمان وهذه الأبواب هي:

أ- باب العامود:

ويسمى باب دمشق وباب النصر أيضًا، وهو باب رئيسي مشهور من أبواب المدينة المقدسة والمنفذ الرئيسي لها، ويقع في منتصف الحائط الشمالي لسور القدس تقريبًا، وقد أعيد بناؤه في عهد السلطان سليمان في سنة 944هـ / 1538م ويشير طراز بنائه إلى أثر العمارة العسكرية في تصميمه.

ب- باب الساهرة:

ذكره المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم) باسم جب أرميا وهو المعروف عند الغربيين باسم باب هيرودس ويقع إلى الجانب الشمالي من سور القدس على بعد نصف كيلو متر شرقي باب العامود، وقد أعيد بناء هذا الباب في سنة 944هـ / 1538م حيث يوجد نقش حجري يبين اسم السلطان وألقابه وتاريخ تجديده.

ج– باب الأسباط:

يعرف أيضًا هذا الباب باسم باب ستنا مريم وباب الأسود، ويقع شمالي الحرم إلى الشرق. وهو باب قديم العهد رمم وأصلح عدة مرات كان آخرها في عهد السلطان سليمان سنة 945هـ / 1538 – 1539 وله ساقطة لصب الزيت المغلي على الأعداء ومزغل لرمي السهام.

د- باب المغاربة:

ويسمى باب سلوان أو باب الدباغة أيضًا ويقع في الحائط الجنوبي لسور القدس، ويختلف هذا الباب عن بقية أبواب القدس الأخرى بأنه أصغرهم حجمًا ومن حيث البساطة في التكوين المعماري وقد حدد هذا الباب في سنة 947هـ / 1540م.

هـ- باب النبي داود:

ويعرفه الغربيون باسم باب صهيون، وقد جددت عمارته في سنة 947هـ / 1540 – 1541م.

و- باب الخليل:

ذكره المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم) باسم باب محراب داود، ويسمى أيضًا باب يافا، وقد جددت عمارته في سنة 945هـ / 1358 – 1359م.

4 المنشآت المائية:

أولى السلطان سليمان مشكلة المياه المزمنة في مدينة القدس عنايته الفائقة حيث خصصت مبالغ طائلة من الأموال لبناء المنشأت المائية ولإصلاحها وصيانتها.

أ- قناة السبيل:

تم تعمير هذه القناة التي كانت تزود مدينة القدس بالماء من البرك والينابيع الكائنة بين مدينتي الخليل وبيت لحم. والتي سميت فيما بعد باسم السلطان أي برك سليمان.

ب- بركة السلطان:

تم في عهده أيضًا ترميم البركة الموجودة في داخل المدينة والواقعة خارج باب الخليل، والمعروفة بهذا الاسم.

ج- تم بناء ستة أسبلة جميلة هي:

1- السبيل الواقعة قبالة بركة السلطان في جانبها الجنوبي.

2- السبيل الواقعة في طريق الواد قرب سوق القطانين.

3- السبيل الواقعة بالقرب من الحرم إلى الشمال من باب شرف الأنبياء.

4- السبيل الواقعة عند ملتقى الطرق المؤدية إلى طلعة التكية وباب الناظر وهو من أبواب الحرم.

5- السبيل الواقعة بالقرب من باب الأسباط وعند باب السلسلة أمام المدرسة التنكزية وتظهر على هذه الأسبلة نقوش تدل على سنة بنائها وهي سنة 943هـ / 1536م.

5 رباط بيرام جاويش (المدرسة الرصاصية):

تم بناء هذا الرباط على يد الأمير بيرام جاويش بن مصطفى سنة 947هـ / 1540 – 1541م في عهد السلطان سليمان ويبدو ذلك من نقش مكتوب بأعلى مدخل الرباط.

يقع هذا الرباط عند ملقتى طريق الواد بطريق باب الناظر وعقبة التكية، ويتكونمن طابقين يتم الوصول إليهما عبر مدخل شمالي جميل الشكل ويعلو بارتفاع طابقي البناء وهو مزخرف بالأحجار الملونة، ويؤدي المدخل إلى دركاة تفتح على ساحة مكشوفة في الطابق الأول من الجهة الشرقية، وفي الجهة الغربية درج يسير باتجاه الجنوب ثم ينعطف غربًا للوصول إلى مختلف أجزاء الطابق الثاني وملحقاته ويضم الطابق الثاني عددًا من الساحات المكشوفة وأكبرها الساحة المركزية، كما يضم مسجدًا جميل الشكل والتكوين وغرفًا وقاعات.

لقد تم ترميم هذا البناء الذي يعتبر من النماذج الجميلة للفن المعماري الإسلامي في القدس عدة مرات، فهو مجمع معماري متميز من حيث المساحة والإبداع، وكان يضم مكتبًا لتعليم الأولاد القراءة والكتابة مجانًا أي (كُتاب) وأصبح يطلق عليه فيما بعد أي في العصر العثماني المتأخر باسم المدرسة الرصاصية ولعل هذه التسمية جاءت من استعمال ألواح الرصاص في ربط مداميك الحجارة بعضها ببعض نظرًا لقلة وجود مادة الجير عند إقامة البناء، والمدرسة اليوم هي جزء من أبنية مدرسة دار الأيتام الإسلامية داخل السور.

6 مكتب بيرام جاويش:

وهو من الملحقات البنائية للرباط ويقع في الجهة الشمالية لعقبة التكية عند التقائها مع طريق الواد وقد بناه الأمير بيرام جاويش بنمصطفى سنة 947هـ / 1540 – 1541م في عهد السلطان سليمان القانوني ويتكون هذا المكتب من بناء مربع الشكل تغطيه أقبية متقاطعة وفي وسط ضريح منشئه.

7 تكية خاصكي سلطان:

أنشئت على يد زوجة السلطان سليمان وهي روسية الأصل واسمها روكسلانه والمعروفة باسم خاصكي سلطان (أوخرم) وكان ذلك في سنة 959هـ / 1551 – 1552م وسرعان ما أصبحت هذه التكية أهم مؤسسة خيرية في فلسطين.

كانت التكية مجمعًا بنائيًا ضخمًا يضم مسجد وخان ورباط ومدرسة ومطبخ وتقع اليوم خلف دار الأيتام الإسلامية وعلى بعد أمتار قليلة من رباط بيرام كان المطبخ وهو قائم الآن بشكل دكة باتت على وشك الزوال يقدم يوميًا مئات الوجبات إلى يومنا هذا يقدم الوجبات مجانًا إلى الفقراء والمحتاجين.

ولقد أوقفت خاصكي سلطان وقفًا ضخمًا للإنفاق على التكية، وقد ضم الوقف عدة قرى ومزارع في أربعة سناجق وألوية في سوريا وفلسطين ومعظمها بجوار مدينة الرملة كما أوقف السلطان سليمان عليها بعد وفاة زوجته أربع قرى ومزارع في ناحية صيدا.

في عهد السلطان سليمان القانوني صكت نقود جديدة سميت باسمه (الفضة السليمانية) كما تم فرض رسوم على زوار كنيسة القيامة (القبر المقدس) وفي سنة 926هـ / 1520م عهد إلى آل أبو غوش حراسة طريق القدس – يافا وأجيز لهم أن يحصلوا من السياح والسالكين لتلك الطريق بعض العوائد المقررة، وفي عام 1566م وبينما كان السلطان سليمان في طريقه لصد هجمات النمسا عن بلاد المجر التابعة لسيادته أصيب بمرض النقرس، واشتد عليه المرض حتى وافته المنية في 20 صفر سنة 947 هـ / 1566 م.

 

القدس خلال القرن السابع عشر

في بداية القرن السابع عشر بدأت تظهر تصدعات خطيرة في كيان الدولة العثمانية، وذلك نتيجة لضعف سلطة الحكومة المركزية مما كان له أكبر الأثر في تدهور الوضع الأمني في الأقاليم والولايات وخصوصًا في مدينة القدس وعلى الطرق المؤدية إليها.

وعلى الرغم من اتخاذ الحكومة المركزية لإجراءات وتدابير مختلفة لضبط الأمن مثل إنشاء عدة قلاع مختلفة، إلا أنها فشلت في فرض النظام العام وصيانة الأمن وذلك لعدم قدرتها على تخصيص لأموال والقوات الكافية لتطبيق هذه الإجراءات بالشكل الصحيح، وذلك لتوريطها في الحروب الخارجية على الجبهتين الشرقية والغربية منها.

ومن جهة أخرى لاقي العثمانيون صعوبات كبيرة وكثيرة في محاولاتهم لحل النزاعات بين الطوائف المسيحية المختلفة الموجودة في مدينة القدس، والمدعومة من قبل الدول الأوروبية حول الأماكن المسيحية في المدينة. فقط ارتبط تاريخ هذه الطوائف في الأوروبية، وتنافس هذه الدول فيما بينها وحرص كل منها على زيادة نفوذها في الأراضي المقدسة.

ففي سنة 1621م جرت محاولة تعيين أول قنصل لفرنسا في مدينة القدس هو م.جان لامبرور M.Jean Lempereur ولكن تعيين هذا القنصل اصطدم بمعارضة قوية من قبل أهل القدس وقضاتها وحكامها ووجهائها، فما لبث أن صدر الأمر السلطاني بترحيل السيد لامبرور عن المدينة المقدسة.

جددت فرنسا محاولاتها لتعيين قنصل آخر مكانه، فأصدر السلطان مصطفى الأول وفي ذات العام 1621م فرمانًا سلطانيًا جديدًا يقضي بتعيين السيد دارامون Daramon قنصلاً فرنسيًا مقيمًا في القدس، وقوبل هذا الفرمان أيضًا بالسخط الشديد من أهل المدينة لتخوفهم من المطامع الأوروبية في المدينة، فعقد ممثلو المدينة اجتماعًا في المسجد الأقصى، وكتبوا عريضة أكدوا فيها أن تعيين السيد دارامون كان بدعة خطيرة تتعارض مع ما جرت عليه العادة في القدس، ولذلك فلا بد من إلغائه.

قال واضعو العريضة: ( إن بلدنا محل أنظار الكافرين إذ حل سعيهم وعملهم عليها ومع ذلك قرب الأسكلة ( أي ميناء يافا ) على ثماني ساعات ونحن نخشى من جلب أناس آخرين غيره بدسائس يعملها المذكور مع ما عندنا منهم الآن. ونخاف من الاستيلاء علينا بسبب ذلك كما حصل في الزمن السابق مرارًا).

استجاب السلطان إلى مطالب السكان ووجهاء المدينة، وما لبث التعيين أن ألغى وطرد القنصل. وفيما يلي النص الكامل للوثيقة المرفوعة إلى السلطان:

( نص الوثيقة )

الحمد لله الذي وفق لسلوك منهاج العدالة من اختاره من العباد والصلاة والسلام على النبي الهادي المبين لسبيل الرشاد وآله وصحبه أولي العزم والسداد. وبعد فإن قطان البيت المقدس الشريف والمعبد الأسني المنيف أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين من العلماء والأشراف والخطباء والأئمة الصلحا والفقراء المجاورين وساير أهالي البيت المقدس من العامة والخاصة قايمين على أقدام الابتهال رافعين أكف الضراعة والسؤال بدوام أيام السلطان العالم ملك الملوك على خليقته من بني آدم خاقان البحرين وخادم الحرمين الشريفين وحامي البيت المقدس جامع كلمة الإيمان واسطة عقد الخلافة بالنص والبرهان مولانا السلطان مصطفي خان بن السلطان محمد خان خلد الله ملكه وسلطانه وأيد أركان دولته الشريفة بالنصر المبين إلى يوم الدين ينهون أنه لما ورد إليهم ديرمون القنصل ببرأة خاقانية من مضمونها أننا رفعنا القنصل لامبرور ووضعنا مكانه ديرمون والحال أن المرفوع لم يعد له مكوث ولا لأحد من القناصل قبله عندنا من زمن الفتح العمري والصلاحي وإلى الآن، ومن مضمونها أنه يعامل معاملة بيكاوات المسلمين وأن مراده الركوب ويتقلد بالسلاح، فقوبلت البرأة بالقيد بالسجل المحفوظ إطاعة لأمر مبديها نصره الله تعالى، فاجتمع العلماء والصلحا والأبيك السباهية والزعما وأرباب التيمار ودزدار القلعة المحفوظة والنيكرجية الخاصة والعامة بالمسجد الأقصى الشريف بقبة السلسلة المعروفة بمحكمة داود على نبينا وعليه السلام وأعرضوا حالهم على قاضي الشرع الشريف المولى شريف أفندي وحاكم الولاية عوض باشا بأن مكوث هذا القنصل على هذه الهيئة والصنعة التي يباشرها مخالفة لما نصت عليه المذاهب الأربعة وما شرطه الإمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين فتح بلادنا عنوة المبين ذلك في كتاب التاريخ والعلماء الأبرار والمحققين الأخيار مع بغية الشروط عليهم، فإنه لم يعهد من زمن سيدنا الإمام عمر ومن بعده الخلفاء الراشدين ومن بعده ومن بعد الخلفاء ومن جاء بعدهم من دولة آل عثمان أجدادك الماضين تغمد الله الجميع بالرحمة والرضوان وأسكنهم فراديس الجنان إلا رهبان معينين في القدس الشريف وخارجها كما شرط الإمام عليهم فيما عهد إليهم. فإن أقام عندنا هذا القنصل المزبور وركب الخيل وتقلد بالسلاح يلزم من مفسدة عظيمة لا سيما أن بلدتنا محل أنظار الكافرين دمرهم الله أجمعين إذ حل سعيهم وعملهم عليها كما لا يخفى سدة سعادتكم العلية، ومع ذلك قرب الاسكلة المينا على ثماني ساعات. ونحن نخشى من جلب أناس آخرين غيره بدسائس يعلمها المذكور مع ما عندنا منهم الآن ونخاف من الاستيلاء علينا بسبب ذلك كما حصل في الزمن السابق مرارًا . فجناب المولى بالقدس الشريف والوالي أنعما علينا بعرضين مضمونهما ما سبق وأمراه بالخروج من بين أظهرنا طبقًا للشريعة المطهرة ولعدم التنصيص بسكناه عندنا واحترامًا لهذه البقاع الشريفة من حلول الأدناس بها إلى مدينة صيدا مكان القنصل الأول المقام مكانه لكون أن قبله من القناصل من قديم الأيام ومرور الشهور والأعوام إقامتهم بصيدا. فالمرتجا من الصدقات السلطانية والمراحم العليا الخاقانية رحمة منكم وشفقة على سكان هذا البيت المقدس وتطيرًا لمراقد الأنبياء العظام أمرًا شريفًا سلطانيًا يدفعه عن المكوث في هذه الديار ليتضاعف لحضرتكم الأجر من رب البرية والأمر أمركم.. أيد الله دولتكم العلية مدى الدوام بجاه خير الأنام وآله وصحبه الكرام).

أما على صعيد العلاقات الدولية للدولة العثمانية، ففي إبان حكم السلطان مراد الرابع في الفترة (1622-1639) تردت العلاقات بين الدولة العثمانية وفرنسا على إثر طرده لليسوعيين من استنبول بتحريض من السفير البريطاني والهولندي سنة 1628، ثم أصدر السلطان مراد الرابع سنة 1634 ثلاثة فرمانات سلطانية منحت الروم حق التصدر والتقدم على اللاتين في الاحتفالات الدينية في القبر المقدس (كنيسة القيامة) وأماكن ملك فرنسا والبابا أوربانوس الثامن حتى صدر جديد سنة 1636 يؤيد حقوق اللاتين.

وفي عام 1670 تقدم سفير فرنسا لدى الباب العالي يطلب تجديد الامتيازات على أساس مشروع فرمان ينص في مطلعه على الاعتراف بملك فرنسا حاميًا للمسيحية في بلاد الدولة العثمانية على أن تشمل الحماية الفرنسية أبناء الدولة العثمانية من المسيحيين الكاثوليك، وأن يتعرف بما تخططه فرنسا من حقوق للاتين والروم الأرثوذكس وغيرهم من الطوائف المسيحية في بيت المقدس وبيت لحم. ودارت في هذا الصدد مفاوضات طويلة بين الصدر الأعظم وسفير فرنسا مسيو نوينتل M.De.Nointel انتهت برفض الباب العالي التوسع في امتيازات الحماية الفرنسية وقصرها على الكاثوليك اللاتين.

وفي عام 1673 تمكنت فرنسا من استغلال الصعوبات التي كانت تعترض الدولة العثمانية بفرض نسخة جديدة من الامتيازات الأجنبية وتأكيد دورها

( كحامية للكاثوليك ).

وفي عام 1676 أرغمت بولندا الحكومة العثمانية على إثر معاهدة عقدتها مع الباب العالي على إعادة الفرنسيسكان إلى القبر المقدس.

أما في السنوات الأخيرة من القرن السابع عشر، كانت الدولة العثمانية في حالة حرب مع كل من النمسا وبلاد فارس، وأسفرت الحروب مع النمسا عن خسائر فادحة مني بها الجيش العثماني أمام أسوار فينيا VIENNA سنة 1683، كما اشتركت روسيا والنمسا وبولندا والبندقية في حربها ضد الدولة العثمانية في الفترة (1683 1689)، والتي أسفرت بعد الهزائم العسكرية للدولة العثمانية على عقد صلح أطلق عليه اسم كارلوفيتز KARLOVITZ سنة 1689، والذي نتج عنه خسائر فادحة وكبيرة في مواقع الدولة العثمانية سواء في البلقان أو جنوبي روسيا، كما حصلت النمسا بموجبه على حق تمثيل المصالح المسيحية فيما يتعلق بالأماكن المقدسة في القدس.

وفي سنة 1690 صدر فرمان سلطاني بتمكين رهبان اللاتين الكاثوليك في القدس من الاستيلاء على الأماكن المقدسة، والذي اعتبر وثيقة لها أهميتها ومرجعًا لجميع الاتفاقيات والمؤتمرات التي تناولت موضوع الأماكن المقدسة وحقوق الطوائف فيها بالبحث.

ويتبين من هذا كله كيف كانت للتطورات الدولية أثرها المباشر في المدينة المقدسة، وكيف أن الأمور كانت كثيرًا ما تتعقد وتشتد الخلافات بين الطوائف المختلفة من الروم واللاتين والأرمن وتتحول إلى مصادمات عنيفة، وحدث هذا عدة مرات في القرن السابع عشر، وعلى سبيل المثال ما حدث سنة 1661و1669و1674م.

وقد كتب هنري موندريل القسيس الإنجليزي الذي زار القدس سنة 1697 م في هذا الشأن (والشيء الذي كان على الدوام الجائزة الكبرى التي تتنافس عليها طوائف عدة، إنما هو السيطرة على القبر المقدس والاستيلاء عليه، وهو امتياز يتقاتلون عليه بكثير من الضراوة والعداء المنافيين للمسيحية، وخصوصًا اليونان واللاتين حتى أنهم في نزاعهم حول أي فريق منهم يدخل للاحتفال بالقداس يلجئون أحيانًا إلى تسديد الضربات والجروح، حتى عند باب القبر المقدس ذاته).

القدس خلال القرن الثامن عشر

كشفت الدراسات والأبحاث العلمية الحديثة عن بعض الجوانب الخاصة والمميزة بالمدينة المقدسة خلال القرن الثامن عشر نذكر أهم جوانبها :

1 الأوضاع الثقافية :

دلت المصادر التاريخية على زيادة عدد العلماء في القدس في القرن السابع عشر، فقد ذكر حسن عبد اللطيف الحسيني في تراجم أهل القدس في القرن الثاني عشر للهجرة، أسماء 74 عالمًا في المدينة، منهم العالم محمد الخليلي الذي توفى عام 1734، والعالم محمد بن بدير الذي عاش في الفترة (1747-1805)، وكلاهما من رجال التصوف المشهورين، وقد دلت الدراسات على أن معظم علماء القدس وفلسطين في القرن الثامن عشر تلقوا تعليمهم العالي في مصر وخصوصًا في جامع الأزهر أو في دمشق واستنبول، وكان هناك عدد كبير من المكتبات الخاصة العائدة لعلماء المدينة.

وفي تلك الحقبة الزمنية كانت مدينة القدس لا تزال تجتذب العلماء من الأقطار المختلفة، ومن بين زوارها أو من أقاموا فيها العالم عبد الغني النابلسي ومصطفى البكري من دمشق ومصطفى أسعد اللقيمي من دمياط وعلى الخلفاوي من القاهرة.

وعلى الرغم من زيادة عدد العلماء في المدينة في تلك الفترة، إلا أن المدارس كانت في حالة تدهور وانهيار، والطلاب الذين كانوا يطلبون التعليم العالي كان يتحتم عليهم السفر إلى خارج البلاد، وبعد أن كان ما يقرب من 56 مدرسة قائمة في العصر الأيوبي، لم يبق منها في أواسط القرن الثامن عشر إلا 35 مدرسة لا غير، وفي نهاية القرن تناقص العدد كثيرًا.

2 الأوضاع الاقتصادية:

كان سكان مدينة القدس خلال القرن الثامن عشر يعتمدون على موارد خاصة ومميزة بمدينتهم لوضعها القدسي المميز، ومن أهم هذه الموارد:

أ إيرادات الأوقاف:

على الرغم من أن إيرادات الأوقاف كانت تعتبر أهم مورد اقتصادي للمدينة وأهلها، إلا أن أهم ما تميز به القرن الثامن عشر هو تسارع عملية انقراض الأوقاف في المدينة على الرغم من فرضية دوام الأوقاف أبد الدهر.

أما سب انقراضها فهو يرجع إما لانعدام الصيانة لمباني الأوقاف، أو بفعل عوامل الفساد واللجوء إلى أساليب قانونية مختلفة أدت إلى تجزئة الأوقاف أو انتقال ملكيتها إلى الآخرين وذلك إما عن طريق الإجارة الطويلة لعقارات أو استبدال هذه العقارات بالمال النقدي أو بيعها.

وكانت أكثر التدابير شيوعًا لإنشاء حقوق خاصة في أموال الوقف هو الإجراء المعروف بالخلو الذي يسمح بموجبه للمستأجر أن يعمر الوقف ليصبح ما أنفقه عليه حقًا مكتسبًا له تجاه هذا الوقف. كما كانت عملية الإجارة الطويلة للأوقاف تؤدي في الواقع إلى اغتصابها أو انتقالها إلى غير المسلمين.

وقد أعرب الشيخ محمد الخليلي في وقفيته المؤرخة سنة 1726 عن صدمته وألمه لانتقال أموال الأوقاف إلى الغرباء، مؤكدًا ما يحمله هذا الانتقال من علامات الخطر لمدينة القدس.

ب المنح الحكومية والخاصة:

نظرًا لقداسة المدينة اعتمد سكانها في معيشتهم بالإضافة إلى واردات الأوقاف على الإيرادات التي تولدها الدوافع الدينية إلى حد كبير، فقد كان أهل القدس يتلقون منحًا مالية من جهات مختلفة. فالحكومتان العثمانية والمصرية كانتا ترسلان منحًا سنوية تعرف باسم ( الصرة ) ليتم توزيعها وفق قوائم خاصة على عدد كبير من الفقراء وغيرهم.

أما بالنسبة للاجئين اليهود وقد ازدادت أعدادهم في القدس خلال القرن الثامن عشر خاصة بعد وصول بضع مئات من اليهود الحسيديم القادمين من بولونيا سنة 1777م، الأمر الذي دفع بالجاليات اليهودية في أوروبا ومصر وغيرهما إلى جمع وإرسال المساعدات الخيرية إلى القدس وكذلك أرسل ملوك أوروبا وخاصة ملك أسبانيا مبالغ كبيرة من الأموال إلى الفرنسيسكان في القدس.

ج الدخل من الحجاج :

وكان هذا المصدر هامًا وآخر لدخل أهل المدينة، فقد كان من عادة الحجاج المسيحيين أن يمكثوا في مدينة القدس خمسة أو ستة أشهر كل عام، وبالتالي كانوا ينفقون مبالغ كبيرة في المدينة، ومع أن عدد الحجاج الأوروبيين تناقص بشكل كبير في القرن الثامن عشر ويرجع السبب في ذلك إلى ازدياد أنصار العلمانية في أوروبا، إلا أن الأمر كان مختلفًا بالنسبة للمسيحيين الشرقيين الذين بلغ عددهم سنة 1784 ألفي حاج.

د الدخل الوارد من صناعة أدوات التعبد وتصديرها :

اشتهر أهل القدس بصناعة أدوات التعبد من المسابح والصلبان وغيرهما من الأدوات، فكان لهذا المصدر من الدخل أهمية كبيرة للمسلمين والمسيحيين على حد سواء، كما كان يصدر من هذه الأدوات كالمسابح والصلبان وذخائر القديسيين 300 صندوق سنويًا إلى تركيا وإيطاليا والبرتغال وأسبانيا بشكل خاص.

3 الأوضاع العمرانية للمدينة :

القدس في تلك الفترة، ومن بينها أنه كان يوجد فيها كثير من الكروم وأشجار الفاكهة كالتين والزيتون والعنب والتفاح والرمان والتوت والأجاص واللوز …… الخ، سواء في المدينة أو خارجها.

في حين أننا نجد هذا يتعارض مع أقوال الزوار الأوروبيين الذين سعوا إلى تأكيد النواحي السلبية في المدينة، فعلى سبيل المثال تحدث داريفوا عن الخراب الشامل والأراضي المهملة وقطاع الهائمين في البلاد، وعن منطقة اليهود الجبلية المجدبة. وكذلك فعل السائح الفرنسي فولني VOLNEY الذي زار مدينة القدس سنة 1784 وتحدث عن أسوارها المساواة بالأرض، وفنادقها الممتلئة وجميع مبانيها المثقلة بالأنقاض.

ولكن على الرغم من وجود بعض المناطق المهملة في مدينة القدس في تلك الفترة وهو أمر طبيعي، كانت هناك أيضًا عدة دارات وقصور منها قصور جار الله بن أبي اللطف، ونور الدين الجماعي (الخطيب)، وصالح العسلي. كما كان  هناك قصران بناهما الشيخ محمد الخليلي خارج أسوار المدينة. وقد أكد الخليلي في وقفيته على أهمية عمارة القدس وشحنها بالسكان قائلاً: (إرهابًا للعدو وإغاظة له وقطعًا لأطماعه).

لكن ما هو مؤكد منه أنه لم توجد أية وثائق عن مشروعات عمرانية عامة وكبيرة في القدس خلال هذه الفترة باستثناء أعمال الترميم الدائمة في منطقة الحرم الشريف حيث جرت أعمال الترميم في قبة الصخرة في السنوات 1705و1735و1752و1780.

القدس والدولة العثمانية في أوائل القرن التاسع عشر

أولا القدس في عهد السلطان محمود الثاني: حكم في الفترة (1808-1839):

في بداية القرن التاسع عشر كان على رأس سدة الحكم في الدولة العثمانية السلطان محمود الثاني، الذي حاول إحداث بعض الإصلاحات في أجهزة الدولة فكان من أهمها القضاء على الانكشارية وإصلاح الجندية، إلا أن هذه الإصلاحات لم تحدث سوى تغيير بسيط وجزئي في أحوال البلاد التي استمرت في الانحدار والتراجع الكبير أمام تقدم وازدهار الدول الأوروبية في تلك الآونة. أما بالنسبة للمدينة المقدسة فقد كان حكمها خلال الجزء الأعظم من الثلث الأول في القرن التاسع عشر في يد والي صيدا على الرغم أنه كان عادة يتبع والي دمشق.

بعد وفاة والي صيدا أحمد باشا الجزار سنة 1804، تلاه سليمان باشا (1804-1818) الذي تلاه بدوره عبد الله باشا (1818-1831)، وخلال هذه الفترة تولى حكم القدس عدد من الحكام المحليين الذين كان يدعى الواحد منهم بـ (المتسلم)، وقد تولى متسلم يافا محمد أبو المرق حكم القدس في خلال السنوات (1802-1803) و(1805-1807)، لكنه كان مكروهًا من قبل العامة من الناس لكثرة استبداده وتسلطه على أهل يافا والقدس والخليل والرملة وغزة، وقد ضاق أبو المرق بالحجاج المسيحيين أيضًا وفرض عليهم الإتاوات الباهظة.

أما عن واقع المدينة، فمن خلال مشاهدات الزوار والسواح الأجانب للمدينة في أوائل القرن التاسع عشر، فقد قال أحدهم أنه لم ير أثرًا للمدارس التي كانت تحيط بالحرم فقد اختفت، وهى تلك المدارس التي رآها السائح (أوليا جيلي) في الأروقة المحيطة بالحرم في القرن السابع عشر، وسبب اختفائها في الغالب هو انقراض أوقافها كما سبق الحديث عنه في الفصل السابق.

ويذكر السائح والعالم الألماني سيتزن SEETZEN الذي زار المدينة عام 1806م أن هناك مصنعًا كبيرًا للجلود قرب كنيسة القبر المقدس (كنسية القيامة) وكذلك عددًا من المشاغل بينها 5 طواحين و25 فرنًا ويبدو من وصفه للمهن المحلية أنه كان في مدينة القدس 700 من أصحاب الصنائع والتجار كحد أدني.

أما عن الجانب السكاني للمدينة فقد قدر السائح SEETZEN سكان المدينة سنة 1806 بحوالي 12 ألف نسمة. في حين قدر السائح فولني VOLNEY الذي زار المدينة في فترة سابقة أي سنة 1784 في أواخر القرن الثامن عشر بأن عدد سكانها حوالي 12 ألفًا أو 14 ألف نسمة. ولأنه من غير الممكن إعطاء أرقام دقيقة لغياب الإحصاءات الرسمية للسكان، فإن العدد حسب هذه التقديرات وغيرها لم يتجاوز 14 ألف نسمة والمسلمون كانوا يشكلون الكثرة الساحقة.

ومن أشهر علماء القدس في تلك الفترة موسى الخالدي (1767-1832) وكان عالمًا بارزًا ومؤلفًا في الفقه، وقد تمتع باحترام كبير لدى السلطان محمود الثاني وفي الدوائر العلمية في استنبول، وقد شغل في وقت متأخر من حياته منصبًا هامًا هو قاضي عسكر الأناضول، وهو أحد أعلى ثلاثة مناصب قضائية في الدولة العثمانية .

أما أهم التعميرات والترميمات التي تمت في مدينة القدس خلال السنوات الأولى من القرن التاسع عشر وبأمر من السلطان محمود الثاني فهي :

1 في سنة 1812 عمّر متسلم القدس كنج آغا قناة السبيل التي تجري فيها مياه برك سليمان إلى القدس.

2 في سنة 1816 قام سليمان باشا والي صيدا بترميم المسجد الأقصى على نفقته الخاصة وأنشئ معمل خاص للقيشاني في مدينة القدس يسد احتياجات المسجد الأقصى منه في عمليات الترميم.

3 في عامي 1817-1818 قام الوالي سليمان باشا بتنفيذ أعمال ترميم كبيرة في قبة الصخرة المشرفة كان السلطان محمود الثاني أمر بها، واستمرت هذه الترميمات إحدى وعشرين شهرًا وبلغت تكاليفها 4000 كيس.

 

ومن الحوادث الهامة التي شهدتها المدينة المقدسة في عهد السلطان محمود الثاني نذكر منها ما يلي:

الحادثة الأولى :

في سنة 1808 دمر حريق الجزء الغربي من كنيسة القيامة، واتهم الأرمن بإشعال النار في الجزء المخصص لهم من الكنيسة في محاولة لتغيير الوضع الراهن STATUS QUO وقدمت الطوائف جميعها عروضًا لإعادة التعمير في الكنيسة وبعد كثير من البيانات والاحتجاجات، نجح الروم في الحصول على إذن لمباشرة العمل.

وفي تلك الأوقات كان السلطان محمود الثاني قد تأكد من حالة الفوضى والفساد التي حلّت بقوات الانكشارية، وأنها من أكبر أسباب تأخر الدولة العثمانية إزاء تقدم الدول الأوروبية المستمر والتي كانت تعتمد الأنظمة العسكرية في إدارة جيوشها، فأصدر أوامره السلطانية بضرورة انضمامهم إلى الجيش، وعلى إثر إسناد مهمة حماية قلعة القدس إلى جنود آخرين محلهم قام الانكشاريون بثورة ضد الدولة، وأخذوا يعيثون فسادًا بالمدينة، حتى أنهم حرّضوا السكان المسلمين على عرقلة أعمال التعمير في كنيسة القيامة. وتلا ذلك ثورة عارمة وطرد الثائرون متسلم المدينة واعتصموا بالقلعة.

ولما علمت دمشق بما جرى استنجد واليها بسليمان باشا والي صيدا الذي أصدر أوامره بتجريد حملة لتأديب العصاة بقيادة ضابط مغربي يدعى أبو زريعة وأمره بفتح القدس وقطع دابر الفتنة.

بعد وصول الحملة إلى القدس أخذ العفيفي رئيس الانكشارية وأبو زريعة والمتسلم ينصحون المتمردين بالانصياع للأوامر والانضباط، لكنهم لم يستجيبوا للدعوة مما اضطر قائد الحملة للتنكيل بهم وإرغامهم على الاستسلام، ويقال أن أبا زريعة قطع بيديه أعناق 64 ثائرًا، وأرسل رؤوسهم إلى سليمان باشا. وفي عام 1826 تمكن السلطان محمود الثاني من القضاء نهائيًا على الانكشارية، فأمر بإبطال فئاتها وملابسها واسمها في جميع الممالك المحروسة.

الحادثة الثانية :

أنه في عام 1823 قدم إلى مدينة القدس أول جماعة من المبشرين الإنجليز أملاً بالعمل على هداية اليهود إلى النصرانية.

الحادثة الثالثة :

في عام 1824 شهدت مدينة القدس ثورة شعبية سببها زيادة عبء الضرائب، وقد روى وقائعها بالتفصيل الراهب اليوناني نيوفيتوس NEOPHYTES قائلاً: طلب والي دمشق الجديد مصطفي باشا أن يدفع الفلاحون أعشارًا أكبر، تبلغ عشرة أضعاف الأعشار المعتادة. وعندما ثار فلاحو المنطقة المحيطة بمدينة القدس، قام الباشا بإرسال 100 جندي إلى قلعة المدينة، ثم سار بنفسه من دمشق على رأس خمسة آلاف رجل لمعاقبة الثائرين، ولدى اقتراب الباشا من المنطقة، هجر الفلاحون قراهم ولجأ بعضهم إلى الأديرة التي قام الجنود بتفتيشها، ولما خشي المسيحيون أن تدمر المدفعية الأديرة، قاموا بدور الوساطة بين الباشا والفلاحين، وبعد أن دفع الفلاحون والمسيحيون غرامة كبيرة تم التوصل إلى اتفاق، ولكن فور مغادرة الباشا إلى دمشق استؤنفت الثورة، لكن هذه المرة داخل المدينة نفسها، ففي الخامس من حزيران سنة 1825 احتل أهل القدس القلعة وحرسوا أبواب المدينة حراسة دقيقة، وعندما عاد المتسلم وقد كان خارج المدينة من بيت لحم والقرى المجاورة لم يسمح له بدخول المدينة، وانتخب أهالي القدس شخصين من بينهم ليكونا زعيمين لهم وهما يوسف عرب جبجي الجاعوني، وأحمد أغا الدزدار العسلي، وكان من أوائل الإجراءات التي اتخذها الحكام الجدد تخفيض الضرائب وتحرير سكان بيت لحم والقرويين من مسلمين ومسيحيين من معظم الأعشار. ولما علم السلطان بذلك، أمر عبد الله باشا والي صيدا بإخضاع الخونة، فأرسل الباشا على الفور نائبه الكيخيا إلى القدس على رأس ألفي جندي، في البداية رفض زعماء القدس الاستسلام، لكنهم بعد أن أخذت نيران المدفعية تتساقط على المدينة من جبل الطور دون تمييز استسلموا وأعطوا الأمان للخروج من المدينة، وبذلك انتهت هذه الثورة دون سفك دماء.

الحادثة الرابعة : 

وهي من أهم الحوادث التي جرت في عهد السلطان محمود الثاني والتي لم تؤثر في مدينة القدس وحدها وإنما على بلاد فلسطين والشام كلها، وهي إعلان والي مصر محمد على باشا الحرب على عبد الله باشا والي صيدا وعكا، وإرساله جيشًا بقيادة ابنه إبراهيم الذي تمكن من احتلال مدينة القدس ومعظم مدن فلسطين في عام 1831.

وبهذا الاحتلال المصري للمدينة القدسية انتهت الفترة الأولى من حكم العثمانيين لمدينة القدس خلال القرن التاسع عشر.

ثانيًا القدس في عهد السلطان عبد المجيد ( 1841-1861 ) :

بعد وفاة السلطان محمود الثاني سنة 1839 تولى السلطنة من بعده ابنه السلطان عبد المجيد الذي حاول السير على نهج أبيه في اتباع السياسة الإصلاحية في البلاد، فكان أول عمل قام به عند توليه العرش هو إصدار مرسوم (خط كلخانة الشريف) الذي دشن الفترة الأولى للتنظيمات العثمانية في الفترة الواقعة من عام 1839 إلى 1856م، وقد تضمن المرسوم الأمور التالية:

1 صيانة حياة وشرف وممتلكات الرعايا بصورة كاملة بغض النظر عن المعتقدات الدينية .

2 ضمان طريقة صحيحة لتوزيع وجباية الضرائب.

3 توخى العدل والإنصاف في فرض الجندية وتحديد أمدها.

 بعد أن وضع السلطان عبد المجيد أساس الحكم والعمل في بلاده أقال إبراهيم باشا عن حكم ولاية سوريا في فرمان تاريخه 1840م.

وفي عام 1841 تمكن السلطان عبد المجيد من استعادة بلاد الشام وفلسطين بمساعدة الدول الغربية وبسط السيطرة العثمانية عليها من جديد، وهكذا عادت مدينة القدس تحت الحكم والسيادة العثمانية.

وفي عام 1856 أصدر السلطان عبد المجيد مرسوم الإصلاح الثاني المعروف بـ (خطي همايون) الذي دشن الفترة الثانية للتنظيمات في الفترة الواقعة (1856-1876) والذي يقضى بالمساواة بين جميع الرعايا العثمانيين في الحقوق والواجبات من غير تفريق بين العناصر والمذاهب. وعلى إثر ذلك انتظم المسيحيون في الجندية مثلهم مثل المسلمين.

في أواسط القرن التاسع عشر كان سور المدينة لا يزال يشكل حدود مدينة القدس، ولم تكن هناك أية مبان خارج السور الذي كانت تغلق أبوابه عند الغروب ولا تفتح لأي إنسان يأتي متأخرًا بعد غروب الشمس. وبداخل هذه الأسوار كانت لا تزال هناك مساحات كبيرة من الأراضي تستغل للزراعة، كما كان هناك العديد من البيوت والبنايات المهدمة والمهجورة.

في سنوات الأربعينيات والخمسينيات كان البروتستانت الألمان والإنجليز أول من أقام البنايات الجديدة في داخل وخارج المدينة مثل كنيسة المسيح CHRIST CHURCH التي دشنت سنة 1849، إلا أن الازدهار الحقيقي للبناء في المدينة بدأ في سنة 1856 واستمر بعد ذلك باضطراد دون توقف، وفي سنة 1858 تأسست المسكوبية خارج أسوار المدينة، وبعد ذلك أخذ المقادسة يبنون بعض المساكن خارج السور بجوار المسكوبية كما تم فتح باب صغير في إحدى درفتي كل باب من أبواب السور لتستعمل ليلاً لدخول المتأخرين إلى المدينة.

أما عن الإحصاءات السكانية لمدينة القدس، والتي تعتمد على دفتر النفوس العثماني أن التعداد السكاني للمدينة لسنة 1849 كان كما يلي:

148، 6 نسمة مسلم، 744، 3 نسمة مسيحي، و790، 1 نسمة يهودي، أي ما مجموعه 682، 11 نسمة.

منذ عودة الحكم العثماني للبلاد سنة 1841 وحتى بداية الحرب العالمية الأولى تميزت مدينة القدس تميزًا واضحًا عن غيرها من المدن الفلسطينية والعربية وذلك بتطورها الكبير والسريع والذي كان يعكس الآثار الناجمة عن السياسة العثمانية من جهة، والتدخلات الأوروبية من جهة ثانية، أما تطورها في عهد السلطان عبد المجيد فقد سار في اتجاهين:

أولهما: تطورها الإداري بالنسبة للتقسيمات الإدارية المتبعة في النظام الإداري العثماني.

ثانيهما: تطورها التاريخي لتميزها الديني وليس لتميزها الجغرافي أو الاقتصادي.

 

أولاً: التطور الإداري لمدينة القدس:

في عشية الاحتلال المصري لبلاد الشام وفلسطين بالتحديد في سنة 1830م وحّد الباب العالي حكم فلسطين بسناجقها الثلاثة ( القدس- نابلس عكا ) في يد والي عكا. واستمر الحال كذلك في إبان الحكم المصري لفلسطين في الفترة

( 1831- 1841 ) حيث كانت عكا هي العاصمة الفعلية لسناجق فلسطين الثلاثة.

وبعد عودة السيادة العثمانية على البلاد عام 1841 عمل العثمانيون على الاستمرار في اتباع سياسة التنظيمات الإدارية التي كانت متبعة منذ عهد محمد علي في البلاد مع المحاولة على التأكيد على أهمية سنجق القدس، فجعلوا مدينة القدس هي العاصمة المركزية للمناطق الفلسطينية الوسطى والجنوبية، كما أصبحت أقضية غزة ويافا تابعتين لسنجق القدس بشكل دائم، وحتى عام 1858 كان سنجق نابلس تحت سلطة حاكم القدس.

وهكذا برزت مدينة القدس كمركز للإدارة المركزية في فلسطين وهى إحدى التطورات الإدارية الهامة في فلسطين خلال القرن التاسع عشر.

 

ثانيًا: التطور التاريخي لمدينة القدس:

كنتيجة للاحتلال المصري لفلسطين وبلاد الشام توضحت الأهمية الاستراتيجية للمنطقة وخصوصًا أهميتها للتجارة الدولية وتوسطها بين الشرق والغرب على خطوط المواصلات العالمية.

وبما أن الغرب في ذلك الوقت كان في بداية عصر الإمبريالية والتطور الصناعي والتوسع الاقتصادي، فقد توجهت سياسات دوله الكبرى نحو المنطقة بشكل عام والمدينة القدسية بشكل خاص. وبما أن العثمانيين لم يكن بإمكانهم التراجع عن سياسة الانفتاح على العالم بشكل عام والغرب بشكل خاص، والتي اتبعها المصريون في البلاد خصوصًا وأن عودة السيادة العثمانية على البلاد قد تمت بمساعدتهم، فقد توالى إلى فتح القنصليات الغربية في مدينة القدس وهى المدينة التي لم يكن بإمكان أي دولة أن تقيم لها أي وجود فيها خلال العهد العثماني السابق للحكم المصري.

بعد أن تم افتتاح أول قنصلية غربية في مدينة القدس عام 1838م في إبان الحكم المصري لفلسطين وهى القنصلية الإنجليزية، تبعها افتتاح العديد من القنصليات الأجنبية نتيجة لتغير المناخ الدولي بعد حرب القرم، ففي عام 1856 تم افتتاح قنصلية بريطانيا للمرة الثانية، كما افتتحت نهائيًا قنصلية فرنسا وفي سنة 1857 افتتحت قنصلية لأمريكا. وفي سنة 1862 افتتحت قنصليتان لروسيا واليونان، فأصبح عدد القنصليات الأوروبية في القدس ثمانية. ولقد تم كل ذلك في عهد متصرف القدس كامل باشا الذي أمر بأن تطلق المدافع إحدى وعشرين طلقة تحية لأعلام هذه القنصليات عند رفعها، وكان أهل القدس يقابلون كل هذه المراسم باحتجاج وغضب شديدين.

لم يقف التوجه الغربي نحو المدينة المقدسة بفتح القنصليات فقط، وإنما وجدت الدول الغربية أن أسهل وأسرع الطرق لبسط نفوذها في المنطقة هو من خلال بسط حمايتها على الأقليات غير الإسلامية في الدولة العثمانية، فمثلاً لم يكن لبريطانيا وكنيستها الإنجيلية أية حقوق أو مصالح تدعيها في علاقتها بالمدينة القدسية، فعمدت إلى ادعاء قيام قنصليتها بالمدينة القدسية لحماية اليهود ولرعاية مصالحهم. فقد تلقى القنصل البريطاني الأول يونغ YOUNG تعليمات بأن يعتبر الحماية العامة لليهود جزءًا هامًا من مهام وظيفته، كما أصبحت هذه المهام عزيزة للغاية على خلفه المستر جميس فن JAMES FINN الذي تولى منصبه في ربيع سنة 1846 حتى عام 1862.

وبما أنه لم يكن للبروتستانت أي قاعدة مؤسسية في الأراضي المقدسة، تم خلق هذه القاعدة بتأسيس أسقفية إنجليزية بروسية في القدس سنة 1841 وبناء كاتدرائية بروتستانتية وهى كنسية المسيح CHRIST CHURCH التي أنشئت سنة 1849.

وفي عام 1850 تمكن البروتستانت من الحصول على الاعتراف بهم كطائفة دينية رسمية في الدولة العثمانية، مما دعم الدور البريطاني في ممارسة وظيفة الحماية لليهود والبروتستانت معًا.

بعد تأسيس الأسقفية البروتستانتية، تلاه قدوم العديد من البطاركة إلى مدينة القدس واتخذوها مركزًا لهم بدلاً من القسطنطينية، ففي سنة 1847 عين البابا بيوس التاسع أول بطريرك لاتيني بمدينة القدس هو البطريرك يوسف فالرغا JOSEPH VALERGA ، في حين هذا المنصب لم يكن له أي وجود فعلي في المدينة من قبل.

هذا وقد اعتبرت فرنسا تعزيز الوجود الكاثوليكي في فلسطين مهمتها الرئيسية، والأكثر إلحاحًا للسياسة الفرنسية في الأراضي المقدسة، كما عمدت الكنيسة الكاثوليكية على تشجيع الجاليات والإرساليات الكاثوليكية للهجرة من شتى بقاع العالم إلى مدينة القدس والإقامة فيها.

ومن الحوادث الهامة التي جرت في عهد السلطان عبد المجيد وكان لها تأثير كبير في ازدياد التغلغل الديني والثقافي الأوروبي في مدينة القدس، هي حرب القرم التي نشبت بين روسيا والدولة العثمانية في الفترة الواقعة بين 1853-1856 وسببها اشتداد الخصام بين الروم الأرثوذكس واللاتين حول النجمة الفضية التي اختفت من كنيسة المهد في مدينة بيت لحم، واتهم اللاتين الروم بسرقتها، ولما ناصرت الحكومة العثمانية اللاتين وأصدرت في سنة 1852 إذنًا لهم بتسلم مفاتيح بابين من أبواب مغارة المهد وأن يضعوا نجمة من الفضة للكنيسة، احتجت روسيا وطالبت الباب العالي بالاعتراف بحمايتها للروم الأرثوذكس في الدولة العثمانية، وعندما أعلن الباب العالي رفضه هذا الأمر، أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية، فناصر الفرنسيون والإنجليز العثمانيين وتم قهر الروس، وعقدت على إثر ذلك معاهدة الصلح في باريس في 30 آذار سنة 1856.

ومن الآثار المترتبة على حرب القرم، دخول الدول الأوروبية في سباق فيما بينها من أجل تأمين الامتيازات الأوروبية والوجود الديني والثقافي الأوروبي في مدينة القدس، كما انتشرت في هذا الوقت الدعوة بصورة مكشوفة إلى الامتلاك الفعلي للأراضي المقدسة، وذلك على الرغم من حرص الدول الغربية على الحفاظ على وحدة أراضي الدولة العثمانية، وذلك من خلال التعليمات الموجهة إلى قناصلها في المدينة لأن التغلغل الأوروبي لم يكن يهدف إلى السيطرة الإقليمية وإنما إلى بسط نفوذه السياسي في المنطقة.

كما أخذت شركات الملاحة تعرج بانتظام إلى المواني الفلسطينية وتجلب جماعات من الحجاج والمسافرين إلى الأراضي المقدسة، حتى أنه في أيام الأعياد كانت تزدحم مدينة القدس بأعداد الحجاج الذي كان يفوق عدد سكان المدينة أحيانًا.

كذلك اتجه الرأي الروسي إلى ضرورة تأسيس وجود روسي في فلسطين، ففي سنة 1856 تم تأسيس شركة الملاحة البخارية الروسية التي كان من شأنها أن تزاحم خطوط البحر المتوسط الفرنسية والنمساوية وأن تنتزع منها بشكل خاص أشغال نقل الحجاج الروس إلى فلسطين.

وفي سنة 1857 كتبت وزارة الخارجية الروسية في تقرير إلى القيصر تقول فيه: ( ينبغي علينا أن نبني وجودنا في الشرق لا عن طريق السياسة بل عن طريق الكنيسة، فلا الأتراك ولا الأوروبيون الذين لديهم بطاركتهم وأساقفتهم في المدينة القدسية بمقدورهم أن يمنعونا ذلك إن القدس هي مركز العالم وإرسالياتنا ينبغي أن تكون هناك).

وفي سنة 1858 وصل إلى القدس في وقت واحد أسقف روسي وقنصل روسي (وكيل شركة الملاحة) كما نقل في السنة نفسها بطريرك الأرثوذكس الذي كان يقيم حتى ذلك الوقت في القسطنطينية إلى المدينة المقدسة.

وهكذا تحولت مدينة القدس من كونها مسرحًا للصراع المحدود بين الطوائف المسيحية المتنازعة، لتصبح ميدانًا تتصارع فيه كل القوى الدولية من أجل بسط نفوذها السياسي.

من أهم الأحداث التي جرت في مدينة القدس في عهد السلطان عبد المجيد ما يلي:

1 في سنة 1853 تم ترميم مسجد الصخرة بإرشاد مهندس أرمني خبير ببناء القباب اسمه (قرة بت) حيث قام بتقوية القبة، ورمم بعض النقوش والزينات الداخلية.

2 في سنة 1854 حاول اليهود الاستفادة من تمتعهم بالحماية البريطانية في أنحاء الدولة العثمانية، فتقدموا إلى الباب العالي للسماح لهم بتعمير محل عتيق على اعتبار أنه كنيس قديم يحتاج إلى إعادة تعمير ولما جرى الكشف عنه تبين أنه دير قديم، ولما لم يجابوا إلى طلبهم، أعلمهم القنصل البريطاني بالقدس أن يثيروا قضية سمح فيها ببناء كنيسة لطائفة البروتستانت، فنجحوا في مأربهم وصار لهم كنيس خاص بالسكناج يقابل كنيس السفارديم.

3 وفي ذات العام 1854 حصل السير منتغيوري على فرمان من السلطان عبد المجيد استطاع بموجبه شراء الأراضي في مدن يافا والقدس، وقد كان هذا محظورًا من قبل. فكانت القطعة التي اشتراها في مدينة القدس بموجب هذا الفرمان أول أرض يمتلكها اليهود الأجانب في البلاد، وهذه القطعة هي (يمين موشيه) فوق بركة السلطان، وقد أقيم على هذه الأرض فيما بعد حي يهودي دعي منتغيوري ولا زال يعرف بهذا الاسم حتى يومنا هذا.

4 وفي سنة 1856 صدر فرمان سلطاني لمتصرف القدس بتسليم (الصلاحية) لقنصل فرنسا بالمدينة المقدسة، حيث قدمت كهدية من السلطان عبد المجيد إلى نابليون الثالث إمبراطور فرنسا، فسلمت للقنصل الفرنسي وبنى لها سورًا وحصنها.

5 في سنة 1860 تم تأسيس أهم مؤسسة تعليمية غربية في مدينة القدس هي مدرسة (شنلر) للأولاد الأيتام.

6 وفي ذات العام 1860 عمر ثريا باشا متصرف القدس قناة السبيل التي تستقي القدس بواسطتها الماء من برك سليمان.

7 في أواخر أعوام الستينيات تمكن وارن WARREN من إحصاء 1932 تاجر وحرفي مقدسي يعملون في 1320 محلاً تجاريًا منهم 143 متجرًا عام – 88 تاجر خضار – 189 متجرًا للسلع التموينية -101 مخبز – 46 بائع لحوم ودجاج – 58 تاجر خمور – 30 طحانا للبن – 37 بائع تبغ – 230 حذّاء (صانع أحذية) – 62 خياطًا – 28 صباغا – 32 طاحن سمسم – 76 صبانًا (صانع صابون) – 151 حدادًا – 36 نجارًا – 86 صانع نعوش – 56 حلاقًا – 23 ساعاتيًا – 22 صرافًا وهذه القائمة قد تمت بـ 828 مسلمًا، و601 مسيحي و503 يهوديين.

 

ثالثًا – القدس في عهد السلطان عبد العزيز:

بعد وفاة السلطان عبد المجيد عام 1861 تولى حكم السلطنة العثمانية من بعده أخيه السلطان عبد العزيز، الذي تابع الحركة الإصلاحية في البلاد والتي كانت تتحرك خلال فترة التنظيمات الثانية على الأصعدة الإدارية والمالية والعسكرية، فانبثق عنها تحسن الأمن العام في أرجاء الدولة، وتوسع إمكانيات الاتصالات والازدهار الاقتصادي، غير أنه لم تكن هناك سياسات حقيقية في الدولة العثمانية بشأن التحتية أو الشئون الاجتماعية أو الاقتصاد أو التعليم.

غير أن مدينة القدس تميزت عن غيرها من المدن العثمانية في عهد السلطان عبد العزيز بتطورها الحضاري المتميز في مجالات شتى منها:

أولاً: التطور الإداري

حتى أواخر الخمسينيات من القرن التاسع عشر كانت المدن الفلسطينية ومنها مدينة القدس المسرح الرئيسي للتنافس والصراع على السلطة بين العائلات والشيوخ الحاكمة مع السلطات العثمانية.

إلا أن الأمر اختلف في عهد السلطان عبد العزيز حيث كان المسئولون في القسطنطينية في ذلك الوقت على اقتناع تام بأن التنظيم الإداري الذي يقوم على أساس المرسوم الصادر باسم (خطي همايون) سنة 1856م لا يمكن تنفيذه إلا من قبل حكومة مركزية وقوية وحازمة. لذا تم وضع قانون الولايات سنة 1864م الذي فصل القضاء عن الإدارة وقوى سلطة الحكومة المركزية في ولاياتها، كما قام بتجريد الزعماء المحليين في مختلف أنحاء الدولة العثمانية من السلطة وتم الاستعاضة عنها باستحداث المجالس المحلية مثل المجالس البلدية والمجالس الإدارية، فكانت مدينة القدس هي أولى المدن بعد القسطنطينية في تقبل مثل هذه المؤسسات، مما أدى هذا الأمر إلى تطورها الإداري الواضح والكبير، كما أصبحت مسرحًا رئيسًا للتنافس السياسي والمالي وبروز القادة السياسيين من أفراد العائلات العريقة في المدينة مثل آل الحسيني وآل الخالدي.

1 مجلس إدارة سنجق القدس:

منذ عودة السيادة العثمانية على بلاد الشام وفلسطين عام 1841، استمر حكم وإدارة سنجق القدس تابعًا لولاية دمشق حتى عام 1872 حينما حاول العثمانيون إعادة توحيد حكم سناجق فلسطين الثلاثة (القدس – نابلس – عكا) في ولاية القدس المستقلة، إلا أن الحكومة العثمانية سرعان ما ألغت هذا الإجراء في نفس العام وأبقتها لولاية دمشق.

وفي عام 1874 أصبح سنجق القدس مستقلاً، وأصبح حاكم القدس مسئولاً مباشرة من وزارة الداخلية في القسطنطينية.

كان مجلس إدارة السنجق يضم كلا من المتصرف القاضي- المفتي – أمين الخزنة – وممثل عن الطائفة الأرثوذكسية اليونانية وممثل عن الطائفة اللاتينية، وممثل عن التجمعات الأمريكية واليهودية، مع مجموعة من الأعضاء المنتخبين وفي الغالب كانوا هم أنفسهم أعضاء المجلس البلدي لمدينة القدس.

وبالنسبة لقانون إدارة الولاية عام 1871، كان مجلس الإدارة مخولاً بسلطة النظر في الأمور والأعمال العامة مثل الزراعة تسجيل الأراضي – الأموال – جمع الضرائب – رجال الأمن، إلا أن أهم أعماله كانت تتعلق بجمع الضرائب.

2 المجلس البلدي لمدينة القدس:

في العام 1863م تم تأسيس أول مجلس بلدي لمدينة القدس، وذلك وفقًا لفرمان خاص صدر في عهد السلطان عبد العزيز بن محمود الثاني وولاية خورشيد باشا متسلم القدس، وتم تشكيله من خمسة أعضاء معينين ثلاثة من المسلمين ومسيحي واحد ويهودي واحد، وكان يرأسهم العضو عبد الرحمن الدجاني، لكن هذا المجلس لم يباشر أعماله فعليا إلا في العام 1867م، حيث يعزو البعض ذلك إلى عدم وجود قانون ينظم أعماله.

ومع صدور قانون إدارة الولايات في العام 1871م لوحظ بعض النشاط المتزايد للمجلس البلدي، إلا أن نشاطه أضحى أكثر بروزا بعد صدور قانون البلديات سنة 1877م الذي حدد مهام ومسئوليات وواجبات المجالس البلدية وطرق تشكيلها، ونص على وجوب تشكيلها من ستة إلى اثنى عشر عضوًا ينتخبون لمدة أربع سنوات على أن يتم استبدال نصفهم كل عامين، أما الرئيس فيعينه الحاكم من بين الأعضاء المنتخبين.

أما فيما يختص بقوانين الانتخاب والترشيح للمجلس البلدي، فقد كانت تنص على أن كل مواطن عثماني بلغ سن 25 عامًا وقام بتسديد جميع الضرائب السنوية المترتبة عليه والتي لا تقل عن 50 دينارًا تركيا يحق له الانتخاب في المجلس البلدي.

أما بالنسبة للمرشحين فيجب أن لا يقل عمر الواحد منهم عن 30 عامًا وأن يكون مسددًا لضرائب الأملاك والتي يجب أن لا تقل عن 150 دينارًا تركيًا في السنة.

وبناءً على صدور قانون البلديات الجديد تم إعادة انتخاب مجلس بلدي موسع لمدينة القدس مؤلف من عشرة أعضاء 6 من المسلمين و2 من المسيحيين و2 من اليهود.

ومن أوائل الشخصيات المقدسية التي تولت رئاسة المجلس البلدي السيد يوسف الخالدي، الذي ترأس المجلس البلدي للمدينة المقدسة لمدة تسع سنين متتالية، وكان له تأثير كبير في تقدم وتطور المجلس البلدي في تلك الفترة، حيث سعى المجلس البلدي إلى تطوير أوضاع المدينة من حيث التركيز على النشاطات الأولية من إضاءة وتنظيف للمدينة، وتحسين ورصف شوارعها وأسواقها، لكن أهم مسئولياته وأكبرها كانت تأمين موارد المياه للمدينة، فقام بإجراء عدة إصلاحات على قناة السبيل التي كانت تمد القدس بالماء من برك سليمان.

 

ثانيًا: الازدهار العمراني

إن من أهم سمات التطور الحضاري الذي شهدته مدينة القدس في عهد السلطان عبد العزيز هو الازدهار العمراني الكبير والمتميز في داخل أسوار المدينة وخارجها. ففي خلال السنوات العشر التالية لحرب القرم سنة 1856، تم تنفيذ 24 مشروعًا عمرانيًا كبيرًا في داخل وخارج أسوار المدينة، بالإضافة إلى المجمع الروسي الكبير (المسكوبية) الذي شيد في منطقة الميدان الكائنة شمال غرب المدينة في عهد السلطان عبد المجيد.

ومنذ أواخر الستينيات حدث اندفاع وتوسع في بناء دور سكن جديدة، أو زيادة الطوابق على المباني القائمة في داخل المدينة، كما أقيمت مبان لليهود في الجهة الشمالية الغربية للمدينة وعلى جانبي الطريق المؤدية إلى يافا، كما تم افتتاح العديد من المدارس التبشيرية الألمانية الغربية في المدينة، منها المدرسة التبشيرية تاليتا قومي TALITA KUMI وهى مدرسة خاصة للبنات أسست عام 1868.

وفي ذات العام 1868 زار مدينة القدس الأمير فريدريك ولى عهد بروسيا، فأهداه السلطان عبد العزيز قطعة أرض كانت في الأصل تؤلف قسمًا من المستشفى الصلاحي، حيث بني عليها فيما بعد كنيسة حملت اسم (كنيسة الدباغة) أو كنيسة المخلص، التي دشنها الإمبراطور غليوم يوم زيارته إلى القدس عام 1898. وفي بداية السبعينيات وبالتحديد في عام 1871 أمر السلطان عبد العزيز بتعمير مسجد المغاربة بالقدس.

وفي عام 1873 تم إنشاء مستعمرة ألمانية في الجهة الجنوبية الغربية للمدينة وسكنها 257 شخص، كان معظمهم من الصناع المهرة وعائلاتهم.

وفي عام 1874 تم تعمير قبة الصخرة ومسجدها والمسجد الأقصى، حتى قيل إن التعميرات التي تمت في المسجد الأقصى تعد من أضخم التعميرات التي لحقت به بعد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. ويقول الخبراء إن هذه العمارة كلفت خزانة الدولة العثمانية مقادير كبيرة من الذهب الخالص، وقد اعتبر عمله هذا إسرافًا، فكان من جملة الأسباب التي أدت إلى خلعه.

وفي خلال أعوام السبعينيات أنشئت تجمعات سكنية يهودية خارج أسوار المدينة على شكل عمارات سكنية وبيوت مبنية في صفوف موحدة الشكل وشبيهة بالثكنات، وذلك لمواجهة الحاجة الملحة للأعداد المتزايدة من المهاجرين اليهود. في حين أخذت كذلك العائلات الإسلامية الثرية في التوسع بسكانها وأماكن إقامتها خارج أسوار المدينة وفي الجهة الشمالية منها.

ثالثًا : التطور الاقتصادي

بعد انتهاء حرب القرم سنة 1856 انهالت الأموال بكثرة ساحقة من أوروبا على المدينة المقدسة، مما أفاد السكان المحليين من تزايد الإنفاق وخاصة فيما يتعلق بأعمال البناء والتعمير كأثمان للمواد والأجور، فكان للازدهار العمراني الذي شهدته مدينة القدس مورد اقتصادي هام للمدينة وأهلها، كما أدى كذلك إلى انتفاع القرى والمدن المجاورة لها.

فقد راجت أعمال الكلاسين (صناع الجير) ودقاقين الحجارة رواجًا شديدًا، وفي كل يوم كانت تتحرك قوافل كاملة من الجمال المحملة بالجير والأحجار والخشب إلى مدينة القدس. وكان الأمر في البداية يقضي بجلب المعماريين ودقاقين الحجارة من خارج فلسطين كما حدث عند بناء كنيسة المسيح، حيث جلب هؤلاء من مالطا، لكن ما أن بدأت أعمال البناء والتعمير بالرواج في أعوام الستينيات حتى أصبحت تتوفر هذه المهارات محليًا وخصوصًا من مدينتي بيت لحم وبيت جالا القريبتين من القدس. فقد نشأ فيها تخصص حرفي لتلبية متطلبات مهنة البناء خاصة وأن العاملين في تلك المهنة كانوا يتقاضون أجورًا جيدة.

وفيما عدا النشاط العمراني للمدينة وما صحبه من إنفاق، فإن المدينة عاشت في معظمها على الموارد الدينية سواء من إنفاق المؤسسات التبشيرية، أو من قدوم الحجاج وزيارتهم للمدينة وما صحبه من تأمين للخدمات والسلع المختلفة.

 

رابعًا: تطور الاتصالات

شهدت مدينة القدس في أعوام الستينيات من القرن التاسع عشر تقدمًا وتطورًا واضحين في وسائل الاتصال من تلغراف وإنشاء وتعبيد لطرق جديدة تصل المدينة المقدسة بباقي المدن الفلسطينية.

ففي شهر آب من عام 1864 وصل خط التلغراف إلى مدينة يافا ومنه وصل الخط إلى مدينة القدس في شهر حزيران من عام 1865م، وهكذا أصبحت مدينة القدس مربوطة بالتلغراف مع كل من القسطنطينية والقاهرة، ومن خلالهم إلى العواصم الأوروبية المختلفة، هذا الاتصال بالعالم الخارجي من خلال التلغراف كان له أهمية كبرى للمدينة خاصة بعد انفصالها عن دمشق عام 1874 واتخاذها صفة الاستقلالية، واتصالها مباشرة بالقسطنطينية.

أما عن إنشاء وتعبيد الطرق الواصلة للمدينة، ففي عام 1867 بدأت السلطات العثمانية بإنشاء وتعبيد أول طريق بين يافا والقدس عن طريق أعمال السخرة وتحت إشراف المهندس الإيطالي بيروتي PIEROTTI ، وتم فتح الطريق للسير عليه سنة 1867م. وفي عام 1870م تم تعبيد الطريق الواصل بين القدس ونابلس إلا أن تعبيد الطريق الواصل بين يافا والقدس لم يكن بالعامل المؤثر في ازدياد التبادل التجاري مع المركز التجاري لمدينة القدس، وإنما كان عاملاً مساعدًا في تسهيل عمليات السفر والانتقال من وإلى المدينة.

في بادئ الأمر عمل رئيس بلدية القدس آنذاك يوسف الخالدي على تشغيل عربات نقل عادية للخدمة على الشارع الجديد، لكن في عام 1875 تمكن فرسان المعبد من تأسيس أول شركة نقل لتسيير رحلات يومية منتظمة بين يافا والقدس. وفي عام 1879 تمكنوا من الحصول على امتياز حكومي لعملهم هذا فقدوا منافسة العرب واليهود لهم.

وفي العام 1876م أطاح السلطان مراد الخامس بن عبد المجيد بعمه السلطان عبد العزيز ليقوم مقامه، لكنه لم يلبث على عرش السلطنة أكثر من بضعة أيام لكونه مصابًا بمرض الصرع، وبتاريخ 31 آب 1876م نودي بأخيه الأصغر منه عبد الحميد الثاني بن عبد المجيد سلطانًا على البلاد.

عند تولى السلطان عبد الحميد الثاني حكم السلطنة وجد البلاد تعاني من ضائقة مالية شديدة، والخزانة العامة خاوية أدت إلى إشهار إفلاسها سنة 1875م وانعكس ذلك على وضعها العسكري مما هدد كيانها ووجودها، في حين كانت روسيا تهدد بالحرب وأوربا تظهر العداء والعنت الصريحين للعثمانيين.

كل ذلك دفع العثمانيين إلى زيادة الاهتمام بالولايات السورية ومن جملتها فلسطين لزيادة فاعلية وضعهم المالي والعسكري عن طريق فرض الضرائب العادية منها وغير العادية، وكانت عمليات جمع الضرائب هي المحك لكفاءة وقدرة الحاكم، ولم يكن يقبل أي عذر لأي فشل أو إهمال في هذا الشأن، كما كان يترتب على سكان السناجق تقديم كميات من المؤن (الذخائر) إلى الوالي وجنده، وكان عدم الامتثال لذلك يواجه بعقوبات قاسية جدًا، هذا إضافة إلى تكثيف عمليات التجنيد الإجباري التي كانت تتم في المناطق دون هوادة، مما دفع البلاد إلى مزيد من الفوضى والفساد وتنامي روح الثورة ضد الجور والظلم.

وبتاريخ 7 من ذي الحجة سنة 1293هـ/1876م وبتأثير من الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) مدحت باشا أعلن السلطان عبد الحميد الثاني القانون الأساسي للدولة (الدستور) الذي بموجبه منح الشعب حرية القول والعمل والاجتماع، كما أمر السلطان عبد الحميد الثاني بانتخاب مجلس العموم والمؤلف من مجلسين، وهما الأعيان ومجلس المبعوثان (النواب).

إلا أن البلاد العثمانية لم تنعم بهذه الحرية زمنًا طويلاً، إذا لم ينقض سنتان على نشر الدستور إلا وقام السلطان عبد الحميد الثاني متذرعًا بإعلان روسيا الحرب على بلاده سنة 1877 بإصدار قانون يعطل العمل بالدستور، وفي سنة 1878 حل البرلمان وأغلق (ضولمة باغجة) التي كان يجتمع فيها مجلس المبعوثين، وعمل على مناوئة كافة الجهود الوطنية للإصلاح، ونفى مدحت باشا إلى خارج البلاد وكان ذلك لثبات اعتقاده وإيمانه بوجوب الحكم المطلق في يده، فراح يدير ويحكم البلاد وفق إرادته الشخصية مما دفع البلاد إلى عهد جديد من الطغيان وسواء استغلال السلطة وفسادها.

لكن سوء الأوضاع في البلاد العثمانية دفع ببعض المثقفين الأتراك لتأليف جمعية الاتحاد والترقي التي دعت إلى إقامة حكومة دستورية تدخل النظم الحديثة في الإدارة والجيش، وتحقق الحرية والمساواة وتوقف تدخل الدول الأوروبية في شئون الدولة العثمانية. وعمل أعضاء هذه الجمعية على نشر الدعوة سرًا بين قوات الجيش الذي انضم أغلبه إليها.

وفي 3 تموز سنة 1908م تم إعلان الثورة على الحكومة مطالبين بإسقاطها الأمر الذي أجبر السلطان عبد الحميد بتاريخ 25/7/1908م على معاودة إعلان العمل بدستور 1876 بعد تعطيله مدة إحدى وثلاثين سنة وإطلاق الحريات العامة.

وبعد بضعة أشهر وبالتحديد بتاريخ 13/4/1909م حاول السلطان عبد الحميد الثاني القيام بثورة مضادة للتخلص من الجمعية ومن الدستور ومن مجلس المبعوثين، عندئذ زحف الجيش من سالونيك إلى الأستانة وأعاد إلى جمعية الاتحاد والترقي نفوذها، فعمل أعضاؤها على إسقاط السلطان عبد الحميد عن عرشه وأقاموا مقامه أخاه محمد رشاد سلطانًا باسم محمد الخامس في 17/4/1909م.

رابعًا – القدس في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909):

على الرغم مما شهدته مختلف البلاد العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني من تراجع حضاري واضح، وتدهور كبير في أوضاعها الاقتصادية والأمنية إلا أن مدينة القدس تميزت عن باقي المدن الفلسطينية والولايات السورية باستمرار نموها وتطورها الحضاري الناجم عن السياسة العثمانية التي عمدت خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر على تأكيد أهمية سنجق القدس بفصله عن ولاية الشام وارتباطه مباشرة بالأستانة عام 1847، ومحاولة السلطات العثمانية دعم وتثبيت وجودها الإداري في فلسطين قبالة الحكم المصري السابق من ناحية، وبشكل أقوى وأكبر أمام الدول الأوروبية من ناحية ثانية.

كما عملت على الاستمرار في سياسة الانفتاح التي اتبعها محمد علي باشا وولده إبراهيم باشا في المدينة المقدسة والتي لم يعد بإمكان العثمانيين التراجع عنها، وكذلك ازدياد الاهتمام والصراع الأوروبي الغربي فيما بينها لبسط نفوذها في المنطقة بحجة الأقليات الدينية التابعة لها من خلال فتح قنصليات جديدة في القدس في عهد السلطان عبد الحميد، غير تلك التي فتحها في عهد سلفه السلطان عبد المجيد، ففي عام 1885 بدأ قنصل ألمانيا بالعمل في القدس بصفته مندوبًا عن إمبراطور ألمانيا وملك بروسيا، وفي عام 1886 اعترفت الحكومة التركية بوجود ملحق تجاري في القدس لدولة العجم (إيران) وفي عام 1888 اعترفت أيضًا بوجود قنصل روسي يحمي المصالح الروسية في القدس.

كان القنصل المعين عند وصوله إلى مدينة القدس عليه أن يقدم أوراق اعتماده إلى المتصرف والنائب، مرفقًا بها رسالة توصية من ولاة الأمر في الأستانة تشتمل على اسمه واسم سلفه والمدة التي سيمكثها في القدس، وصلاحياته تجاه رعاياه والامتيازات التي يتمتع بها، مع الطلب بأخذ جميع التدابير اللازمة لحمايته.

أما النمو والتوسع الحضاري الذي شهدته المدينة فيتمثل في الأوجه التالية:

أولاً: النمو السكاني

إن الإحصاءات العثمانية للتعداد السكاني لمدينة وقضاء القدس بين عامي 1871-1914 يبينها الجدول التالي:

إجمالي العدد

اليهود

المسيحيون

المسلمون

السنة

الموقع

14.358

3.780

4.428

6.150

1871-1872

مدينة القدس

81.059

7.105

19.950

54.364

1881-1893

قضاء القدس

120.921

18.190

32.461

70.270

1914

قضاء القدس

إن أرقام التعداد السكاني لعامي 1871-1872 تعتمد على دفاتر سلنام ولاية سوريا، وأرقام التعداد للأعوام 1881-1893 والتي تشمل كافة قضاء القدس بما فيه المدينة تعتمد على الإحصاء الذي تم فعليا على السكان، أما أرقام التعداد لعام 1914 فهي تعتمد على الإحصاءات السكانية لوزارة الداخلية العثمانية.

لكن الإحصاءات العثمانية وحسب الجدول السابق تعتمد على تعداد سكان ومواطني الدولة فقط، في حين كانت هناك أعداد كبيرة من اللاجئين اليهود وبعض رعايا الدول الأخرى من الأجانب لم يتم إحصاؤهم.

وعلى الرغم من صدور قانون 1882 الذي يحرم هجرة اليهود إلى فلسطين وشراءهم الأراضي فيها بعد أن تفاقم أمر هجرتهم إلى فلسطين بقصد الاستيطان فيها، فقد دلت إحصاءات عثمانية تمت في عامي 1895-1899 بوجود ما يقارب 5500 أجنبي في كامل سنجق القدس، أكثرهم من اللاجئين اليهود الذين ازدادت أعدادهم كثيرًا خلال العقدين السابقين للحرب العالمية الأولى، وذلك من خلال استغلالهم للأوامر السلطانية الصادرة عام 1900م إلى متصرف القدس، والتي تقضي بالسماح لليهود إلى مدينة القدس والإقامة فيها بصورة غير مشروعة، وذلك لفساد الإدارة العثمانية وتفشى الرشوة بين موظفيها.

وهكذا يتضح لنا من خلال الإحصاءات العثمانية لمواطني القدس أن النمو السكاني المضطرد الذي شهدته المدينة في أواخر القرن التاسع عشر إضافة إلى ازدياد أعداد المهاجرين إليها من اليهود جعلها عشية الحرب العالمية الأولى من أكبر مدن فلسطين من حيث التعداد السكاني بالإضافة إلى النواحي الحضارية الأخرى.

ثانيًا: التوسع العمراني والحضاري

شهدت مدينة القدس منذ أعوام السبعينيات من القرن التاسع عشر توسعًا كبيرًا في البناء والتعمير خارج أسوار المدينة، خاصة بعد أن تم شق وتعبيد الطريق الواصل بين مدينتي يافا والقدس سنة 1867م الذي سهل كثيرًا من عمليات نقل واستيراد مواد البناء من وإلى القدس على عربات دون عناء.

في أواخر السبعينيات ونتيجة للتوسع العمراني إلى خارج الأسوار أصبحت أبواب المدينة تفتح طوال الليل وفي أوقات صلاة الظهر من يوم الجمعة.

ومنذ أوائل أعوام الثمانينيات بدأ المقدسيون في اتباع طرق حديثة في بناء المساكن المقامة خارج الأسوار حيث أصبحت جدران المباني أقل سمكًا وغرفها مسقوفة بأعمدة خشبية، وكذلك أرضياتها من الخشب، ومن ثم تطورت عمليات البناء إلى بناء الأسقف من الأعمدة الحديدية والأرضيات من البلاط الحجري، كما تم تغطية خشب الأسقف بحجر القرميد الأحمر وهكذا بدأت في الظهور مدينة القدس الجديدة ذات الطابع الأوروبي والتي أخذت تنمو وتكبر إلى جانب مدينة القدس التاريخية.

أما المباني التي أقيمت للمهاجرين اليهود الجدد في المنطقة المجاورة للناحية الشمالية الشرقية من القدس القديمة، فقد أخذت أيضًا في النمو والتوسع لازدياد أعدادهم من جهة، ولسهولة حصولهم على أراض للبناء خارج المدينة لكونها أراض غير مملوكة للحكومة أو الأفراد أي مشاع. أما التجمعات اليهودية المقامة في داخل المدينة فقد كانت تعمل في الغالب على استئجار مساكن لها من الأوقاف الإسلامية.

هذا وقد تم إجراء العديد من أعمال البناء والتعمير في داخل المدينة المقدسة في عهد السلطان عبد الحميد، حيث تم بناء وتعمير العديد من المنشآت المائية منها تعمير السبيل الكبير المعروف بسبيل قايتباي، وقناة السبيل عام 1899م كما أنشئ السبيل الذي كان قائمًا تجاه باب الخليل إلي الغرب سنة 1907م كما أقيم برج الساعة فوق باب الخليل في ذات العام 1907م.

وقيل إن السلطان عبد الحميد أنفق على تعمير الحرم وزخرفته ثلاثين ألف ليرة عثمانية خلا الطنافس المختلفة الألوان التي اتخذت فرشًا، وبلغت قيمتها عشرة آلاف ليرة عثمانية.

ثالثًا: تطور خطوط المواصلات

من المشاريع المهمة التي أقيمت في عهد السلطان عبد الحميد وكان لها أثر كبير في انتعاش اقتصاد المدينة والمناطق المحيطة بها هو مد سكة الحديد بين القدس ومدينة يافا المطلة على البحر المتوسط بطول 86.630 كم وقد حصلت على امتياز تنفيذه شركة فرنسية عام 1889 وبدأ العمل بإنشائه في عام 1890، وتم الانتهاء منه وتشغيله في عام 1892م.

ومع نهاية القرن التاسع عشر قدرت الأرباح العائدة من تسيير الخط الحديدي بمبالغ طائلة من الأموال، حيث قدر عدد المسافرين من الحجاج والزوار بـ 85.440 مسافرًا في العام 1893 و149.200 مسافر في العام 1909م.

كما قامت السلطات العثمانية في القدس بإنشاء شبكة من الطرق الجديدة في أوائل التسعينيات من القرن التاسع عشر، وصلت المدينة المقدسة بباقي المدن في وسط وجنوب فلسطين منها رام الله – بيت لحم الخليل أريحا.

رابعًا: تطور البنية التحتية

من الأمور التي ساهمت في تطوير المدينة حضاريًا تمتعها بالمجلس البلدي الذي كان قائمًا والذي سعى جاهدًا في اتباع الإجراءات الضرورية اللازمة لتحسين البنية التحتية للمدينة والأوضاع المعيشية لسكانها.

في أوائل السبعينيات بدأت بلدية القدس إجراءاتها النشيطة لتنظيف المدينة وجمع النفايات ورصف الشوارع ومد شبكة للمجاري والتي استمر التوسع فيها حتى عام 1914، وفي عام 1886 شكلت قوة شرطة للمدينة للمحافظة على الأمن والاستقرار فيها، كما قامت البلدية في نفس العام بإنشاء عيادة وتم تعيين طبيب لمعالجة المرضى مجانًا.

ومنذ أوائل التسعينيات سعت البلدية إلى تحسين الخدمات الطبية في القدس من خلال إنشاء المستشفى البلدي ليخدم قطاعًا أوسع من الناس. ويقول د. كامل العسلي في كتابه (مقدمة في تاريخ الطب في القدس): إن حقيقة أمر المستشفى هو أن الحاج سليم أفندي الحسيني رئيس بلدية القدس اشترى قطعة أرض في حي الشيخ بدر (روميما بعد ذلك) قرب لفتا وبنى عليها مبنى ذا طابقين يضم 28 غرفة وكان البناء يضم 40 سريرًا، وكان المستشفى مزودًا بغرفة عمليات مجهزة تجهيزًا ممتازًا، كما كانت صيدلية المستشفى مجهزة بجميع الأدوية المعروفة في ذلك الوقت.

وفي عام 1892 افتتح متنزه عام للجمهور في شارع يافا وسط المدينة، وغدت الفرق الموسيقية تعزف ألحانها هناك مرتين أسبوعيًا. ومع نهاية القرن التاسع عشر تم تركيب الآلاف من مصابيح الكاز لإنارة شوارع المدينة.

ومع بداية القرن العشرين توسعت النشاطات الثقافية في المدينة حيث تم تأسيس متحف للآثار، وافتتاح مسرح قرب باب الخليل سنة 1901 كانت تقدم فيه المسرحيات باللغات العربية والتركية والفرنسية.

وفي الأول من أيلول سنة 1908م صدرت أول مجلة عربية في فلسطين وظهرت في القدس أسماها صاحبها حنا عبد الله العيسى (بالأصمعي) وكانت تعالج الموضوعات الاجتماعية والأدبية والسياسية والتربوية، لكنها توقفت عن الصدور بعد وفاة صاحبها بتاريخ 12/9/1909 بعد أن صدر عنها أحد عشر عددًا في مدة خمسة أشهر ونصف، هذا وقد شارك في تحريرها والكتابة فيها الأديبان والكاتبان المقدسيان خليل السكاكيني ومحمد إسعاف النشاشيبي.

نهاية الحكم العثماني لمدينة القدس

ما أن انقضت بضع سنوات على تولي السلطان محمد رشاد الخامس حكم السلطنة العثمانية في عام 1909 حتى أعلنت الحرب العالمية الأولى سنة 1914، وحارب الأتراك العثمانيون إلى جانب ألمانيا ضد الحلفاء الإنكليز والفرنسيين والروس في